تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


فنان إسباني يروي ذكرياته مع سلفادور دالي بعد رحيل ملهمته جالا




مدريد - :راكيل ميجل - اعتاد الفنان الإسباني أنتوني بيتشوت مهما كان الجو مطيرا، عاصفا، أو حتى تهطل الثلوج، على أن يحمل مظلته الصغيرة ليذهب يوميا لزيارة صديقه سلفادور دالي (فيجيراس 1904-1989) في قلعة بوبول، مقر عزلته الاختياري، ليجتر معاناته في مرحلة رمادية يغلب عليها الاكتئاب الذي لازمه في سنوات عمره الأخيرة، خاصة بعد رحيل حب عمره وملهمته جالا.


ظل بيتشوت ملازما لصديق عمره بصفة يومية طوال آخر ثمان سنوات من حياته، وقد أسهم وجوده في حياة دالي خلال هذه الفترة في استمرار دالي متعلقا بالحياة مواصلا لنشاطه الفني.

كشف هذه الأسرار، فرناندو هويسي في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) بمناسبة ظهور كتابه (حول دالي) المنشور عن دار (بلانيتا) بمناسبة مرور ربع قرن على رحيل دالي، ويعتبر أول شهادة علنية حول علاقة أنتوني بيتشوت (فيجيراس 1934) بسلفادور دالي، حيث كان أكثر شخص عاش بقرب الفنان الإسباني خلال سنوات عمره الأخيرة، والذي تولى بعد ذلك إدارة مؤسسته الثقافية الفنية التي تضم متحفه ومسرحه في فيجيراس، وهي المهمة التي لا يزال يقوم بها حتى الآن. ويضم الكتاب ذكريات بيتشوت عن تلك الفترة وحواراته مع دالي حول جالا.

وفقا لهويسي "يعتبر بيتشوت شاهدا حيا وثيق الصلة على فترة مهمة وفي غاية التعقيد من حياة دالي، وحتى رحيله، نظرا لأنهما خلال تلك الفترة كانا يمضيان وقتا طويلا معا كل يوم. لقد كان الشخصية الأكثر قربا من دالي في تلك الأيام، كان بمثابة شقيق له، وهذا جعل دالي لا يشعر بفقدان جو الأسرة بعد رحيل جالا، خاصة وأنهما لم يرزقا بأطفال. وفي الوقت نفسه، كان كل أبناء جيل بيتشوت قد رحلوا، فشعر بنفس الحنين الأسري يقربه من صديقه دالي".

يوضح هويسي "بلغت قوة وحميمية الصداقة بينهما درجة لم يبلغها أحد في حياة دالي، لدرجة أن بيتشوت كان الشخص الوحيد المسموح له بالتواجد في المرسم أثناء عمل دالي في إحدى لوحاته، وهو ما أتاح له أيضا فرصة التعرف على أسلوب الفنان القطالوني أثناء العمل، خلال حديثهما المشترك".

بالإضافة إلى الصداقة، جمعت بين دالي وبيتشوت علاقة عمل مهنية تماما، نظرا لوجود إطار عميق من التفاهم ساعدتهما على إنجاز مشروع دالي الأكبر: مسرح ومتحف دالي بفيجيراس، والذي يضم أيضا ضريح الفنان القطالوني، والذي عهد به إلى صديقه الأثير، وأكثر شخص كان يثق به في العالم.

ساعد اطلاع بيتشوت على أسلوب دالي، في صقل موهبته، كما جعله يتعرف على الكثير من أسرار الفنان الإسباني، والتي يعتبر بعضها معروفا ولكن الكثير منها يعتبر هو وحده المؤتمن عليها، وهو ما يضفي قيمة كبيرة على شهادته عن تلك الفترة من حياة أستاذ السوريالية.

من خلال حوارهما الممتد أثناء تلك الفترة كشف دالي لصديقه عن رأيه في الفنانين المعاصرين لجيله المعروف بمرحلة الطليعية والذي امتد حتى النصف الثاني من القرن العشرين. يقول هويسي في كتابه "كشف بيتشوت أنه على عكس ما كان معروفا أن دالي اكتسب عداوة الجميع بسبب أسلوبه الاستفزازي وموضوعاته المثيرة، كان له أيضا الكثير من المعجبين المتضامنين معه".

ويكشف بيتشوت مدى ولع دالي بإطلاق النكات والطرف حول أوقات الشباب، وهي عادة اكتسبها من شقيقته آنا ماريا، وبما أن بيتشوت كان الشخص الوحيد الذي جمعته هذه الصلة الوثيقة بالاثنين، فلا يوجد أحد غيره يعرف أسباب تدهور علاقته بأسرته عقب عودته من الولايات المتحدة، والتي يرجعها البعض كما هو معروف لعلاقته بملهمته جالا.

وكانت آنا ماريا قد حكت لبيتشوت مباشرة عن تعقيدات علاقة جالا بأسرة دالي المحافظة، من خلال مواقف بالغة الحدة، منها على سبيل المثال أن الفنان القطالوني كان يرغم أفراد أسرته على التصفيق لجالا حين تحضر إلى المنزل كعلامة على التقدير حتى يرفع من روحها المعنوية، وكذلك الأسلوب غير اللائق الذي كانت تتعامل به جالا مع والد دالي، والأسئلة المحرجة التي كانت توجهها إليه خلال تواجدهم على الشاطئ مما كانت يتسبب في حالة استياء تعين على الجميع عدم التعبير عنها إرضاء لدالي.

لا يتوقف كتاب "حول دالي" عند الفنان القطالوني فقط بل يمتد أيضا لحياة جالا، حيث يوضح بيتشوت، أنه تعرف على ملهمة الفنان في ظروف طيبة للغاية وبالرغم من أنها كانت دائمة الحدة والفظاظة مع الجميع إلا أن علاقتها به كانت ودية للغاية، وهو ما يضفي المزيد من الأهمية على شهادة بيتشوت عن جالا.

بالرغم من ذلك يؤكد هويسي أن كتابه ليس الغرض منه "تحطيم الأساطير"، بل تقديم "بورتريه حي" حول دالي أكثر خصوصية وحميمية، ولتوضيح أنه كان إنسانا عاديا أكثر بكثير مما كان يتصور البعض عن حياته المليئة بالتفاصيل السوريالية مثل أعماله.

يحاول الكتاب أيضا كشف مدى أهمية عائلة بيتشوت بالنسبة لمشوار دالي الفني وتطوره، وهو ما اعترف به دالي نفسه في سيرته الذاتية "مذكرات عبقري" المنشور في أواخر الأربعينيات.

اكتشف دالي عالم الرسم في ضيعة مولي دي لا توري، المملوكة لأسرة بيتشوت، حينما كانت هذه الأسرة تقوم برعايته، إثر إصابته بالتهاب في البلعوم. كما كانت أسرة بيتشوت الجمهور الأول لبواكير أعمال دالي. عن هذه المرحلة يقول هويسي "عقب انتهاء عطلة الصيف حيث كان دالي يمارس هواية الرسم، كان يتوجه إلى مولي دي لا توري في الريف، ليطلع أسرة بيتشوت على إبداعاته الجديدة"، مشيرا إلى أنه يمكن القول إن "دالي كان بمثابة ابن بالتبني بالنسبة لهذه الأسرة، خاصة وأنه تعرف عليهم في مرحلة مبكرة من طفولته".

كانت عدوى الفن منتشرة في أسرة بيتشوت، فكان رامون بيتشوت ليس فنانا عاديا، بل صديقا معاصرا لكل من جوجان وبيكاسو، والذي شب في كنف هذه الأسرة محاطا بهذه الأجواء مما أيقظ الموهبة في داخله منذ نعومة أظفاره. أما شقيقة بيتشوت ماريا جاي، فكانت مطربة أوبرالية، أما أنتوني فكان أيضا من أشهر عازفي الفيولين في وقته. وهكذا كانت هذه الأسرة تجمع بين عناصر الفن والثقافة، ولها صلات وثيقة بتطورها عالميا في ذلك الوقت.

وفقا لهويسي "كان بيتشوت هو من كشف لنا أن بيكاسو كان أول من أطلق على دالي "مجنون ياجيه ذو الشارب".

ويتساءل الكتاب "هل كان دالي سيكون له وجود لولا أسرة بيتشوت؟". ربما كان ذلك ممكنا، فعبقريته كانت ستظهر وتتفجر للبشرية على أي حال من الأحوال، ولكن ربما كانت ستجلى بشكل مختلف، ومن هنا تكمن أهمية دور عائلة بيتشوت التي غذت روحه بالفن وأحاطته به وساعدته ودعمته معنويا وماديا طوال حياته".

:راكيل ميجل
الاثنين 30 يونيو 2014