نظرية جديدة ومثيرة تضع أصول رواية ثربانتس "دون كيخوتة" في فنزويلا



كاراكاس - نستور روخاس مافاريس - لا توجد أي بطولة معروفة له في كاراكاس أو شاهد في العاصمة الفنزويلية الفنزويلية يذكر اسمه، ولكنه ربما يكون الملهم الرئيسي لتكوين شخصية أهم عمل روائي في تاريخ الأدب الإسباني بل وربما العالم أجمع "النبيل العبقري دون كيخوتة دي لا مانشا"، هذا هو على الأقل ما يؤكده بحث فنزويلي موثق بصورة معقولة، وإن كان يصعب التأكد من مدى صدقيته.


نظرية جديدة ومثيرة تضع أصول رواية ثربانتس "دون كيخوتة" في فنزويلا
اسم هذه الشخصية الفنزويلية هو ألونسو أندريا دي لديسما كان عمره 58 عاما حينما مات في أيار/مايو1595 في كاراكاس التي كانت بالكاد مأهولة في ذلك الحين ومحاصرة من قبل القراصنة الإنجليز، أصدقاء والتر راليف الشهير والذين كانوا يصولون ويجولون في مياه الكاريبي. 
 
وتظهر المراجع التاريخية أن دي ليديسما حاول مرة وحده الدفاع ضد القوات المخربة على متن حصان هزيل، حاميا نفسه بدرع صدىء وخوذة ومسلحا برمح واحد فقط، في حين تقول الروايات المتناقلة أيضا أن القراصنة حينما شاهدوا التحدي المفاجىء لحامي حمى كاراكاس الوحيد، أردوه قتيلا على الفور إلا أن مقاومته تسببت في تولد شعور بالاحترام دفع قائدهم أمياس بريستون بحمله فوق درعه وتكريمه كبطل قبل دفنه.
 ويتساءل الكاتب والباحث الفنزويلي إدواردو كاسانوفا أمام هذه المعلومات، اذا ما كانت صورة هذا الفارس العجوز صاحب الدرع الصدئ والرمح ومبادرة الهجوم المنفرد ضد عصابة القراصنة ليست معتادة للغاية بالنسبة للعالم المعاصر، ويرى الباحث أن قصة دي لديسما ألهمت ثربانتس لكتابة عمله الخالد (دون كيخوتة) والذي نشر لأول مرة في 1605. 
 
وللدفاع عن نظريته يقدم سلسلة من المراجع والإشارات والتوافقات التاريخية، ولكنه قبل كل شيء يقول في مدخل شرح فكرته أنه على الرغم من هذه الاحتمالية ربما لا يتم التوصل أبدا لإثبات صحتها إلا أنه "في عالم تحكمه القوانين فإن سلسلة من الإشارات تؤدي لإنشاء أدلة".
 
وفي تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية ( د. ب. أ ) يقول الكاتب الفنزويلي إن "كثيرة هي الإشارات الموجودة التي من الممكن أن تؤكد دون كذب أن ثربانتس استلهم فكرة روايته من نبأ وصله عن مواجهة أحد سكان كاراكاس وحده لجيش إنجليزي مدجج بالسلاح لابتكار شخصيته الشهيرة، بداية من اسم ألونسو، وهو الاسم الأول لبطل الرواية الإسباني الشهير وحتى الفترة الزمنية بين بدء كتابة الرواية وتاريخ وقوع الأحداث.
 
 وحاول كاسانوفا توثيق فرضيته المثيرة بكل السبل الممكنة، على الرغم من شكل المتاهة الملغزة الذي اكتسبته العملية كما يحدث في رواية (دون كيخوته)، فوفقا للرواية التاريخية فإن دي لديسما ولد في إسبانيا وانتقل إلى أمريكا الجنوبية بصحبة شقيقه توميه في 1537 ، وأخذته رحلته إلى سانتو دومنجو وفي 1567 كان من ضمن الفاتحين الذين أسسوا تحت قيادة دييجو دي لوسادا مدينة كاراكاس، والتي عاش بها حتى نهاية حياته.
 
 يقول كاسانوفا "الحدث الذي أرغب في التركيز عليه هو أن موت ألونسو أندريا لديسما احتمال حقيقي وليس مجرد تكهن في تولد فكرة دون كيخوتة لدى ثربانتس"، حيث يؤكد الباحث أن الأنباء التي كانت تحدث في الأمريكتين أثناء تلك الحقبة كانت تعلن عن طريق منادي في إشبيلية أو مدريد، حيث يرى أن "بطولة إسبانية للغاية وإن كانت غير مجدية"، مثل تلك التي قام بها لديسما لا بد أن يكون قد تم تناقلها في "نشرة أخبار" المنادين الذين يجوبون الشوارع، على الأقل في إشبيلية التي عاش بها ثربانتس في الفترة بين عامي 1587 و1602.
 
 ويبرز كاسانوفا رغبة ثربانتس في السفر إلى الأمريكتين أو العالم الجديد، سعيا وراء  الحصول على المال لشراء لقب أو تحقيق مكانة في عالم عانى من ازدرائه، ومن هنا كان اهتمامه بالأحداث التي كانت تقع في المستعمرات الإسبانية في الخارج، حيث يرى في نظريته أن وقوع أحداث الرواية في قرية أرجاماسيا دي ألبا يرجع في الأساس لأسباب "سياحية"، حيث أضاف "لا توجد مؤشرات على وقوعها هناك، وعلى الصعيد الآخر فإن الأخبار المتعلقة بلديسما بعد وفاته وصلت بكل تأكيد على يد جاسبار دي سيلف".
 
يشار إلى أنه في عام 1595 تورط ثربانتس في قضية تبديد أموال عائدات الضرائب التي كانت في عهدته مما أدى إلى سجنه، وفي آب /أغسطس وصلت إلى شوارع إشبيلية أنباء ما قام به لديسما في كاراكاس، وعلى الرغم من أن الكاتب الشهير في هذه الفترة كان لا يزال محبوسا وفقا لفرضية كاسانوفا إلا أنها وصلته وتسببت في ابهاره، بسبب اهتمامه الكبير بالأمريكتين وبقصص البطولات الملحمية. 
 
وصرح الباحث "المعلومات والأنباء كانت تستغرق ثلاثة شهور لتصل إلى إشبيلية وفي آب /أغسطس كان ثربانتس في الحبس بسبب مشكلة تبديد المال العام، بالتالي فإن لديسما لم يكن مجهولا، في بداية الرواية يتحدث ثربانتس عن أنه حينما كان في السجن وصله ما يتعلق بأنباء الكيخوتة".
 
 وكان المؤرخ والكاتب الفنزويلي الراحل فرانسيسكو إيريرا لوكي قال في كتابه (التاريخ القصصي) الصادر في الثمانينيات أن "القصة اللذيذة والمؤلمة للديسما مجهولة بالنسبة لجانب كبير من الفنزويليين"، لدرجة جعلته يصفه بـ"دون كيخوتة الفنزويلي".
 
 وكتب إيريرا "استمعوا جيدا، الكيخوتة الفنزويلي، حدثت هذه الملحمة الرائعة قبل نشر ثربانتس لعمله الرائع بعشر سنوات، لديسما مات في 1595 والكيخوتة نشرت في 1605، وإذا ما جرى الحديث عن الملكية، يمكننا القول بأن الكيخوتة هو لديسما الإسباني، أنا أتساءل لماذا لا يوجد أثر يحيي ذكر ألونسو أندريا دي لديسما والذي تجري دمائه في عروق ملايين من أبناء بلده".
 
 يشار إلى أن ثربانتس كتب روايته الشهيرة ولم يكن يتوقع لها النجاح، وأن بطلها صاحب الصفات الهزلية التي لا علاقة لها بأي بطولة أو مقومات نجاح سوف تصبح أشهر شخصية أدبية على مر العصور وبلا منازع. اختار ثربانتس تقنية كان يلجأ إليها الكتاب حين يخشون على أنفسهم سواء من الفشل أو من بطش السلطة في حال لم يرقهم العمل، وتتلخص في الادعاء في مقدمة العمل أو في التمهيد أن الرواية هي ملخص مخطوط عثر عليه وينسبه لشخصية وهمية. في حالة ثربانتس ادعى أن الكيخوتة هي قصة مخطوط عربي عثر عليه لكاتب يدعى سيدي حامد بن انجيلي، وهو ما دفع بعض النقاد والباحثين العرب في مرحلة ما إلى الادعاء بأن الكيخوتة يحمل أصولا عربيا.
 
 يرى النقاد أن الأدب العالمي أفرز خمس شخصيات إنسانية تحمل ملامح البطولة كما يطمح إليها الناس في كل زمان ومكان، ثلاث من هذه الشخصيات من إبداع الأديب الإنجليزي ويليام شكسبير وهي ماكبث، وعطيل وهاملت، إضافة إلى دون خوان تينوريو مخادع النساء وهي من إبداع الأديب الإسباني تيرسو دي مولينا وأخيرا دون كيخوتة. 
 
سيظل دون كيخوتة بطلا برغم انكساراته وإحباطاته وبرغم كونه انسانا عاديا لا يحمل أي سمات خارقة مثل غيره من الأبطال الأسطوريين في الأدب العالمي، وذلك لبساطته ولتشابه أخطائه وهزائمه مع كل انكسارات وإحباطات الانسان البسيط في كل مكان عبر العصور.

نستور روخاس مافاريس
الخميس 1 ماي 2014


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan