وحينَ قرأتُ عنوان كتاب محيي الدين اللاذقاني «في الطريق إلى بيت ولادة» توقفتُ طويلًا عند كلمتين فيه: "في الطريق"؛ فالكاتب لم يقُل "بيت ولادة"، ولم يقُل "ولادة بنت المستكفي"، ولم يقُل حتى "بحثًا عن بيت ولادة"، لقد اختار أن يضعنا "في الطريق". وأحسب أن هذه العبارة هي مفتاح الكتاب، لأننا منذ الصفحة الأولى، نكتشف أننا لسنا أمام كاتب يريد أن يعثُر على عنوان في مدينةٍ أندلسيةٍ قديمة فحسب، وإنما أمام رحلة في الذاكرة والحب والتاريخ والمنفى، وفي علاقة الإنسان بالمكان الذي فقده أو لم يعشه أصلًا.
صدر الكتاب في 223 صفحة، وهو عمل يصعبُ وضعه في خانةٍ واحدةٍ، فهو في الوقت نفسه سيرة ثقافية، وبحث في التاريخ، وكتابةٌ رحلية، وتأمُّلٌ أدبيٌّ، ونصٌّ مشبعٌ بالنَّفَس الشِّعري، أي أنه يتجاوزُ التصنيف الأدبي التقليدي، ويتحرك بين التاريخ والهُوية والمنفى والحضارة.
لكنني لا أريد أن أبدأ من هذا التعريف، ولكن من سؤال آخر لماذا أراد محيي الدين اللاذقاني أن يبحثُ عن بيت ولادة؟ لأنني أظنُّ أنَّ الإجابةَ عن هذا السُّؤال أهم من الإجابة عن سؤال أين كان البيت؟ يضعنا اللاذقاني نفسه في أصل الحكاية.. هو في قرطبة، والمنفى قد طال، ودمشقُ التي ابتعد عنها تقتربُ منه كلما اقترب من قرطبة.
وفي لحظة شغفٍ وحنينٍ قرر أن يبحث عن بيت ولادة بنت المستكفي، ثم جاءت الذكرى الألفية لكتاب ابن حزم، «طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف»، لتمنحَ الفكرة قوةً إضافيةً.. كيف تغيبُ ولَّادة تلك المرأة التي ارتبط اسمُها بأشهر قصص الحُب في الأندلس، عن كتابٍ في الحُب كتبه معاصرٌ لها؟
وهنا يبدأ اللغز "لماذا لم يذكُر ابن حزم ولَّادة؟" هذا السؤال في تقديري أكثر أهمية من السؤال عن بيتها.
فولادة لم تكُن امرأةً هامشيةً في قرطبة؛ فقد كانت ابنة المستكفي بالله، أحد آخر خلفاء بني أمية في الأندلس، وكانت شاعرةً ذات شخصيةٍ مستقلة، ولها مجلسها وشعرها وعلاقاتُها الأدبيةُ والسياسيةُ والاجتماعية، وهي أيضًا المرأة التي جعلتها ذاكرتنا الأدبية نصف قصة ابن زيدون.
لكنَّ المشكلةَ هنا أن الذاكرةَ العربيةَ كثيرًا ما اختزلت ولَّادة في رجلٍ.
لقد صارت ولادة في الرواية الشائعة "حبيبة ابن زيدون"، كأن ابن زيدون هو الأصل وولادة هي الفرع.
وهنا تأتي أهمية كتاب اللاذقاني، إنه يحاول أن يقلب العلاقة، "ماذا لو قرأنا ابن زيدون من خلال ولادة، بدل أن نقرأ ولادة من خلال ابن زيدون؟"،هذا التحول يبدو بسيطًا، لكنه ليس بسيطًا على الإطلاق؛ لأنه يعيد ترتيب مركز الحكاية.
فولادة ليست فقط المرأة التي أحبَّها ابن زيدون، وإنما شخصيةٌ قائمةٌ بذاتها عاشت في لحظةٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ مضطربةٍ، وامتلكت صوتَها وكتبت شِعرَها، وأدارت مجلسَها واختارت علاقاتِها، ورفضتْ أن تكون مجرَّد شخصية تابعةٍ في سيرة رجلٍ. وأرى أن الكتاب يتجاوز قصة ولَّادة إلى سؤالٍ أكبر.. "كيف كتبنا تاريخ النساء؟" وكم من النساء وصلن إلينا لأنَّ رجلًا أحبَّهُن؟
وضاعت أسماؤهن لأنَّ المؤرخين لم يجدوا في حياتهن ما يستحقُّ التسجيل وفق مقاييسهم؟ وهل الذاكرةُ الأدبيةُ عادلةٌ أصلًا؟
هذه الأسئلة تجعل "ولادة" في الكتاب أكثر من شخصيةٍ أندلسيةٍ، إنَّها تصبحُ اختبارًا لذاكرتنا.
وأظنُّ أنَّ أجمل ما فعله اللاذقاني أنه لم يقع في الفخ المقابل؛
فلم يحول ولَّادة إلى أيقونة نسوية حديثة مفصُولة عن زمانها، إنه يعيدها إلى عصرها القرطبي، وبني أمية، وابن زيدون، وابن حزم، إلى ذلك العالم الأندلسي الذي كان الحُب فيه جُزءًا من الثقافة، والثقافة جُزءًا من السياسة، والسياسة جُزءًا من حياة المدينة، وهنا نكتشف أنَّ الكتابَ ليس كتابًا عن "قصة حب"، وهذا أمر مهم للغاية؛ لأن من السهل أن نكتب عن ولادة وابن زيدون بوصفهما "روميو وجولييت الأندلس".
لكن اللاذقاني يريدُ أكثر من ذلك؛ فالحب عنده ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها ،ومنه ندخل إلى الأندلس، ومن ولادة ندخل إلى قرطبة، ومن قرطبة ندخل إلى ابن حزم، ومن ابن حزم ندخل إلى "طوق الحمامة"، ومن "طوق الحمامة" ندخل إلى سؤال الحب نفسه ما الحب؟
وهنا تصبح ولادة مفتاحًا لعصرٍ كامل، ولعل هذا ما يفسِّر اتساع دائرة الكتاب لتشمل ابن زيدون وابن حزم وابن رشد، وشخصيات أندلسية أخرى، وكذلك مدنًا مثل مُرسية وألمرية وغرناطة وطليطلة وإشبيلية. فالكتاب لا يسير في خط مستقيم، بل يتشعَّب مثل ذاكرة الأندلس نفسها.
لكن هناك شيء آخر جعلني أقرأ الكتاب من زاوية مختلفة. وهو "المنفى".
فلا يذهب محيي الدين اللاذقاني إلى الأندلس من موقع السائح، وإنَّما موقع رجل يحمل دمشق داخله، وهذا فرق كبير، فالسائح يرى المكان، أما المنفي فيرى المكانين معًا المكان الذي يقف فيه، والمكان الذي تركه، ولهذا تصبح قرطبة عند اللاذقاني أكثر من قرطبة، إنها مدينةٌ يرى فيها دمشق، وأعتقد هنا أن البحث عن بيت ولادة يصبحُ بحثًا آخر غير معلن عن "بيت مفقود".
فالرجل الذي ابتعد عن دمشق يجد نفسه في قرطبة، مدينة بني أمية، مدينة الشعر والماء والحدائق، فيشعر أن المسافة التاريخية بين المدينتين أقل من المسافة الجغرافية.
وهنا يمكن أن نقول إنَّ اللاذقاني لا يبحثُ عن بيت ولادة وحدها. "إنه يبحث عن بيتٍ لنفسه أيضًا".
وهذه من أجمل الطبقات الخفية في الكتاب؛ فولادة فقدت عالمها، وكذا الأندلس فقد عالمه، والكاتب يحمل وطنًا فقده أو ابتعد عنه.
وهكذا تتداخل ثلاثة أنواع من الحنين، حنين المرأة إلى زمنها، وحنين الأندلس إلى تاريخها، وحنين الكاتب إلى دمشق؛ ومن هنا تصبح الرحلة في الكتاب مزدوجة.. رحلة إلى الماضي، وأخرى إلى الذات.
وأتوقف هنا عند كلمة "الطريق". لأنني أرى أنها ليست مجرد كلمة في العنوان؛ فالطريق هو بناء الكتاب وفلسفته.
وقد اعتمد اللاذقاني في بحثه على وثائق عربية وإسبانية، وعلى النصوص التاريخية والأدبية، وعلى إمكانات البحث الرقمي في محاولة تحديد الموقع الافتراضي لبيت ولادة. لكن اللافت أنه لا يحوِّل الوثيقة إلى صنم، ولا يحوِّل الخيال إلى وثيقة، وهنا نصلُ إلى مسألة أعتقد أنها من أكثر المسائل إثارةً في الكتاب وهي "العلاقة بين التاريخ والفانتازيا". ما الذي يحقُّ للكاتب أن يتخيله عندما يكتب عن شخصياتٍ تاريخية؟ هذا سؤال قديم، لكنَّه يصبحُ أكثر إلحاحًا عندما نتعاملُ مع شخصياتٍ مثل ولَّادة وابن زيدون وابن حزم وابن رشد، فالمؤرخ يريد الدليل، والكاتب يريد أن يملأ الفراغ. والذاكرة تريد أن تصنع صورةً، لكن التاريخ نفسه مليء بالفراغات، ونحن لا نعرف كل شيء عن ولادة، ولا نعرف ما جرى بينها وبين ابن زيدون، ولا نملك خريطةً كاملةً لبيتها، ولا نعرف ماذا حدث في كل يوم من حياتها. فماذا يفعل الكاتب؟ هنا يأتي مفهوم "فانتازيا التاريخ" الذي يحتل موقعًا مهمًّا في الكتاب، لكنَّني لا أفهم الفانتازيا هنا باعتبارها هرُوبًا من التاريخ، بل باعتبارها محاولةً للاعتراف بأنَّ التاريخَ الذي وصل إلينا ناقصٌ، والكاتب حين يتخيلُ ينبغي أن يعرف أنه يتخيل، وهذا هو الفارق بين التخييل المسؤول والتزوير الأدبي.
إننا لا نريد من الأدب أن يتحول إلى سجِلٍّ مدنيٍّ، ولا نريده أن يمحو الفارق بين ما حدث وما نتخيله. واللاذقاني يتحرك في هذه المنطقة الحسَّاسة بين الوثيقة والحكاية، بين البحث والتأمل، بين التاريخ والأدب.
هناك كذلك مسألة المرأة، وأظن أنها تستحق أكثر مما يمكن أن تمنحه لها قراءة عابرة، فولادة ليست المرأة الوحيدة التي تستعيد حضورها في الكتاب ،هناك اعتماد وصُبح، وغيرهما من النساء اللواتي يخرجن من هامش التاريخ إلى مركزِه.
وهذا يجعل الكتاب يطرح سؤالًا أوسع من سؤال ولادة: "هل كانت الأندلس أكثر انفتاحًا على المرأة مما تسمح لنا صورةُ التاريخ التقليدية بأن نرى؟".
لا أعتقد أن الإجابة ينبغي أن تكون رومانسية. فالأندلس لم يكن جنة للنساء، لكنه كان مجتمعًا معقَّدًا ظهرت فيه نساءٌ امتلكن مساحةً من الحضور الثقافي والسياسي والاجتماعي لا يجوز اختزالها.
ولادة تحديدًا مُهمَّة ؛لأنها لا تظهر في صورة المرأة الصامتة، إنها تتكلمُ وتكتبُ وتهجُو وتحبُّ وتختار وترفض.
وهذه الأفعال حين تجتمعُ في امرأة من القرن الخامس الهجري(توفيت سنة 484هـجرية / 1091ميلادية في قرطبة) تجعلها أكثر من شاعرةٍ، وتجعلها شاهدًا على تعدُّد الحياة الأندلسية.
وأريد أن أعود مرةً أخرى إلى ابن حزم ؛لأنني أعتقد أن «طوق الحمامة» هو الشخصية الغائبة الحاضرة في الكتاب، الغائبة لأنَّ ولادة لم تظهر فيه، والحاضرة لأنَّ غيابها هو الذي أطلق الرحلة كلها.
وهناك شيء آخر أحببته في مشروع اللاذقاني أنه لا ينظرُ إلى الأندلس باعتباره مُجرَّد فردوسٍ مفقودٍ نبكي عليه، وهذه مشكلة كبيرة في الكتابة العربية الحديثة عن الأندلس، نحن غالبًا نكتب الأندلس بعد سقوطه، نكتبه من آخرها، من غرناطة، من أبي عبد الله الصغير، من دمعة العربي وهو يغادر آخر معاقل المسلمين.
لكن اللاذقاني يعيدنا إلى الأندلس وهو حي، إلى قرطبة وهي تبني. وهنا أستطيع أن ألخِّص رؤيتي للكتاب في جملةٍ واحدة.. لا يريد اللاذقاني أن نبكي الأندلس؛ يريد أن نفهم لماذا كان الأندلس ممكنا، وهذه بالنسبة لي قيمة الكتاب الكبرى. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نقرأ الكتاب بحثًا عن "معلومة" واحدة.. هل وجد الكاتب البيت أم لم يجده؟ إذا قرأناه بهذه الطريقة سنخسر الكتاب.
السؤال الأهم هو ماذا حدث لنا ونحن نبحث معه؟
وأخيراً أعود إلى عنوان "في الطريق إلى بيت ولادة" وأظن أن الكتاب في جوهره يقول لنا إن الماضي لا يمكن استعادته كاملًا، يمكننا أن نبحث عنه. ولهذا أرى أنَّ أجملَ ما في الكتاب ليس وعد الوصُول، بل متعة الطريق؛ فالطريق يسمحُ لنا بأن نلتقي ما نحبُّ ونشتهي من رموز الأندلس
وأماكنه.
--------------
جريدة الصباح العراقية


الصفحات
سياسة









