تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


المفكر التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب "أهم قداسة هي قداسة الإبداع والعقل "




باريس - توفي ليل الأربعاء الخميس الكاتب التونسي عبد الوهاب المؤدب، وتناقلت عدة مواقع هذا الخبر مشيدة بالمفكر الذي سلط الأضواء على الثقافات الإسلامية مستلهما في قراءاته لها بعدد من المراجع الغربية والشرقية.


كانت إذاعة "فرانس كولتور" أول من أعلن صباح الخميس عن وفاة الكاتب والمفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب في باريس عن عمر ناهز 68 سنة بعد صراع مع المرض. وكان المؤدب من أبرز منتجي الإذاعة، حيث كان يقدم أسبوعيا ومنذ العام 1997 برنامج "ثقافات الإسلام". إضافة إلى برنامج آخر على أثير "راديو ميدي1" وهي إذاعة مغربية موجهة لشعوب المغرب العربي. وكان المؤدب يدير أيضا مجلة "ديدال" الدولية.

المؤرخة صوفي بسيس قالت لفرانس 24 الخميس إن "تونس فقدت شخصا مهما حاملا لفكر شجاع وإن كان فكرا يصعب تصنيفه ولا يروق للجميع. وسيفتقده مشهد أوسع ... تونس ستشتاق إليه، فرنسا ستشتاق إليه، ونحن أيضا سنشتاق إليه"... وأضافت أن عبد الوهاب المؤدب "كان يحب تونس حبا كبيرا، كان صديقا اختلفت معه في الآراء أحيانا وكانت لنا نقاشات طويلة لكني أكن أكبر الاحترام لما كان. فالمؤدب كان شخصا يؤمن بعمق بما يفعل. يجب الانحناء أمام هذا الرجل".

ولد عبد الوهاب المؤدب في تونس في كنف عائلة وصفها في حوار مع فرانس 24 في مطلع يناير/كانون الثاني 2014 بأنها عائلة "عريقة ،بورجوازية وأرستقراطية" وكان والده يدرس الفقه وأصول الدين. من جهة أخرى كان مؤدب من عشاق الأدب الفرنسي، فهاجر إلى فرنسا حيث قضى بقية عمره ودرس هناك الآداب في جامعة السوبون بباريس ثم درّس الأدب الفرانكوفوني في جامعة يال الأمريكية ودرّس الصوفية في جامعة جنيف السويسرية ثم الأدب المقارن في جامعة باريس العاشرة "نانتير".

وبدأ منذ العام 1970 بكتابة الرواية والشعر، وأصدر العديد من الدراسات، كما كانت له مساهمات في مجال الترجمة. وشغل الكاتب الراحل منصب مدير النشر في دار "سندباد" بين 1974 و1987، فساعد بالتعريف بالأدب الصوفي (ابن عربي،الحلاج، الرومي...) وبالأدب العربي المعاصر (الطيب صالح، نجيب محفوظ، صنع الله ابراهيم، أدونيس...). أما عن الأدب الفرنسي فقال المؤدب إن ما جذبه هو "الحرية وعصر التنوير مع فولتير وروسو، فبعدها الأول من تسامح وتعددية وحرية كان ينقص عندنا فتحول بداخلي إلى رغبة قوية". وأعرب المؤدب أيضا عن إعجابه بما كان يكتبه في الخمسينات والستينات سارتر وبوفوار وكامو وميرلو بونتي "فأبهرني تأثيرهم وشهرتهم العالمية آنذاك" كما يقول.

وترك المؤدب أثرا من حوالي 30 كتابا وصنع شهرته في فرنسا بـ"انتمائه المزدوج" للإسلام ولأوروبا في آن واحد حسب العبارة التي تبناها بنفسه. فقال المؤدب في حواره مع فرانس 24 إن ما يعبر عن نفسه هو "سلسلة النسب المزدوجة: أنا في نفس الوقت شرقي وغربي، مسلم وأوروبي، فرنسي وعربي". وكان المفكر يؤكد مرارا أنه يفكك المرجع الإسلامي محاذيا هدفين: الأول رفع الخلط الذي غالبا ما يشوب أذهان الغربيين بين الإسلام والإسلاميين، والثاني تدارك نسيان المسلمين للكثافة والتعقيد اللذين يميزان موروثهم الثقافي، لأن هذا النسيان يدفعهم إلى "تقبّل الرسالة الإسلامية التي تقترح نظرة منقوصة للإسلام فتحوله إلى إيديولوجيا غرائزية يقتل فيها مبدأ الموت مبدأ الحياة".

وشدد المؤدب في حواره مع فرانس24 على أهمية عمله كناشر لأن "ازدواج اللغة والمعايير والمراجع مكنني من فتح المخيلة الشعرية الفرنسية على الذاكرة الصوفية التي كتبت بالعربية بأبعادها الشعرية والفلسفية". وفي عبارة تكاد تكون "صوفية" قال المؤدب "قداستي كانت الكتاب والنشر"، وتكتمل الصورة عندما نعلم أن المفكر تعلم "القراءة والكتابة مع حفظ القرآن وأكد المؤدب أن "أهم قداسة هي قداسة الإبداع وقداسة العلم والعقل والروح" ضاربا المثل بابن عربي الذي ربط الصلة بين الغير والغيرة، فيقول المؤدب "يجب أن تسيطر على الغيرة حتى لا تتحول علاقتك بالآخر إلى عنف وتطرف"، مشيدا بميزة الإسلام في تسامحه واعترافه بالديانات الأخرى. ويضيف أن ابن عربي يحترم "حتى من يعبد الأوثان والنبات ففي كل عبادة طاقة تخص القداسة وتستحق الاحترام". وكان المثقف المخضرم يدعو لفتح المجال للحس المشترك وإعادة المرجع الإسلامي للواجهة.

وقال أوليفييه بوافر دارفور مدير "فرانس كولتور" صباح الخميس إن "صوتا هاما يغيب" وأن في وفاة المؤدب "خسارة كبيرة جدا لإذاعتنا ومستمعينا الذي كان صوته أساسيا بالنسبة إليهم". وأضاف بوافر دارفور أن "الانتماء المزدوج للمؤدب مكنه عبر مئات الحلقات بتذكيرنا بأهمية الموروث الثقافي الإسلامي الذي كان وريثه الرائع وأتاح لقارئي دانتي التعرف على نصوص ابن عربي، رابطا في آن بين التقليد والحداثة". وكان المؤدب يحلل الرهانات الحضارية لعصرنا مسائلا الشرق والغرب، والإسلام وأوروبا.

وأعلن بوافر دارفور أن آخر حلقة من برنامج "ثقافات الإسلام" والتي سجلها عبد الوهاب المؤدب قبل وفاته بأيام، ستبث الجمعة 7 نوفمبر/تشرين الثاني عند الساعة الثالثة بعد الظهر بتوقيت باريس. وستخصص إذاعة "فرانس كولتور" في الفترة المقبلة العديد من البرامج لتكريم ذكرى المثقّف الراحل.
وقال المؤرخ بنجامين ستورا صديق المؤدب وشريكه في إدارة مشروع كتاب جمع أكثر من مئة مؤلف "تاريخ العلاقات بين اليهود والمسلمين" (2013) أنه كان برفقته مساء الأربعاء "في مصحة بيزيه. قضينا وقتا طويلا معا... اكتشف المؤدب في يوليو/تموز الماضي أنه مصاب بالسرطان، وكان الأمر صعبا جدا".

بعد الثورة التونسية أصدر المؤدب كتابا بعنوان "ربيع تونس" ، ولفت في حواره مع فرانس24 أنه كان قبل الثورة يعيش "نوعا من القطيعة أو الانفصال مع البلاد، لأن ما كان يجري هناك وما كان يمثله ذلك الحكم ويشخصه كان قبيحا جدا بالنسبة لبلاد جميلة جدا" لكن ما وقع مع الثورة "أعادنا للبلاد ولحب البلاد".

وانتقد البعض المؤدب بعد الثورة فلاموه على سكوته أيام كان بن علي يقمع الناس وخصوصا الإسلاميين، ولاذ وقتها أغلب المثقفين بالصمت. واعترف المؤدب بهذا الصمت في "ربيع تونس" وقال "لم نحتج حين بدأ بن علي بقمع الإسلاميين في السنوات 1990-1991. بل حتى أراحنا ذلك". فتقول صوفي بسيس إن الإسلاميين بالنسبة إليها خصم سياسي "لكن رأيي كمناضلة من أجل حقوق الإنسان أنه كان على المؤدب الدفاع عنهم. أنا أدافع عن أي إنسان يتعرض للتعذيب. لكن الفرق بيني وبين الإسلامي هو أني سأدافع عنه إذا تعرض للتعذيب لكنه لن يفعل ذلك إذا تعرضت أنا للأمر نفسه، وهذا الفرق الكبير والأهم بيننا".

وتوضح بسيس أن "المؤدب لم يكن وجها من وجوه المعارضة لبن علي. لكني أرفض الاتهامات التي وجهت إليه، فالفضل الأكبر للمؤدب أنه وإن لم يرفع صوته ضد النظام فإنه لم يسانده ولم يدعمه ولم يقبل منصبا من المناصب التي قبلها غيره ولم ينتفع منه ولا بمليم". وأمام سؤالنا بشأن هذا الصمت الذي رأى فيه البعض نوعا من المراعاة قالت بسيس "يمكن أن نأسف لأن المؤدب لم يكن معارضا بارزا لبن علي لكن لا منة لهذا النظام عليه وهو أمر أساسي، فلا يمكن أن يكون الكل أبطالا".

وأعلن عبد الوهاب المؤدب في 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي أنه سيصوت لحزب "نداء تونس" في الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 من نفس الشهر وأنه سيصوت في الانتخابات الرئاسية لرئيس هذا الحزب الباجي قائد السبسي، مؤكدا أنه القرار الذي اتخذه أمام خيار "مجتمع منفتح وديناميكي ومنسجم مع عادات عصره" من جهة أو "مجتمع منغلق ورجعي وعالق في الخلط بين الدين والسياسة" في إشارة واضحة إلى الإسلاميين في حزب النهضة. وكان أغلب التونسيين الذين صوتوا لنداء تونس صوتوا أولا ضد النهضة. وانتقد العديد هذا الموقف الأخير الذي أعلنه المؤدب فرد على الانتقادات بنص طويل. وسألنا صوفي بسيس فقالت "له الحق أن يفكر بهذه الطريقة. فبالنسبة للمؤدب توجد تحت النظام السلطوي إمكانيات للخروج منه والإفلات لكن لا مجال لذلك مع النظام الشمولي، والإيديولوجية الإسلامية برنامج شمولي".

وعن تجارب الحكومات الإسلامية في تونس ومصر قال المؤدب أنه يمكن اعتبارها فاشلة وأحال على كتابه "أوهام الإسلام السياسي" (2002) فأكد في حواره مع فرانس 24 أن أسباب هذا الفشل كامنة أساسا في "أن الإسلام ليس حلا كما هو شعار هذه التيارات بل الإسلام عقيدة وممارسة دينية". ووصف التجربة التونسية بأنها "هامة وتاريخية". وعن مكانة المثقف والأدب والإبداع بعد الثورة في تونس قال المؤدب "لم نصل إلى اإنتاج أدبي أو شعري هام جدا لكن الأبواب مفتوحة" وأشار إلى الحراك الكبير الذي أدخلته الثورة على "المسرح والراب والشعر". وساند المؤدب مغني الراب التونسي "ولد الـ15" الذي حوكم بعد الثورة وكانت ابنة الكاتب، الصحافية والمخرجة هند المؤدب، أوقفت على إثر محاكمة المغني.

ومن سخرية الأقدار أن كان المِؤدب أنهى حواره مع فرانس 24 بمقولة لسبينوزا "مأساة البشرية هي الكتب التي لن تتحقق ". غيب الموت صوت المؤدب الذي لن يعزز صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية في نهاية الشهر الجاري لكنه ربما يضيف صفحة لمستقبلها الذي يكتب في تجربة فريدة من نوعها، مليئة بالتناقضات التي كان يحملها الشاعر وبحلم "رواية شاسعة جدا يذهب من إسطنبول إلى حلب إلى دمشق إلى القاهرة إلى الإسكندرية إلى تونس إلى طرابلس إلى فاس إلى مراكش إلى مكناس تحت حدث الثورات العربية".

فرانس24
الجمعة 7 نوفمبر 2014