فبدلاً من أن يكون هناك برلمان يناقش، يشرّع، يراقب، ويوازن بين المطالب الشعبية والمصلحة الوطنية العليا، أصبحت السوشيال ميديا هي “المجلس الافتراضي” ترند يفرض قراراً، وهاشتاغ يُلغي سياسة، ورأي عام عاطفي متقلب يحكم بلا قواعد ولا دراسات ولا تمثيل حقيقي. هذا الفراغ يحوّل الدولة إلى رهينة لمزاج الخوارزميات والمؤثرين والمغرضين، ويهدد بتحويل التحرير من مشروع بناء دولة إلى فوضى شعبوية يومية تأكل الإنجازات قبل أن تنضج.
هذا الوجه الإيجابي يعكس انفتاحاً غير مسبوق في حرية التعبير بعد عقود من الخنق الأسدي صوت الشارع يصل إلى القصر الجمهوري، وتُلبى بعض المطالب الشعبية بسرعة مذهلة تحت ضغط الهاشتاغات. لكن الجانب السلبي خطير ومقلق: فبعد أن استجابت الحكومة لعدة مطالب محقة عبر الترندات، تحول الشعب إلى آلة مطالبات لا تتوقف. كل بضع ساعات يظهر ترند جديد سواء كان مطلباً اقتصادياً أو إنسانياً أو وطنياً حقيقياً أو شكوى بسيطة وأحيانا تافهة أو حتى قضية فردية عادية فيُرفع إلى مرتبة “المطلب الوطني العاجل”.
السوريون، بعد عقود من الصمت، صاروا يصنعون أبطالاً وأشراراً يومياً على فيسبوك ومواقع التواصل الأخرى. دافعين الحكومة لتبدو كأنها تطارد الترندات بدلاً من تخطيط استراتيجية طويلة الأمد واحد يشتكي من “الزحمة أمام الفرن” فيصبح ترند “# خبزوحرية واختلاف بالرأي على فيسبوك يتطور إلى ترند # طرد_الشبيحة، الذي اجتاح حلب وإدلب ودير الزور ودمشق، مطالبين بإقصاء الموظفين السابقين. الحكومة تحركت، وهذا أمر مفهوم في سياق العدالة الانتقالية والمطلب محق جداً، لكنه فتح الباب لترندات انتقامية شخصية وفوضى خارج إطار القانون.
ما يعرض السياسة للتحول إلى مسرحية يومية من ردود الفعل، يعتقد المشاهد فيها أن الحكم يُدار حسب منصات التواصل بدلاً من رؤية استراتيجية طويلة الأمد. إنها ديمقراطية “اللايكات” التي قد تُرضي الشارع مؤقتاص، لكنها تُرهق الدولة وتُشتت جهود الإصلاح الحقيقي، وتفتح الباب أمام التلاعب والذباب الإلكتروني والشعبوية الرخيصة وتحول سوريا إلى دولة يسيطر عليها “السوشيال ميديا”، ليصبح الرأي العام الرقمي هو السلطة التشريعية والتنفيذية والرقابية في آن واحد.
هذا ليس انتقال ديمقراطي، بل خطر انقلاب صامت من استبداد القصر إلى استبداد الشاشات، من حكم المخابرات إلى حكم اللايكات. ليصنع غياب البرلمان كارثة وطنية تضع سوريا رهينة ترند يولد كل بضع ساعات، يحاول أكل الدولة واغتيال شخصياتها وشق الصف ويعطي أعداء الدولة السورية فرصة ذهبية للاستغلال في تحقيق مخططاتهم الخبيثة.
إن الحرية الحقيقية ليست فوضى مطلقة، ولا هي ترخيص للتمادي على الدولة والشعب معاً. الحرية الحقيقية هي بناء مؤسسات تحمي الكرامة، وتضمن المساءلة، وتوازن بين حق الفرد في التعبير وبين واجب الدولة في الاستقرار والتخطيط وتطبيق القوانين أما الفهم الخاطئ للحرية، الذي يتحول إلى تمادٍ يومي، فيجعل من كل مواطن سلطة تنفيذية افتراضية، ومن كل ترند حكماً نهائياً لا يُراجع. في هذا المنحى الخطر، يصبح المواطنون أسياداً على حكومةٍ منهكة، وتتحول الدولة إلى خادمٍ خاضع لنزوات اللحظة بدلاً من أن تكون وليّة أمر الجميع.
هذا الخلط المفاهيمي ليس تعبيراً عن وعي سياسي ناضج، بل هو خطر وجودي يهدد بإجهاض النصر وفرحة لم تكتمل، إذ يستبدل استبداد الفرد الواحد باستبداد الجماعة العاطفية غير المنظمة، فيصبح الجميع ضحية في النهاية.
خطوات في الظلام.. لكنها خطوات
لا يمكن إنكار أن الحكومة الانتقالية حققت إنجازات ملموسة في زمن قياسي لكن الإنجازات لا تُبرر السلبيات الخطيرة التي تهدد مستقبل البلد برمته. في سنة ونصف فقط من الحكم، استطاعت الحكومة تحقيق إنجازات لا يمكن تجاهلها في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة. نجحت في فرض استقرار أمني نسبي ملموس بعد سنوات من الحرب المدمرة، حيث انخفضت حوادث العنف المباشر بشكل كبير، وتحول عنصر الأمن من مصدر رعب إلى مصدر أمان، وتم دمج آلاف المقاتلين في مؤسسات الدولة بدلاً من تركهم ميليشيات متفلتة.
وخطوات جادة في تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين كما رفعت رواتب الموظفين عدة مرات، منتقلة بهم من الفقر المدقع إلى دخل أكثر كرامة حتى مع عدم كفايته، وضبطت سعر الصرف جزئياً، وأعادت تشغيل بعض المرافق الحيوية وعادت الرحلات الجوية، على الصعيد الدبلوماسي، كسرت العزلة الدولية، ورفعت الكثير من العقوبات واستقبلت وفوداً رفيعة، وفتحت أبواب التعاون والاستثمارات مع الحفاظ على مؤسسات الدولة الأساسية دون انهيار كامل.
هذه الإنجازات تمثل خطوات حقيقية في الظلام، وشهادة على قدرة الثوار السابقين على الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، ولو بشكل أولي ولكنها أفضل بكثير من الفوضى التي شهدتها ليبيا أو اليمن بعد سقوط أنظمتها.
لكن الجرأة تتطلب قول الحقيقة المرة: الحكومة لا تزال بعيدة عن تحقيق تطلعات الثورة السورية في الحرية والعدالة والكرامة. المركزية والإقصاء لا يزالان يسيطران على مبدأ تفضيل أهل الثقة عن أهل الخبرة في بعض مفاصل الدولة والاقتصاد يعاني رغم بعض التحسينات، مع استمرار الفقر ووجود القوانين البالية التي وضعتها حكومة الأسد للسيطرة على كافة مؤسسات الدولة مما يؤثر على سير العجلة في كل النواحي الاجتماعية والاقتصادية والقضائية وهذا كله يعود لغياب السلطة التشريعية.
إذن آن الأوان للاستعجال بعقد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، لا كديكور انتقالي، بل كسلطة حقيقية تمثل كل السوريين. فغياب البرلمان ليس مجرد تأخير إجرائي، بل خطر وجودي على مستقبل الانتقال الديمقراطي. أما الأسباب المحتملة لهذا التأخير فكثيرة ومقلقة: منها مخاوف أمنية في بعض المناطق، وحاجة لـتوازنات طائفية واثنية وجندرية، وصعوبات لوجستية في إجراء انتخابات شاملة مهما كانت هذه الأسباب، فإن استمرار الفراغ يفتح الباب واسعاً أمام استبداد جديد أشد خطراً لأنه يرتدي ثوب “الإرادة الشعبية” الرقمية.
سوريا اليوم كطائر الفينيق يحاول النهوض من الرماد. الحكومة لها فضل في إطفاء النار، لكنها إن لم تُفعّل مجلس الشعب فوراً، وتنظم الفضاء الرقمي، وتبني مؤسسات حقيقية، فإنها تخاطر بإشعال حريق جديد والحلول واضحة:
- عقد الجلسة الأولى لمجلس الشعب بشكل عاجل مع ضمان تمثيل شامل.
- بناء قنوات تواصل مؤسساتية تسبق ردود الفعل على الترندات.
- إصلاحات اقتصادية جذرية بعيداً عن الارتجال.
- عدالة انتقالية متوازنة تحمي المصالحة الوطنية.
الشعب السوري الذي دفع ثمناً باهظاً من الدماء لن يقبل باستبدال ديكتاتورية الأسد بديكتاتورية الترند. حان الوقت لأن يصبح الصوت الشعبي مؤسسياً، لا ترنداً عابراً يموت مع نهاية اليوم. الترند في بعض الأوقات قد يكون بداية الوعي، لكنه بالمقابل يمكن أن يكون نهاية الدولة. إما أن نبني سوريا المؤسسات أو نبقى نرقص على إيقاع اللايكات وحملات فيسبوكستان حتى يأتي ترند جديد يطيح بالجميع ويلتهي الشعب والحكومة معًا بترندات لبوا المطالب وحاسب يا حبيبي حاسب
فهل خرجنا من استبداد الفرد لنقع في استبداد الترند.. وهل سنترك الثورة تذبح أبناءها على أعتاب الفضاء
الرقمي؟
----------
صحيفة الثورة


الصفحات
سياسة








