زياد الهانيً عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين، قال ان ما حدث يعتبر حلقة تصعيدية من سلسلة حلقات، تمثل مسعى مبرمج للهيمنة على الاعلام العمومي وإعادة فرض الوصاية عليه .
فالذين قاموا بالاعتداء على العاملين بالنقمة الوطنية، هم عبارة عن ميليشيات تخدم أجندة سياسية وليست لها أية نوايا للإصلاح، علما بان العاملين في القطاع هم اول من طالب بالإصلاح وتجندوا لمحاربة الفساد، حيث بادروا الى رفع قضايا الى المحكمة في الغرض .
كما طالبوا الحكومة لتمكينهم من قائمات الاعلاميين المتعاملين مع البوليس السياسي والمتمعشة من النظام السابق، لكن الحكومة رفضت الاستجابة لمطالبهم بل اكثر من ذلك هي ترفض تفعيل المراسيم التي تكفل تطوير القطاع وتضمن استقلاليته .
وأفاد المدير الفني بمؤسسة التلفزة منجي المنصوري أن العاملين بالمؤسسة يريدون فك الاعتصام الذي قال إنه "يمثل ضغطا يوميا وهرسلة بدنية ومعنوية تتسبب في إرباك العمل".
وحذر بيان مشترك للنقابات الاساسية بمؤسسة التلفزة والمقالة الوطنية للصحفيين ، من عواقب الضغط والاستفزاز المعتمد لاستدراج موظفي التلفزة لرد الفعل غير المتعقل.
الأزمة بدات بتصريح رئيس الحكومة المؤقت حمادي الجبالي قال فيه أن "وسائل الإعلام العمومية هي وسائل حكومية" عليها ان تكون حسب رايه في خدمة سياسات الحكومة.
وهو الامر الذي رفضه الاعلاميون جملة وتفصيلا مصرين انهم لن يسمحوا لأي حكومة ان تجعلهم بوقا للدعاية بعد ان تحرروا من قبضة بن علي، وبصراحة واضحة قال بعض المنتمين للإعلام العمومي انهم لن يسمحوا لحركة النهضة ان "تؤسلم الإعلام" وتستولي عليه.
وقد رد كمال العبيدي رئيس الهيئة المستقلة لاصلاح الاعلام والاتصال على كلام الجبالي بانه : "لا ينم عن وعي بدور وسائل الإعلام والاتصال في إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي التي "تستوجب إعلاما مستقلا يضطلع بوظيفته بمنأى عن نزعة الوصاية".
ودعا العبيدي رئيس الحكومة حمادي الجبالي أن يستخلص الدروس من سياسة بن علي التي فرضت وصايتها على المؤسسات الإعلامية".
وقد تفاقمت الأزمة الإعلامية بين الحكومة وبين الصحفيين عموما، بل تحولت الى حرب معلنة يقودها انصار حركة النهضة ، حسب بعض الإعلاميين ، الذين نصبوا الخيام امام مقر مؤسسة التلفزة الوطنية المحاذية لمقر وزارة الخارجية في اعتصام مفتوح يدعو الى تطهير الاعلام وقد وصل بهم الامر الى استعمال مضخمات الصوت ومناداة الصحفيين باسمائهم والتشهير بهم بشتى النعوت.
العنف اللفظي والنقد اللاذع الغير مبرر ضد الصحفيين لم يصدر من المواطنين المعتصمين فقط، بل جاء أيضاً على لسان مسؤولين كبار في الدولة كان حريا بهم المساهمة في إصلاح الاعلام.
رفيق عبد السلام وزير الخارجية الجار القريب للتلفزة، قال قبل ايام خلال ندوة طرحت عنوان : "أي نموذج إعلامي نريد" : "ان الاعلام يشهد تعثرا شديدا سواء كان مرئيا او مسموعا او مكتوبا و لم يساهم الى حد الان بما يكفي في مواكبة الحد الأدنى من وتيرة التحولات الاجتماعية و السياسية التي تجري في البلاد ما بعد الثورة و انه بعيد كل البعد عن الموضوعية وتوقف وزير الخارجية عند هذا دون تقديم بدائل او اقتراحات.
اما هالة حمدي نائبة بالمجلس التاسيسي عن حركة النهضة فقد وصفت الصحفيين "بالذباب"، عضو اخر من حركة النهضة يدعى نجيب مراد توجه الى مقر التلفزة اين التقى برئيس تحرير نشرة الأنباء، وعند خروجه مر على قاعة التحرير وتهجم ساخرا على الصحفيين بالقول : "هؤلاء هم الذين يعدون النشرة " البنفسجية" (نسبة الى الرئيس المخلوع بن علي) فردوا عليه "بدقاج" اي ارحل .
اما العنف الجسدي المسلط على الصحفيين فقد بلغ مداه منذ قدوم حكومة الترويكا، وقد أكد كمال العبيدي أن عدم التحقيق في هذه الاعتداءات وراء تكرار هذه الاعتداءات، مؤكدا أن "عدد الصحفيين المعتدى عليهم منذ انتصار الثورة يفوق عدد الصحفيين الذين تعرضوا للاعتداء في السنتين الأخيرتين من عهد الرئيس المخلوع" وهذا "أمرا غير طبيعي" حسب قوله.
واثر الاعتداءات الصارخة التي تعرض لها بعض الصحفيين يوم التاسع من ابريل اتخذت النقابة الوطنية للصحفيين قرارا يقضي بمقاطعة ندوات وجلسات وزير الداخلية علي العريض ، وقد نفذ الاحتجاج النقابي الاعلامي الذي يحدث لاول مرة في تاريخ الصحافة التونسية، وقلما تم اللجوء اليه في العالم .
الدكتور محمد حمدان مدير معهد الصحافة وعلوم الأخبار سابقا علق على قرار النقابة بالقول : " ان هذه الصيغة الاحتجاجية اثارت انتقادا من قبل الوزير المعني بالمقاطعة ومن قبل اعضاء الحزب الذي ينتمي اليه ومن قبل بعض اعضاء الحكومة ومن قبل بعض السياسيين .
وهذا الانتقاد يعبر عن تخوف السياسي من المكانة المتنامية للصحفي في الحياة العامة بعد ان كان مدجنا طوال عقود طويلة . وهو يعبر عن رأي سائد لدى السياسيين بأن انتخابهم من قبل الشعب يؤهلهم ليكونوا المتدخلين الشرعيين في الشأن العام وبأن الصحفي غير منتخب و لا يحق له ان يكون سلطة رقابة على السياسي وان يكون بالتالي سلطة رابعة .
وهو يمثل رجة لرجل السياسة لان السياسي لا يستطيع ان يعيش ويبرز ويتواصل مع الجمهور العريض بدون اللجوء الى الصحفي وبقدر ما ينشد وده عندما يقيمه ايجابيا ويفتح قنوات التواصل فانه ينهال عليه بالنقد عندا يتعرض له بالنقد".
ويمضي حمدان في توصيفه لما جرى : " لقد ذهب البعض من السياسيين الى حد اعتبار الصحفيين مجرد اجراء والى الدعوة الى وقف الامدادات المالية للاعلام العمومياذا ما تمادى في مواقفه المعارضة للسياسي.
كما اثار قرار نقابة الصحفيين جدلا داخل المهنة الصحفية ذاتها لانه جاء مسقطا من قبل الهيئة القيادية وبدون تشاور مسبق مع مجمل الصحفيين، كما ان هذا الجدل يخفي ايضا تجاذبات وصراعات داخلية . ولكن نقد هذا القرار من قبل بعض الصحفيين جاء بناءا على اعتبارا حق المواطن في المعلومة وعلى ان مقاطعة السياسيين في صناعتهم للحدث وللقرار يعني في النهاية حرمان المواطن من المعلومة.
وسواء تم الا متثال للقرار بنسبة قوية او ضعيفة ، فان مهنة الصحفية وجهت انذارا قويا لمحترفي السياسة وأثبتت أنها طوت بلا رجعة صفحة تبعيتها غير المشروطة للسياسي. وبقدر ما تحتاج الديمقراطية لنخبة سياسية تحدد ملامح المستقبل وتتخذ القرارات الملزمة وتضع البرامج فانها تحتاج ايضا الى صحافة تحرس الديمقراطية وتقيم الاداء السياسي وتفضح التجاوزات، فالسياسي لا يستطيع ان يعمل بدون اعلام والاعلامي لا يمكن او يؤدي وظيفته بدون التعامل مع السياسة والسياسي".
وكما قال المتنبي "وعداوة الشعراء بئس المقتنى" ، وشاعر الامس الذي يصدح بصوته ويخبر في عصر المتنبي هو صحفي اليوم الذي يردد في سره " وعداوة الصحفيين بئس المقتنى".


الصفحات
سياسة








