سوريون يربطون الثقافتين التركية و العربية في مكتبة بقلب اسطنبول




اسطنبول -
جوني عبو

- حركة أعمال الترميم لكنيسة العذراء " متحف " في الحي الاسطنبولي تثير الانتباه لكون هذا المبنى التاريخي يعود إلى سابق مكانته لكن في زمن و تاريخ مختلفين ، الايقونات التي جرى ازالة غبار النسيان عنها لا تلهي البصر عن مدخل مكتبة " بيجز " صفحات ، كأول مكتبة عربية في حاضرة الثقافة التركية إحدى أجمل مدن ومراكز الاستقطاب في العالم اسطنبول .


 
فذلك الباب الاخضر الصغير ، الذي كتب فوقه باللغة الانجليزية " PAGES" هذا الشعار باللون الأصفر الذي يمثل " كفا " قد لا يوحي باأن خلفه رزما من الكتب و المعلومات و اجواء ممزوجة من الماضي و الحاضر ، بين الغرب و الشرق بين روح العالمين المتقاربين العربي و التركي من خلال رمزية الاشياء التي تم توظيفها في تفاصيل المشهد داخل المكتبة العربية الاولى في تركيا التي افتتحت مؤخرا بهدف تغذية الحاجة الفكرية و الروحية للجاليات المقيمة السورية و العربية التي تعد بمئات الالاف .

يقول الفنان التشكيلي سامر القادري لوكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ) وهو المشرف على إدارة مكتبة صفحات " اعتقد أن الغرض الفعلي هو أن تلبي المكتبة متطلبات القراء السوريين و العرب و خلق جسر من التواصل بين الثقافتين العربية و التركية ، لا شك لكل من الثقافتين خصوصية و هوية و طريقة كتابة و معالجة إلا أن القواسم المشتركة متوفرة لا سيما مع تطور العلاقات بين الشعبين وحجم الزوار العرب إلى اسطنبول الذي يقدر بالملايين ، و ارتفاع نسبي في وتيرة الترجمة للمسلسلات التركية و كذلك للكتب ، هذه وغيرها من الاعتبارات فرضت نفسها كي تكون /صفحات/ جزء ا من المشهد الفكري في هذه المدينة المفعمة بالتنوع و الحياة ".

ويقول الكاتب و المترجم الشهير عبد القادر عبدللي لوكالة الانباء الالمانية ان العلاقات العربية التركية امتدت إلى أكثر من 1200عام، أي منذ الفتح الإسلامي لبلاد الاتراك التي كانت تُسمى "ما وراء النهر". وإذا كانت الكتب الدينية العربية قد حظيت بنصيب أوفر من الترجمة، فإن الكتاب الأدبي والفني لم يحظ بالاهتمام الكافي، ومازال كثير من كبار الأدباء والفنانين الأتراك مجهولين تماماً بالنسبة إلى الجمهور والنخب العربية في آن معا ، و العكس صحيح ايضا ، لكن في السنوات الأخيرة جرت العديد من المبادرات لإقامة نشاطات أدبية وثقافية مشتركة بين المثقفين العرب ونظرائهم الأتراك، لعلها خطوات تفسح المجال أمام تواصل ثقافي يقرّب العالمين من بعضهم البعض.

و يقول الكاتب و الاعلامي السوري علي سفر لوكالة الانباء الالمانية " أهمية مكتبة /صفحات/ في البداية جاءت من خلال الفعالية الثقافية التي كرستها، حينما انتبه الاعلام التركي إلى وجود فعالية مختلفة يقوم بها السوريون في اسطنبول، بعد أن تم تكريس صورة السوريين كجماعة بشرية لاجئة و فقط لاجئة ، لقد خلقت / صفحات / صفحة وصورة مختلفة، ليس فقط لدى النخب التركية التي كانت تدرك أن السوريين ليسوا مجرد لاجئين.. بل لدى عموم الشعب التركي الذي صار يقرأ في الصحف عن هذه الفعالية ويشاهد صورها عبر التقارير التلفزيونية . وبعد انقضاء مدة من بداية عمل المكتبة علينا أن نلاحظ بأنها فتحت الباب أمام دور النشر العربية لوضع اسطنبول على خارطة توزيعها للكتاب، ولهذا فإنني ارى كيف أن بعضها تسابق لإقامة معرض للكتاب مؤخرا وتم نقله لمدينة غازي عنتاب لاحقا، كما أن الأخبار تقول بافتتاح مكتبة عربية جديدة تكون رافدا اضافيا ، كل هذا هو في مصلحة السوريين والعرب المقيمين في اسطنبول، كما أنه لفائدة جمهور تركي واسع يحاول الاقتراب من الثقافة العربية .

ويقول العديد من المشتركين في المكتبة ذات الطوابق الثلاثة إنها أشبه بمنتدى فهي تعطي الفرصة لقراءة كتاب مع فنجان شاي أو قهوة بسعر زهيد او حتى ساندوتش محضرة على الطريقة التركية و هي أيضا مكانا لملتقى الاصدقاء و دارا للحوار عن اخر التطورات في عالم الثقافة و السياسة و حتى " نميمة الاصحاب " و ملتقى الشباب و الشابات من الجيل الصاعد اللذين لا سقوف لأفكارهم او عشقهم أو تطلعاتهم الحرة في الحياة . و ترى الفنانة التشكيلية السورية سوسن وتي في حديثها لوكالة الانباء الالمانية أنه من " الطبيعي أن يكون للمكتبة السورية الأولى في تركيا و اسطنبول تحديدا دورا كبيرا في حياة السوريين و العرب بعد سنوات عجاف إن صح التعبير .../بيجز / تحتوي على كتب قيمة ومتنوعة شدت الأنظار اليها بالرغم من صعوبة جغرافيا الوصول لها ، فصحيح أنها تقع في وسط مدينة اسطنبول القديمة في منطقة الفاتح إلا انها ضمن أزقة شعبية غير واضحة المعالم، ويميز تلك الوعورة "السلسة" بالنسبة للسوري أنها تقع في منطقة أثرية بين كنيسة قديمة واشجار وارفة ساحرة.... توافدنا إليها بشغف، وتفاعل السوريون معها بطرق شتى ، اسعار الكتب فيها ليست تشجيعية لكن تلك المسألة ليست مشكلة المكتبة بقدر ما هي مشكلة سعر الكتاب و دور النشر ، تلفتني فيها أيضا الامسيات الشعرية أو الموسيقية .. والمكتبة نشطة أيضا فهي متجددة الافكار الثقافية التسويقية... بالنسبة للكتب التركية؛ لم ألحظ كتبا تركية، لكن التركي كان متواجدا فيها.. فهناك قسم كبير أكاديمي تركي درس اللغة العربية ويهمه الكتاب العربي البعيد عن الالهيات العربية المتواجدة في المكتبات التركية هنا في اسطنبول ، الجميل في المكتبة أنها لا تبيع كغيرها " الاسرار المقدسة للديانات إلا بالقدر النقدي "ثمة تأخير ملحوظ في وصول الكتاب بالعموم من بيروت ، أو القاهرة مثلا ، حيث هذا هو الرد المتكرر الذي نسمعه من المكتبة حينما نلح في طلب عناوين محددة أو طلب كتب جديدة .. أكيد نحتاج "منها" ولمثلها من المكتبات بالعشرات كما نحتاج لكل جهد ثقافي نظيف حضاري بالعشرات وربما بالمئات في هذه الاوقات .. اوقات التحولات الكبرى .

اما الصحفية السورية الشابة اروى الباشا فترى في تصريح للـ( د. ب. ا ) إن " الشيء الجميل في مكتبة "بيجز" أنّها ليست مكتبة تقليدية كغيرها، فإلى جانب اهتمام القائمين عليها بتأمين الكتب العربية في مختلف الاختصاصات، فهم يهتمّون أيضاً بجعلها مركزاً ثقافيا وفنياً عبر إحياء الأمسيات الموسيقية والشعرية، واستضافة حفلات توقيع الكتب، وهذا بالضبط يلبّي متطلّبات الشباب السوريين الروحية والفكرية ، فضلا عن برامج أسبوعية تخصص فيها أوقاتا لتعليم الاطفال الرسم ".

و يشترك في المكتبة اضافة إلى القادري كل من الفنانين السوريين ماهر صليبي، و يارا صبري، و جلنار حاجو ، و الكاتبة العمانية عبير علي ،و الكاتبة التركية زينب سيفدة باسكو، و فراس فياض و آخرون .

و تعتقد العديد من الشخصيات الثقافية أن تحديات عدة تواجه المشروع أبرزها التسويق و التمويل لكن القائمين عليها يعتقدون بتجاوز هذه التحديات تدريجيا . و ظهر أن جمهورا واسعا يبدي تعاطف مع حضور " صفحات " في المشهد الثقافي و الفني و الاجتماعي في اسطنبول . و تقول المذيعة السورية كنانة قواس للـ( د .ب. ا ) " الاجواء الهادئة و الحضارية التي توفرها " بيجز " تدفعنا للبقاء و القراءة لساعات إن لم يكن هناك ضغط في وقت العمل ".

و ترى هدى البلتاجي و هي زائرة مصرية أن " سمعة المكتبة دفعتني أن احضر بناتي و أبنائي كي نتعرف عليها و نتطلع على ما تقدمه من كتب و افكار ووجدت أنها تستحق أن تزار وأن يتعرف كل زائر و زائرة من العرب عليها ".

اما احمد الجبير و هو طالب خليجي مقيم في اسطنبول و يدرس في إحدى جامعاتها فيقول " وفرت علي صفحات نقل الكتب من بلدي أو البلدان العربية.. انا أجد فيها عالما غنيا و مفيدا " .

لكن كارولين عواد و هي سيدة لبنانية جاءت بقصد التجارة إلى اسطنبول فتقول لدي اهتمام بكتب الاعمال و الادارة و احيانا بكتب السير الذاتية للشخصيات الناجحة ، كان لدي بعض الوقت للفسحة في اسطنبول ، نصحني أحد معارفي زيارة المكتبة ، كان الفرصة جيدة للاطلاع و الاستراحة، تعودت شراء كتبي من بيروت التي تحوي تنوعا في التخصص الذي أرغبه ، لكن المكتبة هنا فكرة أكثر من جيدة لكل الراغبين باقتناء كتاب عربي ، اسطنبول باتت مقصدا حيويا للعرب و العالم . و يقول مدير مركز صدى لأبحاث الرأي العام محمد برو للـ( د .ب. ا) " في حي أدرنه كبيه الشعبي ( تابع لمنطقة الفاتح ) يبحث الزائر في طريقة الدخول إلى المكتبة والتجول في طبقاتها وأمام رفوفها الغنية بأحدث الاصدارات يعيد إلى الروح عبق المكتبات التي تقلبنا في اكنافها زمنا طويلا من حلب إلى دمشق إلى بيروت إلى بغداد والقاهرة.

وكما يشكل المقهى المجاور لها نقطة جذب لنخبه معينة من السياح فقد باتت هذه المكتبة نواة استقطاب ومركز للقاء نخبة من المثقفين السوريين و العرب ، الذين حرمتهم الهجرة من مكتباتهم التي كانت الركن الاغنى في حياتهم. احسست خلال تجوالي في المكتبة أن شطرا من روحي الممزقة قد عاد للاقتراب مني ثانية".

جوني عبو
الاربعاء 2 ديسمبر 2015


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan