شهادة جوتيريز الناجي الوحيد المنسي من مذبحة الطلاب المكسيكية




إجوالا (المكسيك) أندريا سوسا كابريوس– ممدا في فراشه، يحرك ألدو سولانو جوتييريز عينيه الحزينتين من اتجاه لآخر. اخترقت رصاصة رأسه عام 2014، عندما قام عدد من رجال الشرطة وإحدى كارتيلات تهريب المخدرات بمهاجمة واختطاف 43 طالبا في المكسيك. مازال رفاقه من كلية راؤول ايسيدرو لتأهيل لمعلمين الريفية في قرية بورجوس بمدينة أيوتزينابا مركز إجوالا، ولاية جيريرو بالمكسيك، مختفين منذ مساء السادس والعشرين من أيلول سبتمبر قبل خمسة أعوام.
في تصريحات لـوكالة الأنباء الألمانية (د.ب. أ)، تقول جلوريا سولانو والدة ألدو /61 عاما/ ومازالت تتحلى بالصبر والمثابرة من أجل ولدها "أحيانا تنتابني رغبة في البكاء، ولكن عزاؤنا أننا على الأقل نستطيع أن نراه، أما باقي أولياء الأمور فمازالوا لم يعثروا لأبنائهم على أي أثر".


صور الطلاب المفقودين بالمكسيك
صور الطلاب المفقودين بالمكسيك
 
تعتبر حادثة أيوتزينابا أكبر واقعة اختفاء قسري جماعي وأكثرها تاثيرا تم تسجيلها في المكسيك، البلد الذي يوجد به أكثر من 40 ألف مختف، إلا أن خطورتها الحقيقية تكمن في كشف العلاقة الرهيبة بين الجريمة المنظمة والسلطة داخل وضع مجتمعي رهيب، يعاني من تردي حقيقي لمنظومة العدالة.
في السابق لم يكن منزل ألدو، الكائن بين جبال منطقة أيوتلا دي لوس ليبريس، على مسافة 400 كلم من العاصمة مكسيكو سيتي، بيتا، بل كان مركزا أسسته السلطات ضمن إجرءات خاصة لرعاية الضحايا من أصول ريفية وتقديم الرعاية الطبية لهم بالقرب من أهاليهم وذويهم.
يقول ليونيل جوتييريز /67 عاما/ والد ألدو "يجب علينا أن نكافح بكل ما أوتينا من قوة من أجل إنقاذ ألدو". ويتناوب بمعاونة زوجته وأبنائهما الثلاثة عشر على رعاية ومرافقة الشاهد المنسي على المأساة الرهيبة كل يوم.
تجدر الإشارة إلى أن ألدو ومئة من رفاقه تعرضوا للمطاردة والهجوم بالرصاص على مدار أربع ساعات من قبل حفنة فاسدة من رجال الشرطة المكسيكية متحالفة مع تنظيم عصابي لمهربي المخدرات يطلق على نفسه كارتيل إجوالا للمحاربين المتحدين، وتقع بلدة إجوالا على مسافة مئتي كيلو متر جنوبي العاصمة المكسيكية. وكان الطلبة قد استقلوا مجموعة من الحافلات واتجهوا للعاصمة من أجل المشاركة في مظاهرات في مكسيكو سيتي، كما اعتادوا أن يفعلوا دائما دون أن يكون لحراكهم أي رد فعل من هذا النوع.
قطع عليهم رجال الشرطة المتحالفون مع عصابات التهريب ويخدمون مصالحهم، الطريق على الحافلات وفتحوا النار عليها وقاموا باختطاف 43 طالبا وسلموهم للعصابات الإجرامية، الذين قاموا بدورهم بقتلهم والتخلص من جثثهم وإخفاء أي أثر لهم.
تعلق صوفيا دي روبينا، محامية بأحد مراكز الحقوقية، لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "هذه قضية نموذجية للانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان التي توجد في البلاد، وحالات الاختفاء القسري، وكذلك لعدم الاستجابة ، والإفلات من العقاب". وتعمل صوفيا مع مركز ميجل أجوستين اليسوعي لحقوق الانسان والمناهض للعنف في ولاية خواريث والمعروف اختصارا بــ(Prodh) والذي يعنى برعاية أسر الضحايا.
وتؤكد أنه "لم يصدر أي حكم بعد، وكان يتعين إطلاق سراح الكثير ممن تم التحقيق معهم لأن معظم الأدلة كانت إفادات وتم الحصول على الكثير منها تحت التعذيب".
جدير بالذكر أن كارتيل "المحاربون المتحدون" اعتاد ممارسة نشاط التهريب في الحافلات المتجهة إلى شيكاغو، وفقا لتحقيقات مفتوحة أجريت في الولايات المتحدة. لسبب ما، كان ينظر إلى الطلاب على أنهم يمثلون تهديدا. قيل إن كارتيل المحاربون ربما اعتقدوا أنهم تسللوا إلى كارتيل منافس. ولم يتم توضيح أسباب الهجوم إلى الآن. ولقى ستة أشخاص مصرعهم خلال إطلاق الرصاص: ثلاثة طلاب، سيدة كانت تستقل سيارة أجرة، وسائق الحافلة التي كانت تقل منتخب الشباب لكرة القدم ولاعب/ 15 عاما/.
يشار إلى أن كلية أيوتزينابا، تأسست عام 1926 وتتبع بلدية تيختلا، وهي نوع من المدارس الداخلية لتأهيل أبناء الطبقات الأكثر فقرا، ولها باع كبير في النشاط السياسي والاجتماعي، وهو ما زاد من قوة تأثير الحادث. تزين جدران المدرسة صور لزعماء أمريكا اللاتينية المناضلين أمثال ارنستو تشي جيفارا. وكنوع من المساهمة المجتمعية من جانب المدرسة في بيئتها الريفية، يقوم الطلبة برزاعة الأراضي المجاورة للمؤسسة التعليمية.
يقول أوليسيس جوتيريز/31 عاماً/ الذي تخرج هناك كمدرس قبل دخول شقيقه ألدو: "إنها فرصة للشباب ذوي الدخل المنخفض الذين يريدون شق طريقهم في الحياة، والمضي قدماً".
وقد تلقى ألدو رصاصة في رأسه حينما كان يحاول مع اثنين من رفاقه الطلبة تحريك إحدى سيارات دورية الشرطة التي تسد الطريق على حافلتهم، على إثرها أصيب دماغه بتلف وصل إلى نسبة 70%.
المثير في الأمر أن سبعة على الأقل من الأسلحة المستخدمة في الهجوم تلك الليلة كانت رشاشات ألمانية الصنع من ماركة هكلر & كوخ، وذلك من خلال تحليل مقذوفات الأعيرة التي تم العثور عليها، على الرغم من أن الشركة المنتجة لهذه النوعية من الأسلحة تحظر تصدير منتجاتها إلى ولايات مكسيكية تعاني من منازعات وصراعات، ومن بينها ولاية جيريرو.
توجه ليونيل جوتييريز /39 عاما/ شقيق ألدو العام الماضي إلى مدينة شتوتجارت الألمانية لحضور جلسة محاكمة في دعوى قضائية مرفوعة ضد الشركة، حكم فيها بتوقيع غرامة عليها بلغت 7ر3 ملايين يورو، ما يعادل 1ر4 ملايين دولار بسبب مبيعات السلاح غير القانونية للمكسيك. يتذكر "رفعت صورة شقيقي كنوع من الاحتجاج وإدانة لهذه الأسلحة التي تسبب أضرارا بالغة للأسر في المكسيك".
وقال مكتب المدعي العام المكسيكي، الذي يستند في المقام الأول إلى أقوال الشهود، إن الطلاب الـ 43 قد قُتلوا وحُرقت جثثهم في مكب نفايات. دحض الخبراء المستقلون هذه النسخة بسبب نقص الأدلة العلمية. وتم العثور على عظام متكلسة لواحد فقط من الطلبة.
في الأسابيع الأخيرة ، أمر القاضي بالإفراج عن أحد المتهمين الرئيسيين و 26 شخصًا آخرين لأن الأدلة انتزعت تحت وطأة التعذيب أو بشكل غير قانوني. ومن بين المحتجزين البالغ عددهم 142 في غضون خمس سنوات، لا يزال حوالي 65 منهم في السجن. وتجددت آمال أسر الطلبة المختفين الـ43 مع وصول الرئيس الاشتراكي أندريس مانويل لوبيث أوبرادور للسلطة في المكسيك عام 2018، ولكن مع ذلك لم يحدث أي تقدم يذكر حتى الآن في قضية الطلبة.

تقول المحامية الحقوقية دي روبينا "يمر عام آخر على أولياء الأمور دون معرفة مكان وجودهم. وهذا يترجم إلى ألم هائل". يجوب أولياء أمور الطلبة الـ 43 الشوارع رافعين صور أطفالهم ، بينما تنتظر عائلة ألدو، أيضا، عودته ولكن بشكل مختلف، في إشارة إلى الحالة التي يعاني منها جراء الرصاصة التي تلقاها في رأسه وأدت إلى إصابته بتلف كبير في المخ.

أندريا سوسا كابريوس
الاحد 22 سبتمبر 2019