تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

عيوب متجددة للمعارضة السورية

02/04/2026 - حسام جزماتي

إدارة الصراع على الجغرافيا السورية

26/03/2026 - عدنان عبدالرزاق

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد


الروائي المريب لفواز حداد: بين الحقيقة الثقافية والانحياز الإنساني





أصبح الكثير من المثقفين يستخدمون بدائل مثل: الزلزال، الإعصار، العاصفة، البركان، رغم أن هذه المفردات لم تصف سوى ما فعله النظام بسوريا من تدمير وقتل


تأتي رواية فواز حداد، الصادرة عن دار رياض الريس في بيروت (آذار 2025)، استكمالًا لمشروعه الروائي الذي يؤرخ فيه لتاريخ سورية بجميع مستوياته السياسية والاجتماعية والثقافية. والقارئ لرواياته الصادرة منذ نحو عقد من الزمن سيجد أن هذا النص الروائي، المنحاز للإنسان السوري والمفكك للظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية التي واكبت الثورة السورية 2011-2024، ليس بغريب على أديب بقامة فواز حداد.
ليست «الروائي المريب» رواية للتسلية أو لتزجية الوقت، رغم ما في قراءتها من متعة لا مجال لإنكارها، وإنما يمكن تصنيفها ضمن الأدب الواقعي التاريخي. إنها عمل أدبي خيالي، لكن إسقاطاته على تاريخ سورية وواقعها زمن الثورة السورية واضحة للقارئ اليقظ والمتنبّه. الكاتب ليس صاحب نظرة حيادية، بل يظهر انحيازه للإنسان السوري ليكون ضميره المُعبّر عن قضاياه السياسية والاجتماعية والثقافية.
السرد الروائي والبعد الإنساني
أظهر السرد الروائي درجة عالية من التمكن وإجادة الصنعة، تكاد تخفي مواقف الكاتب وعواطفه، لكن القارئ المتعمّق يستطيع أن يستشف البُعد الإنساني الذي يختبئ خلف امتداد طبيعي لروايات حداد من حيث مضمونها وشخصياتها وأمكنتها. إلا أن الرواية جاءت هنا لتحلل الواقع الثقافي في عهد النظام الأسدي البائد، ولتُشرّح حال المثقف والمثقفين في تلك الحقبة. وقد كانت دمشق ومقاهيها وشوارعها وبعض مؤسسات النظام الثقافية فضاءً لشخصيات الرواية التي تحركت فيه لتصنع أحداث النص.
مقهى الروضة: رمز الثقافة البديلة
كان مقهى الروضة مكانًا يجتمع فيه ثلة ممن يسمون بالمثقفين من أجل التآمر والإيقاع بزملائهم المثقفين الشرفاء، وتزوير الحقائق السياسية، والتشويش على الثورة، والدعاية لرأس النظام، وكتابة التقارير الكيدية بحق من يُظهر أي تعاطف مع المعارضين الثوريين.
يرمز المقهى في الرواية إلى البديل عن المراكز الثقافية والمنتديات الفكرية التي أغلقها النظام وعطلها عن مهماتها لدورها في تشكيل الوعي ونشر الثقافة والفكر. وقد جنّد النظام ضعاف النفوس من طالبي الشهرة والمناصب لتشويه الحقائق التاريخية، وتأكيد الشائعات التي يطلقها على الثورة ورجالها، مثل محاولة البعض استخدام مصطلح “الزلزال” بدل الثورة على انتفاضة الشعب، لتعميمه وإيهام العالم بأن ما يجري في سورية ليس ثورة شعبية.
التشبيح الثقافي والانحطاط الخلقي الفني
يتضح للقارئ أن كل ذلك جاء بترتيب من المسؤول الأمني للثقافة في القصر الجمهوري، شكيب، الذي يخاطب الروائي جسّام قائلاً:
“إياك أن تلفظ كلمة ثورة في هذا المكان، استعمل بديلاً عنها.”
وأصبح الكثير من المثقفين المحترمين يستخدمون بدائل مثل: الزلزال، الإعصار، العاصفة، البركان، رغم أن هذه المفردات لم تصف سوى ما فعله النظام بسوريا من تدمير وقتل وتهجير للشعب. وكان وراء بيع ضمائرهم الطمع بالجوائز والظهور الإعلامي المأجور، والشهرة، وهو ما أطلق عليه حداد في الرواية التشبيح الثقافي.
كما ناقش حداد قضية «جهاد النكاح» التي زج بها الإعلام العربي والغربي، حيث كتب بعض مثقفي النظام روايات ومقالات تزويرًا للواقع لتعزيز رواية النظام، وتشويها لصورة الثوار، والنيل من عقيدتهم ومبادئهم. وقد شاركهم في ذلك مخرجو ومنتجو وممثلو وممثلات الدراما في سورية من خلال إنتاج مسلسلات وبرامج لتأكيد وترويج رواية النظام عبر فضائياته، وهو ما أطلق عليه حداد الانحطاط الخلقي الفني.
الجوائز الأدبية والسيطرة المخابراتية
فنّد الكاتب هذه المزاعم على لسان الوسيط البريطاني، باتريك، وغيره من الشخصيات، وأثبت بطلانها وكشف من كان وراء مروّجيها. كما فسّر آلية منح الجوائز الأدبية داخل وخارج سوريا عبر شخصية الصحفي جسّام، إذ يوضح المسؤول الثقافي الأمني شكيب أن الجوائز من صنع النظام، كما أن المثقف صناعته، والمخابرات وراءها ليكون وجهًا يمثلها في الداخل ويصدرونه في الخارج، مع السماح بانتقاد محدود للسياسات.
تُظهر الرواية أن النظام والغرب، وإن بديا في العلن متخاصمين، فهما في الخفاء أصدقاء متعاونون عبر أجهزة المخابرات، كما يقول باتريك مخاطبًا جسّام:
“ألا تعلم أنّ القنوات المخابراتية بيننا لا تنقطع، نحن نستعين بكم وأنتم تستعينون بنا.”
السخرية اللاذعة والفساد المؤسسي
تطفح الرواية بالعبارات والصور الساخرة، بدءًا بالمصطلحات الجديدة مثل التشبيح الثقافي، التشبيح الدرامي، والانحطاط الخلقي الفني، وانتهاءً بسخريته من الحركة التصحيحية التي يعتبرها النظام بداية التاريخ الحقيقي، كما يوضح شكيب:
“التاريخ الحقيقي يبدأ من الحركة التصحيحية، هل سمعتني؟ التصحيح صحح التاريخ.”
ويصف الكاتب بطريقة لاذعة المخبرين:
“فرع بلا مخبرين مثل كرخانة بلا شراميط.”
كما تناولت الرواية فساد اتحاد الكتاب العرب وعلاقاته بالنظام، مبينًا كيف أن بعض أعضائه البعيدين عن الإبداع يقدمون خدمات للنظام ويستفيدون من فتات عطاياه.
الروائي الشبح أو الكلاسيكي: رمز الحقيقة
عنوان الرواية مؤلف من مفردتين، لكن المفردة الثانية لم يوردها حداد صراحة، بل استخدم بدلاً عنها صفتَي الشبح أو الكلاسيكي، وهما صفتان لشخصية محورية ترافقنا منذ بداية العمل وحتى نهايته.
رغم البحث عن الروائي الكلاسيكي من قبل جسّام وكروم وسعدي وشكيب وطه، لم يعثروا عليه شخصيًا، وكان اللقاء ممكنًا فقط بإرادة من الشخصيتين حمود وصفاء، اللتين ارتبطتا بالروائي الشبح، الذي يختفي بعد كل لقاء مع صفاء.
يسلط النص الضوء على سؤال مهم: هل الروائي الشبح رمز للحقيقة التي حاول المثقفون الشبيحة اغتيالها أو إخفاءها، أم أنه فواز حداد نفسه، الذي كتب روايات عديدة أرّخت للواقع السوري؟
في أحد الحوارات، يقول شكيب عن فحوى كتابات الكلاسيكي:
“لم يدع في روايته الجديدة النظام، المخابرات، الشبيحة، الجيش، والبوط العسكري، ولم يوفر الأطباء والممرضات والممثلين والمطربين من اتهامات بالقتل والوشاية والعمالة، لم يترك جريمة إلا وأشار إلى مرتكبيها، تصور، لم يستثن الرئيس، هذا تاريخ!”
ويضيف:
“التاريخ؟ نحن الذين نكتبه، الكلاسيكي يكتبه على طريقته… الروايات لا تزيد على التخيلات، مهما بلغ الخيال، لا تنجو من الواقع.” *لقد كان نص «الروائي المريب» قصة حقيقة الثقافة ومثقفيها في ظل الأسدية البائد، وإضاءة لحقبة هامة وخطيرة من تاريخ سورية الثقافي والسياسي

ياسر الظاهر – العربي القديم
الاربعاء 1 أبريل 2026