فيلم "الصورة المفقودة " يحكي ماضي كمبوديا الدامي ويفوز بجوائز دولية




بنوم بنه - كاتي بارتلت – يزدحم مكتب المخرج السينمائي"ريثي بانه" في العاصمة الكمبودية بنوم بنه بأكوام من الكتب المتناثرة معظمها باللغة الفرنسية، وهي ملقاة فوق الأرفف والطاولات بل وحتى فوق الأرضية.

ويجلس المخرج أمام مكتبه وهو يرتدي قميصا مخططا بينما تتدلى خصلات شعره التي يصل طولها إلى كتفيه إلى الوراء، ويمكن رؤية سيجار كوبي تم تدخين نصفه موضوعا أمامه على منفضة رماد السجائر.


 
 
وتم ترشيح آخر الأفلام السينمائية التي أخرجها وهو بعنوان " الصورة المفقودة " للفوز بإحدى جوائز الأوسكار لهذا العام  مما يعد الحدث الأول من نوعه بالنسبة للأفلام الكمبودية، وفي هذا الصدد يقول ريثي بانه الذي يبلغ من العمر 49 عاما إن هذا الترشيح يعد بمثابة وسام شرف على صدر السينما الكمبودية، كما أنه يؤكد إلى أي حد تطورت السينما منذ أن أدخل نظام الخمير الحمر السابق الذي نفذ أعمال الإبادة الجماعية البلاد في نفق أعاد فيه عقارب ساعة التقدم إلى الوراء إلى عام صفر.
ويقول المخرج ريثي  إن جميع المخرجين في كمبوديا فارقوا الحياة أو قتلوا، كما تم قتل الكثير من الممثلين والفنيين العاملين في المجال السينمائي، ولذلك عملنا بجد لإعادة بناء السينما الكمبودية مرة أخرى.
 
ويضيف إنه " بعد ثلاثين عاما من زوال هذا النظام تم ترشيحنا لجوائز الأوسكار ".
وتم ترشيح فيلم " الصورة المفقودة " لجائزة مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي والتي ستعلن نتائجها في الثاني من آذار/مارس المقبل، ويصعب تصنيف الفيلم فنيا حيث أنه يعد جزئيا فيلما عن السيرة الذاتية للمخرج، كما يعد جزئيا فيلما وثائقيا إلا أنه يتسم بالجدة والابتكار تماما.
 
ويمزج هذا العمل الفني الذي ينتهج أسلوبا رفيعا وخاصا في الإخراج  مشاهد سينمائية للدعاية لنظام الخمير الحمر من فترة السبعينيات من القرن الماضي مع مناظر من العصر الذهبي للسينما الكمبودية خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، وبشكل متميز للغاية يجمع الفيلم هذه المشاهد والمناظر مع لوحة حية تم بناؤها بعناية وعناء من التماثيل الصغيرة غير المتحركة التي تم تشكيلها من الصلصال لتروي حكاية المخرج بانه.
 
وفاز الفيلم العام الماضي بجائزة  " نظرة خاصة " بمهرجان كان وهي إحدى فروع جوائز المهرجان التي تتنافس فيها الأفلام التي تتسم بالابتكار وتسعى للاعتراف الدولي، كما فاز "ريثي بانه"  بلقب " مخرج العام لقارة آسيا " في مهرجان بوسان السينمائي بكوريا الجنوبية.
 
ويقول "بانه" الذي فقد أسرته كلها تقريبا بسبب أعمال القتل التي نفذها النظام الماركسي المتطرف والذي حكم كمبوديا خلال الفترة ما بين 1975 إلى 1979 إن ما دفعه لإخراج هذا الفيلم، هو محاولة شغل مساحة شاغرة  ونقص في الصور الأصلية والحقيقية لتلك الفترة.
 
ويوضح المخرج قائلا " وفي نفس الوقت فكرت بيني وبين نفسي كيف يستطيع المرء أن يفسر العدد الكبير لعملية القتل الجماعي ؟. وينصب اهتمامي على رحلة البحث عن صور هذه العملية ".
 وذات يوم طلب "ريثي بانه" من مساعده الحصول على قدر من الطين من ضفة النهر، ويقول بانه عن هذه المرحلة من الإعداد الفيلم " إنها تذكرني بما كنا نفعله عندما كنا أطفالا صغارا حيث كنا نصنع تماثيل للجاموس ونحكي قصصا مماثلة ".
وبعد أن شجعته النتائج قرر المخرج أن يضمن الفيلم مئات من التماثيل الصغيرة المطلية بشكل بسيط.
 ويضيف إنه " كما لو كان ثمة شيء مثل الروح تنبثق من داخل الطمي، كمثل براءة الطفل ".
وكان ريثي بانه في مرحلة المراهقة كان يقيم في بنوم بنه عندما تولى الخمير الحمر السلطة وأجلوا سكان المدينة ليكدحوا في مواقع العمل الريفية، وكانت نتيجة محاولاتهم إقامة مناطق زراعية مثالية.
 
 وفي فيلم " الصورة المفقودة " يعلو صوت ليروي كيف حصل بانه على الإلهام من أبيه الذي مات وهو يقاوم النظام الشمولي ويتمسك بأفكاره الخاصة، ويقاوم محاولة النظام محو هويته الشخصية.
 
وتم تسجيل نص الفيلم أولا بالفرنسية وهي لغة الشعر الذي يحبه والد المخرج، كما أنها لغة المستعمر السباق لكمبوديا، كما تم إنتاج نسخة أخرى من الفيلم بلغة الخمير.
 
 
ويقول ريثي بانه " عندما أرى أبناء أشقائي يشاهدون الفيلم أجد أنهم يشعرون بالفخر إزاء جدهم، كما أن علمهم بأنه قاوم نظام الخمير الحمر يمنحهم الكثير من القوة ".
غير أن المخرج لا يشعر بنفس الفائدة، ويقول " لست متأكدا من أن إخراج فيلم يجعلك تشعر بأنك أصبحت أفضل بعد الانتهاء منه ".
غير أن ريثي بانه بعد أن التزم الصمت لعدة سنوات، أولا في مخيم للاجئين في تايلاند ثم في وقت لاحق كطالب في فرنسا، شعر بدافع يدفعه للعمل على كفالة عدم نسيان حكايته.
 
 
 ويشير إلى مسألة الخروج من صمته قائلا " لم يكن الأمر سهلا، وكنت أتعرض لكوابيس".
 
ولكن ما أثلج صدره هو أنه شاهد أفرادا من الجمهور تقل أعمارهم عن الثلاثين عاما يقبلون على مشاهدة فيلمه، ويقول " إنهم يمكنهم الآن أن يقلبوا هذه الصفحة من التاريخ لأنهم باتوا يعرفون القصة، وأصبح في إمكانهم استعادة هويتهم وكرامتهم ".
وفي عام 2006 أسس بانه مركز بوبانا لأبحاث التسجيلات الصوتية والمرئية في بنوم بنه، وهو يضم أرشيفا سينمائيا ومركزا لتدريب ودعم شباب المخرجين والفنيين العاملين في المجال السينمائي.
 
 
ويعرب ريثي بانه عن تفاؤله بشأن الجيل القادم من مخرجي السينما، الذين يصفهم بأنهم يتمتعون بالحرية الآن للابتعاد عن قصص الحرب والقتل الجماعي.
 
 
ويؤكد بانه أنه شخصيا أكثر من مجرد مخرج مرتبط بأعمال القتل الجماعي، غير أنه من الواضح أن الماضي لا يزال يطارده، فهو يعاني من نوبات من الفزع ويأخذ أدوية مضادة للقلق في بعض الأوقات.
 
ويقول المخرج عن هذه الفترة إن " الناس في جيلي عاشوا والموتى بداخلهم ".
 
والآن ماذا عن رحلة البحث عن اسم فيلمه ؟.
يرد المخرج على هذا التساؤل قائلا: " إنني لم أعثر على الصورة المفقودة، وذلك لأنها لم تعد موجودة ".

كاتي بارتلت
الاربعاء 19 فبراير 2014


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan