.
وهنا يعلن النص فلسفته بوضوح، بأن الأثر أهم من السبب، وما يفعله الحدث في النفس أعمق من الحدث ذاته، ولهذا تبدو الرواية متشظية، غير مكتملة عمداً، وكأنها ترفض أن تُروى بشكل “مرتب”، لأن الواقع نفسه فقد نظامه.
يحمل عنوان الرواية «حربلك» كثافة دلالية لافتة، فالكلمة العامية لا تشير إلى الفوضى، وإنما إلى انهيار المنطق، فالحربلكة غياب القدرة على الفهم، ويقول النص: “كل شيء صار حربلك، حتى أفكارنا لم تعد تمشي في صف مستقيم”، والعنوان هنا يقدم حالة داخلية يعيشها الإنسان.
بهذا المعنى، تقترب الرواية من الفلسفة الوجودية التي ترى الإنسان محكوماً بالظرف، لا بحرية مطلقة، الخيارات قليلة، وكل اختيار يحمل ذنباً ما، والخوف في «حربلك» بنية كاملة تنظّم الحياة، وقانون غير المكتوب، واللغة المشتركة بين الجميع، ” تعلمنا كيف نخاف بهدوء، كيف نخفي خوفنا حتى عن أنفسنا”، والخوف هنا يهمس، يظهر في التفاصيل الصغيرة، وفي طريقة المشي، في خفض الصوت، في الالتفات المفاجئ.
والمكان في الرواية ليس حيادياً، المدينة تتحوّل إلى كائن قاسٍ، يراقب، يضغط، ويخنق ساكنيه يقول العثمان: “الشوارع التي كنا نحبها صارت تبتلعنا”، وهذا التحول يمنح المكان بعداً فلسفياً، لم يعد الإنسان يعيش في المكان، بل يُستَلب داخله، والمدينة مصيدة، والبيت موضع ترقّب.
وهذا الأسلوب يخدم فلسفة الرواية، فالزخرفة اللغوية تبدو غير أخلاقية في عالم يتفكك، اللغة هنا أداة بقاء، لا أداة تزيين، ومن اللافت أن الرواية لا تذكر سلطة أو نظاماً أو حدثاً سياسياً محدداً، لكنها مشبعة بالسياسة من الداخل، السياسة هنا تجربة معيشة ” أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تُرى”.
والزمن في الرواية دائري، خانق، بلا مستقبل واضح، “الأيام تشبه بعضها، فقط الخوف يتغير شكله”، وغياب الأفق يجعل الحاضر عبئاً ثقيلاً، ويحوّل الزمن إلى استمرار للألم، لا إلى إمكانية للتغيير.
رواية «حربلك» نص مواجهة مع الخوف، مع التواطؤ الصامت، مع هشاشة الإنسان حين يُحاصر طويلًا، تترك أثرها في القارئ لأنها لا تدّعي الحكمة، بل تشاركه الحيرة.
يكتب محمد طه العثمان روايته كأنه يقول هذا ما حدث لنا من الداخل، لا بطولات، لا شعارات، فقط بشر يحاولون البقاء في عالم صار “حربلك”.
رواية الحالة لا الحكاية
لا يمكن التعامل مع «حربلك» بوصفها رواية أحداث، فهي لا تتقدّم وفق حبكة تقليدية، ولا تُبنى على تصاعد درامي واضح، إنها رواية حالة ذهنية ووجودية، حيث تتقدّم المشاعر قبل الوقائع، والهواجس قبل الأفعال، يقول العثمان فيها ” لم يعد مهماً ما الذي حدث أولاً، المهم ما الذي تركه فينا”.وهنا يعلن النص فلسفته بوضوح، بأن الأثر أهم من السبب، وما يفعله الحدث في النفس أعمق من الحدث ذاته، ولهذا تبدو الرواية متشظية، غير مكتملة عمداً، وكأنها ترفض أن تُروى بشكل “مرتب”، لأن الواقع نفسه فقد نظامه.
يحمل عنوان الرواية «حربلك» كثافة دلالية لافتة، فالكلمة العامية لا تشير إلى الفوضى، وإنما إلى انهيار المنطق، فالحربلكة غياب القدرة على الفهم، ويقول النص: “كل شيء صار حربلك، حتى أفكارنا لم تعد تمشي في صف مستقيم”، والعنوان هنا يقدم حالة داخلية يعيشها الإنسان.
الخوف والرغبة في النجاة
الإنسان في «حربلك» ليس بطلاً ولا ضحية، بل كائن متردّد، مأزوم، يحاول النجاة بأقل الخسائر الممكنة، والرواية ترفض الثنائية الأخلاقية الحادة، وتقدّم شخصيات تعرف أنها تتنازل، لكنها لا تملك ترف الرفض، ” لم نكن نبحث عن الشجاعة، كنا نبحث عن طريقة نبقى بها أحياء”.بهذا المعنى، تقترب الرواية من الفلسفة الوجودية التي ترى الإنسان محكوماً بالظرف، لا بحرية مطلقة، الخيارات قليلة، وكل اختيار يحمل ذنباً ما، والخوف في «حربلك» بنية كاملة تنظّم الحياة، وقانون غير المكتوب، واللغة المشتركة بين الجميع، ” تعلمنا كيف نخاف بهدوء، كيف نخفي خوفنا حتى عن أنفسنا”، والخوف هنا يهمس، يظهر في التفاصيل الصغيرة، وفي طريقة المشي، في خفض الصوت، في الالتفات المفاجئ.
والمكان في الرواية ليس حيادياً، المدينة تتحوّل إلى كائن قاسٍ، يراقب، يضغط، ويخنق ساكنيه يقول العثمان: “الشوارع التي كنا نحبها صارت تبتلعنا”، وهذا التحول يمنح المكان بعداً فلسفياً، لم يعد الإنسان يعيش في المكان، بل يُستَلب داخله، والمدينة مصيدة، والبيت موضع ترقّب.
جمل قصيرة لوجع طويل
تتميّز لغة «حربلك» بالاختزال والقسوة، جمل قصيرة، مباشرة، تشبه التقارير النفسية أكثر من السرد الأدبي التقليدي، “الخوف لا يحتاج إلى كلمات” و “الصمت كان أكثر أماناً من الحقيقة.”.وهذا الأسلوب يخدم فلسفة الرواية، فالزخرفة اللغوية تبدو غير أخلاقية في عالم يتفكك، اللغة هنا أداة بقاء، لا أداة تزيين، ومن اللافت أن الرواية لا تذكر سلطة أو نظاماً أو حدثاً سياسياً محدداً، لكنها مشبعة بالسياسة من الداخل، السياسة هنا تجربة معيشة ” أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تُرى”.
الاغتراب وفقدان المعنى
تقدّم الرواية صورة إنسان مغترب داخل حياته، يشعر أن ذاته تنفلت منه شيئاً فشيئاً،” كنت أبحث عن نفسي، فلا أجد إلا شخصاً يشبهني”، وهذا الاغتراب لا ينتج عن الهجرة، ينتج عن العنف الطويل الذي يغيّر الإنسان من الداخل، والذات تصبح غريبة عن نفسها، والذاكرة مثقلة بما لا يُحتمل.والزمن في الرواية دائري، خانق، بلا مستقبل واضح، “الأيام تشبه بعضها، فقط الخوف يتغير شكله”، وغياب الأفق يجعل الحاضر عبئاً ثقيلاً، ويحوّل الزمن إلى استمرار للألم، لا إلى إمكانية للتغيير.
فلسفة اللايقين
تنتهي الرواية دون حلّ، ودون خلاص، وكأن الكاتب يتعمد ترك القارئ في حالة تعليق، ” لا أعرف إن انتهى كل شيء، أم إننا فقط اعتدنا عليه”، هذه النهاية موقف فلسفي، فالنهاية المفتوحة تعبّر عن واقع لم يُغلق بعد، وعن جرح ما زال مفتوحاً.رواية «حربلك» نص مواجهة مع الخوف، مع التواطؤ الصامت، مع هشاشة الإنسان حين يُحاصر طويلًا، تترك أثرها في القارئ لأنها لا تدّعي الحكمة، بل تشاركه الحيرة.
يكتب محمد طه العثمان روايته كأنه يقول هذا ما حدث لنا من الداخل، لا بطولات، لا شعارات، فقط بشر يحاولون البقاء في عالم صار “حربلك”.


الصفحات
سياسة









