تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الفرات فيّـاضاً

29/08/2026 - عبدالرحمن مطر

الماركسية بين لينين وأحمد الشرع

29/08/2026 - عبد الرزاق دحنون

الدراما السورية والحرس القديم

29/08/2026 - عبد القادر المنلا

التفاهة الجميلة

29/08/2026 - د. أنس الفتيح

واقع النخب في سوريا اليوم

18/08/2026 - حسام جزماتي


لبني آدم ...إبراهيم عبد المجيد يعيد التذكير بأفلام زمان عبر فيلم لسامية جمال




ليس جديدا أن أقول، إني كثيرا ما أقضي وقتي، في مشاهدة الأفلام القديمة، التي يتيحها التلفزيون في قنواته المختلفة. ورغم إمكانية مشاهدة الجديد، خاصة وقد اتيحت منصات مختلفة لذلك، لكنها النوستالجيا أو الحنين، الذي لا يجعلني أمل من فيلم رأيته عشرات المرات.


  منذ أيام شاهدت فيلم «أبو حديد» لفريد شوقي ومحمود المليجي وليلي طاهر. أيْ فيلم لفريد شوقي ومحمود المليجي، ستجد فيه المليجي شريرا، ينتصر عليه فريد شوقي في النهاية، لكني جلست أمام الفيلم لشيء آخر. أن أري ليلى طاهر، الذي كان هذا الفيلم أول ظهور لها، وكيف أخذتنا المدرسة الابتدائية في رحلة إلى سينما فريال عام 1958 ورأينا الفيلم. رحلة كانت تكلفتها ثلاثة قروش، تتم كل أسبوع عن طريق المدرسة، وكان أبي حريصا أن أشارك بها، لعلمه بحبي للسينما. جلست أشاهد الفيلم لأتذكر، كيف بعد عودتنا كنا في الفصل الدراسي نقول كل يوم «الممثلة دي حلوة أوي يا جدع» حتى شغلتنا أفلام أخرى. تركت نفسي للذكريات كالعادة، وكيف كانت مدارس زمان، وما جرى في التعليم في مصر.

منذ أيام شاهدت بالصدفة فيلما لم أشاهده من قبل. عنوانه» البني آدم» من إخراج نيازي مصطفي وتمثيل بشارة واكيم وسامية جمال وفردوس محمد ومحمود إسماعيل وإسماعيل ياسين ومحمود شكوكو وحسن كامل وغيرهم. رأيت الفيلم بعد بدايته، وأخذتني أشكال الممثلين الشابة الصغيرة، فعرفت أنه من إنتاج عام 1945. هناك فيلم تم إنتاجه عام 2018 بعنوان «بني آدم» من إخراج أحمد نادر جلال، وتمثيل يوسف الشريف، لا علاقة له بالفيلم القديم.
قصة الفيلم القديم بإيجاز، أن الحاج حسين، وقام بدوره عبد الحميد زكي، وزوجته فردوس محمد، لهما ابنة شابة هي «أمينة» (سامية جمال) وطفلان صغيران، وحمار اسمه بندق وحمارة اسمها لوزة، أنجبا جحشا اسمه فستق. ولسفر الحاج حسين إلى الخارج، أوصى محمود إسماعيل «إبراهيم» الذي رباه بعد موت أبيه، بالأطفال والحمير، لكنه غدر بهم، وغدر بأمينة التي ادعى حبها، واعتدى عليها. دعا الأطفال الله أن يحول الحمير إلى بني آدمين لتنقذهم. استجاب الله فأصبح الحمار بندق هو بشارة واكيم، والحمار فستق هو إسماعيل ياسين، والحمارة لوزة هي سعاد أحمد. بعيدا عن تفاصيل الفيلم وما تعرضوا له، مثل إدخالهم مستشفى الأمراض العقلية، فيتحولون من جديد إلى حمير فيخرجونهم، وعن بحثهم عن عمل، يرسلهم «مخدماتي» للعمل في خدمة رجل مسن على شفا الموت، هو الفنان حسن كامل الذي يجتمع أخوته وعائلته حوله ينتظرون موته، ليرثوا ثروته الطائلة. يخدمونه هم فيطيل الله في عمره، وتنصرف العائلة محبطة، لكن لا تنسى، خاصة أن محمود إسماعيل أو «إبراهيم» هو ابن أخيه. حين مات الثري «رمضان بيه» الذي قام بدوره حسن كامل في أداء رائع مذهل، كان قد أوصي بكل أملاكه التي تصل إلى ثلاثين ألف جنيه لهم هم خدمه. ثلاثون ألف جنيه في ذلك الوقت، كانت تشتري خمس عمارات في أرقى الأماكن. الآن والحمد لله تشتري بها بدلة!

لم يعرفوا بالوصية فورطهم إبراهيم، في العمل في لوكاندة النسيم، بشرط جزائي هو ثلاثين ألف جنيه إذا تركوا العمل. عرفوا وقرروا تطفيش الزبائن من اللوكاندة، ليتم طردهم، ويسقط شرط العقوبة، بل تدفع لهم صاحبة اللوكاندة ثلاثين ألف جنيه، فالشرط الجزائي متبادل. المهم كيف حين تشتد الأحداث يعودون ويتحولون إلى حمير، والعكس حتى انتصروا. الفيلم كما قلت كان عام 1945.
في ذلك الوقت كانت في مصر جمعية شهيرة اسمها «جمعية الحمير» يرأسها الفنان زكي طليمات، ومن أعضائها عباس العقاد وطه حسين وغيرهم. وكان توفيق الحكيم قد أصدر روايته «حمار الحكيم». كان من بين أعضاء الجمعية أطباء وعلماء، بلغ عددهم ثلاثين ألفا. تم حل الجمعية في ما بعد عام 1963 باعتبارها جمعية ماسونية ولم تكن كذلك، لكنها الدولة المركزية التي جاءت مع يوليو/تموز 1952 لا تعترف بنشاط المجتمع المدني أو الأهلي.
وأنا أشاهد الفيلم قلت لنفسي لا بد أن كاتب السيناريو هو أبو السعود الإبياري الشاعر والصحافي ابن المرحلة الليبرالية المولود عام 1910، وهي المرحلة التي كانت تفتح الأفق لكل خيال. هذا الذي كتب أعمالا كوميدية رائعة في السينما مثل «نشالة هانم» و»أنت حبيبي» و»طاقية الإخفاء» وغيرها، فضلا عن المسرحيات، وبلغ عددها حوالي خمسمئة فيلم ومسرحية، حتى توفي عام 1969، واتضح لي في نهاية الفيلم إنه هو أبو السعود الإبياري، وشاركته عزيزة أمير في كتابة السيناريو، وما أدراك بعزيزة أمير التي لقبت بأم السينما المصرية، هي المنتجة والمخرجة التي أنتجت الفيلم الصامت «ليلى» عام 1927 وكان أول فيلم مصري طويل.

أخذتني أشكال الممثلين الشابة الصغيرة، ورحت أتذكرهم في أفلام في ما بعد، وقد تغيرت أشكالهم، خاصة الفنانة سعاد أحمد التي لا ينساها من شاهدها، لا سيما في فيلم مثل «ابن حميدو» الذي ظهر عام 1957 والذي كتبه عباس كامل صاحب فكرة فيلم «البني آدم» بعد اثنتي عشر عاما من الفيلم السابق، فتغيرت ملامحها قليلا، والذي كانت فيه زوجة عبد الفتاح القصري، وكلما قال لها «أنا كلمتي ما تنزلش الأرض أبدا» تقول له وهي تزجره «حنفي!» فيقول» خلاص تنزل المرة دي» في «إفيه» لا ينسي.
أخذني الفيلم إلى ما حولي من غرائب، تشغل الناس على السوشيال ميديا. حفلات الغناء في الساحل الشمالي، التي يصل فيها سعر التذكرة إلى خمسمئة ألف جنيه، والذي يشغل الناس هو ما يفعله المغني، أو الراقصة، كأنما الخمسمئة ألف جنيه في يد كل من يريد.. المرأة التي ضاع منها كلبها في حي التجمع الراقي كما يقولون، فرصدت مليوني جنيه لمن يدلها عليه. ترى كم شخصا يمكن أن يتقدم لها ويفعل ما يفعله الكلب، وينبح أو «يهوهو» طول النهار بمليون جنيه فقط! أو المعركة التي شغلت الكثيرين جدا، بين زوجتي الكابتن حسام حسن الأولى والثانية، ولا أحد يفكر ماذا يعنينا في هذا، أو السيدة التي قيل إنها باعت جاموستها، من أجل حضور حفل لمحمد رمضان في الساحل، وما قيل بعد ذلك عن استضافة الإعلامية منى الشاذلي لها، وإنها قالت الحقيقة، إن مدير أعمال محمد رمضان، هو من طلب منها أن تقول ذلك نظير مبلغ مالي، فقطعت المذيعة الحوار، وما قالته المذيعة بعد ذلك أنها أصلا لم تستضفها، وأن الصور لها في البرنامج من إنتاج الذكاء الاصطناعي. سواء كان الأمر صحيحا أم لا فماذا يعنينا في هذا العبث!
أخاف أمشي مع ما حولي أكثر، فأجد نفسي احتل مقام الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار». وأعود إلى فكرة الفيلم، وكيف كان التحول إلى حمير، هو الخلاص من كل الأشرار. كيف فاق الحمار البني آدم في سلوكه. قفزت إلى ذهني مع نهاية الفيلم الأسطورة الافريقية التي ذكرتها يوما في مقال هنا، عن الحمير التي ضجت من ظلم الإنسان لها، فاجتمعوا وقرروا أن يرسلوا واحدا منهم إلى الله في السماء، يشكون فيه ابنه الإنسان الظالم. من يومها لم يعد الحمار، ولذلك – ولاحظ ذلك من فضلك – إذا تقابل حماران في الطريق اقتربا برأسيهما من بعضهما لحظة يسأل كلاهما الآخر «هو لسة ما رجعش» ويمضيان في صمت فالإجابة لا! لكن الحمار المظلوم دائما عبر التاريخ، يكون في هذا الفيلم طريق النجاة! فهل يمكن لنتحمل ما حولنا وننتصر عليه أن نصير حميرا. صرت اسأل نفسي وأضحك، وأفكر ماذا كان يمكن أن يكتب أبو السعود الإبياري، إذا عاش بيننا الآن، وهل سيسمح له محتكرو الإنتاج السينمائي بهذا الخيال. هم الذين قلصوا عدد الأفلام من ثمانين فيلما وأكثر، إلى خمسة عشر فيلما كلها عن البلطجة، تجد بينها فيلما أو اثنين فقط يستحقان الاهتمام.


ابراهيم عبدالمجيد - القدس
السبت 29 أغسطس 2026