تونس في أوج "أيام قرطاج السينمائية" ... والسياسية



تونس - تجري فعاليات الدورة 25 من "أيام قرطاج السينمائية" في فترة ما بين دورتين من الانتخابات الرئاسية، زمن استثنائي يلقي بأضوائه وظلاله على الأفلام والنقاشات والانتقادات والاحتفالات...


انطلقت أيام قرطاج السينمائية السبت 29 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وتستمر حتى السادس من الشهر الجاري وسط أجواء صاخبة بالإبداع من جهة وبالجدل والحماسة السياسية من جهة أخرى، على خلفية ترقب لدورة ثانية وشيكة من الانتخابات الرئاسية بين الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي. وتقول مديرة المهرجان درة بوشوشة "تكتسي هذه الدورة طابعا خاصّا على المستوى السينمائي طبعا لكن أيضا على المستويين السياسي والتاريخي، فبلدنا الصغير الذي قرّر التغيير مما شجّع بلدان المنطقة على تقرير مصيرها يشكل حاليا مخبرا للحريّات".

وفي حين تجري فعليات المهرجان والجماهير في طوابير انتظار طويلة أمام قاعات السينما، افتتحت الثلاثاء في تونس أيضا أعمال أول برلمان دائم في البلاد انتخب بشكل حر الشهر الماضي في واحدة من آخر خطوات الانتقال الديمقراطي في تونس مهد انتفاضات "الربيع العربي". لكن الوصول لهذا التحول لم يكن سهلا فتخللته العديد من الأحداث نذكر منها في سياق مجال الإبداع هجوم مجموعة من السلفيين على قاعة سينما الأفريكا في 2012 بسبب عرض فيلم لنادية الفاني رأى فيه البعض مساسا بالإسلام. ويحتضن نزل الأفريكا اليوم الضيوف والصحافيين وندوات أيام قرطاج. كما شهدت جادة الحبيب بورقيبة وبالتحديد مدرج المسرح البلدي -حيث أقيم حفل افتتاح المهرجان- مظاهرات صاخبة وموجات عنف طالت فرقة مسرح كانت تقدم عرضا في الشارع.
درة بوشوشة مديرة أيام قرطاج السينمائية

ويعرض خلال أيام قرطاج فيلم "صبر ومر" لنصر الدين السهيلي المخرج الذي سجن بعد أن رشق وزير الثقافة السابق مهدي مبروك ببيضة. وكان السهيلي بين ثلة من المثقفين والسينمائيين ورجال ونساء المسرح الذين تظاهروا في 11 يناير / كانون الثاني 2011 ومنهم جليلة بكار ورجاء بن عمار و أحمد أمين بن سعد و نصر الدين السهيلي وغيرهم، ضد الرئيس زين العابدين بن علي الذي أطاحت به الثورة في 14 يناير/كانون الثاني من نفس السنة.

وتقول درة بوشوشة مديرة مهرجان قرطاج السنمائي "سعداء بأن السينما لا تزال تجمعنا.. سنسعى معا لأن تكون السينما ذلك السحر والأمل في هذا العالم الأسود المليء بالاحتقان. وأن يبقى بلدنا حاملا لهذا الأمل. أمل يعبر بالفن السابع عن طموحاتنا ورغباتنا. أمل يجمع بيننا دون فوارق". وحضر السبت حفل الافتتاح العديد من النجوم على غرار الممثلات التونسية درة زروق والأردنية صبا مبارك والمصرية منة شلبي. وحضرت كذلك وجوه معروفة من الفنانين التونسيين والسياسيين من مختلف التيارات، فكان أحمد ابراهيم رئيس حزب "المسار" سابقا حاضرا وأيضا العجمي لوريمي القيادي في حزب النهضة وآمنة قلالي مديرة مكتب منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تونس، وسياسيون على غرار حمة الهمامي، ممثل حزب الجبهة الشعبية، الذي حل ثالثا في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وأيام قرطاج هي بمثابة "مسرح مصغر" للساحة السياسية.

فهكذا هي تونس، مرت عليها الحكومات والأنظمة لكن مثقفيها ومناضليها هنا، والمجتمع المدني في يقظة دائمة لا يترك مجالا للتعسف فيرصد وينشر ويتظاهر من أجل استمرار حرية التعبير. فترأس المناضل الكبير "عم" علي بن سالم الجلسة الأولى للبرلمان الجديد الثلاثاء في لحظة تاريخية أبكت التونسيين، بن سالم الذي قاوم الاستعمار وعارض بورقيبة وبن علي. ووطأ حمة الهمامي برفقة زوجته راضية النصراوي البساط الأحمر للمهرجان بعد أن قضى عقودا بين السجون والسرية في عهدي بورقيبة وبن علي.

وتقول الناشطة مريم الزغيدي أنها بلقائها العجمي لوريمي في أيام قرطاج لم تتردد بتذكيره بيوم 11 يناير 2014 ثم بأن وزير الثقافة السابق مهدي مبروك "الذي عيّنته النهضة والذي تم خلال ولايته ضرب وسجن أكبر عدد من الفنانين في وقت قياسي، أكثر حتى من وقت بن علي،العدو الأول للحرّية... ذكّرته أنّه يومها وقبله وبعده...لا العجمي الوريمي ولا حتى "نهضاوي" آخر كان موجودا معانا". كل من نحادثه يحيلنا إلى عالم السياسة، فيقول لنا سفيان الفاني الذي أدار الصورة في فيلم الافتتاح، "تمبكتو" للموريتاني عبد الرحمان سيساكو "لا تليق لي التغطية الإعلامية الفرنسية للوضع السياسي في تونس، فهي تحمل توجها مساندا للإسلاميين" !. ويتناول "تمبكتو" الفيلم العربي والأفريقي الوحيد الذي شارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان 2014، قضية التطرف الديني ويروي قصة صراع سكان المدينة المالية مع إسلاميين متطرفين سيطروا عليها وفرضوا فيها أنماط عيش متشددة. وكتبت الممثلة التونسية سوسن معالج على صفحتها على فيس بوك أنها لم تفهم من أول وهلة الإجراءات الأمنية المشددة في جادة الحبيب بورقيبة فقالت "نسيت أنه أصبح عندنا إرهاب ! عندما تنفست رائحة الشارع –الحبيب بورقيبة- و الأفريكا والمسرح البلدي و الكوليزيه والروتوند، الإنترنسيونال ... و المونديال، نسيت، والله نسيت" وأضافت "عندما تذكرت الطاهر شريعة وسيساكو وشاهين و إلياس الزرلي و فولادكار و أحمد زكي وغودار وحسنين كريد والنوري بوزيد ، نسيت".

ورغم اللحظة المؤثرة التي بكى فيها علي بن سالم واقفا فإن العديد يجمع في تونس على أن الجلسة الأولى كانت فاترة وسط غياب تعيين رئيس دائم للبرلمان وأمام الضبابية التي تلف موعد الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية. وأجمع أهل السينما والإعلام من جهة أخرى أن افتتاح أيام قرطاج السينمائية كان ينقصه الخفة والسحر لمغالاة في البروتوكول والتصنع في تقديم الحفل، ما عدا فاصلا شد الجميع وجاء في كلمة المخرج ابراهيم اللطيف الذي استهل مداخلته بـ "السلام عليكم" مكررة ثلاث مرات على طريقة المرزوقي. وعبر اللطيف عن أسفه لأن "أكثر من 100 قاعة سينما" أغلقت في تونس منذ استقلال البلاد عن فرنسا سنة 1956. كما أشار إلى مشروع "مدينة الثقافة" المهمل منذ سنوات...

حتما إن السياسة هي الضيف الأبرز في هذه الدورة التي تعرض فيها عديد الأفلام ومنها التي تتطرق إلى الثورة من قريب أو بعيد بأساليب مختلفة ونذكر منها "بيدون 2" لجيلاني السعدي الفيلم التونسي الوحيد المشارك في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة، و"ربيع تونس" لرجاء عماري -خارج المسابقة-، و"يوميات مواطن عادي" لوليد الطايع... ومن بين الأفلام المتنافسة على جائزة "التانيت الذهبي" للأفلام الطويلة فيلم "ديكور" للمخرج المصري أحمد عبد الله و"لوبيا حمراء" للمخرجة الجزائرية ناريمان ماري و"ذيب" للمخرج الأردني ناجي أبو نوار و"هم الكلاب" للمغربي هشام العسري. ويعرض المهرجان 50 فيلما منها الطويلة والقصيرة والوثائقية من 22 دولة.

لكن مشاركة فيلم تونسي واحد ضمن المسابقة الدولية للمهرجان أثار انتقادات لاذعة في تونس وخصوصا ردة فعل الغرفة النقابية الوطنية لمنتجي الأفلام الطويلة التي اتهمت المهرجان بتغييب السينما التونسية. وأيام قرطاج السينمائية نافذة مهمة للتعريف بالسينما التونسية في العالم العربي وأفريقيا ودول المتوسط، وهو أقدم مهرجان سينمائي في المنطقة العربية وأفريقيا. وتقول بوشوشة "من المهم التأكيد أن العدد الإجمالي للأفلام التونسية المشاركة هو 44 فيلما من مجموع الأفلام التونسية التي ترشحت للمشاركة في مختلف أنشطة المهرجان " خلافا لما قيل وأكدت أن لجان انتقاء الأفلام مستقلة. وقال لنا المخرج والمنتج محمد علي النهدي إنه "مع وضد" هذا الجدال "مع لأنني أرغب في رؤية المزيد من الأفلام التونسية في المهرجان، وضد لأنني لا أريد أن يكون ذلك على حساب القيمة الفنية". وقال لنا المنتج الزيمبابوي كيث سهيري أن "من المهم أن تعرض الأفلام الأفريقية التي لا يراها أحد، أما الأفلام التونسية فلديها فرص أكبر ومناسبات كثيرة تعرض فيها".

العديد من الأفلام التونسية، خارج المسابقات الرسمية الثلاث (روائية طويلة وروائية قصيرة ووثائقية)، أخرجها شباب صاعد متخرج من مدارس السينما التي ظهرت وكثرت في السنوات الأخيرة، أفلام ذات أساليب ومناهج فريدة ومختلفة: سينمائيو تونس الجدد صورة عن ثورتهم، بلا قائد، وكل واحد منهم انتفاضة. وتضم لجنة تحكيم الأفلام الطويلة المخرجين الأمريكي داني غلوفر وسلمى بكار (سينمائية تونسية ونائب في البرلمان السابق) والجزائري نذير مقناش والسويسري ريناتو بيرتا والسنغالي موسى توري والفنانة اللبنانية ريما خشيش. فيما يرأس الصحافي والناقد اللبناني بيار أبي صعب لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية.

ما تغير اليوم هو أن أيام قرطاج ستقام في المستقبل سنويا بعد أن كانت تقام كل سنتين، تقدم في هذه الدورة الـ25، وللمرة الأولى منذ نشأتها عام 1966 عروضا سينمائية خارج العاصمة تونس في 6 مدن هي منزل بورقيبة وجندوبة (شمال) وتالة والقيروان وسط وقفصة ومدنين (جنوب) على أن يتم "سنة 2015 تعميم المهرجان على كل الجهات" في البلاد حسب درة بوشوشة. شيء ما تغير، كل شيء تغير، حتى الطقس في هذا الشهر ربيع والمقاهي مكتظة على جادة الحبيب بورقيبة حيث تنظم عروض موسيقية على هامش المهرجان ... حماسة الجمهور لم تتغير، شباب يناقشون العرض الذي شاهدوه ويراقبون ساعاتهم استعدادا للعرض التالي، شباب نوادي السينما المليء أحلاما وذكاء، جمهور قرطاج ومواعيده التي يلتقي فيها أهل السينما العرب والأفارقة، ولا تملكه أكبر المهرجانات العربية ولا حتى ذات الميزانيات الخليجية الخيالية، هو نفسه وإن تجدد. وفي نزل الأفريكا حين يحل الليل يروي لنا أحد المخرجين أن ثورة تونس ألهمته فيلمه، وتجيبه الفنانة الجزائرية "بيونة" بالأغنية الكوبية الأسطورة "من يدري؟" في ارتجال يرجأ كل الأسئلة إلى غد مفعم وعودا.

ا ف ب
الجمعة 5 ديسمبر 2014


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan