كما شدد على أن إعادة الإعمار تحتاج إلى انخراط المجتمع الدولي، وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي، لدعم الحكومة السورية وتأمين “البيئة الآمنة” لهذا المسار.
ورفض الوزير السوري في الوقت نفسه القول إن سوريا ما تزال بلدًا غير آمن، معتبرًا أن هذا الطرح لا يتفق معه، خاصة أن الدول الأوروبية لم تعد تمنح صفة اللجوء لمن يغادر سوريا، لأنها باتت ترى أن الوضع في البلاد آمن ومستقر.
لكنه نوه إلى أن فرض “عودة غير طوعية وغير كريمة” على السوريين قد يؤدي إلى “الفوضى في سوريا”، مشيرًا إلى أن الوضع يتطلب تهيئة البيئة المناسبة قبل أي عودة واسعة النطاق.
هذه التوضيحات تأتي بعد تصريحات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، الذي قال في مؤتمر صحفي مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، نهاية آذار الماضي، إنه اتفق مع سوريا على إعادة 80% من اللاجئين في ألمانيا.
لكن الشرع قال بعدها إن هذه التصريحات مصدرها المستشار الألماني، الذي تراجع بدوره عنها أيضًا وقال إنها منسوبة للرئيس السوري.
وكان وزير الخارجية السوري شارك في المنتدي السوري الأوروبي الذي عقد في بروكسل في 11 من أيار الحالي.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويسا،أكدت المسؤولة الأوروبية أن أوروبا تعمل على تسهيل عودة اللاجئين السوريين بشكل طوعي وآمن، مشيرة إلى تنظيم مؤتمر استثماري نهاية العام الحالي لدعم سوريا وعودة اللاجئين.

الدمار يعوق عودة اللاجئين

أكد الشيباني أن السبب الرئيسي وراء عدم عودة بقية اللاجئين يعود إلى أن “المدن والبلدات السورية مدمرة بسبب نظام الأسد”، وهو ما يجعل ملف إعادة الإعمار أولوية أساسية للحكومة الحالية.
وأوضح أن دمشق تعمل اليوم على إطلاق عملية إعادة الإعمار وإدخال التعافي إلى كافة المدن والبلدات السورية، مشيرًا إلى أن سوريا استطاعت خلال عام ونصف فقط استقطاب استثمارات تُقدّر بنحو 62 مليار دولار.
واعتبر الشيباني أن هذا الرقم يعكس وجود إقبال على سوريا، مضيفًا أن “الجميع بات يرى أن سوريا دولة مستقرة وآمنة”.
كما أقر الوزير بوجود تحديات، لكنه شدد على أنه “لا توجد فوضى أمنية ولا فوضى سياسية” في البلاد، مؤكدًا وجود “حكومة تقوم بعملها بشكل مستمر” إلى جانب رؤية استراتيجية حظيت باعتراف دولي.
وبيّن أن هذا الاعتراف تُرجم عبر رفع العقوبات الأوروبية والأمريكية، وإعادة فتح عدد من السفارات الأوروبية في دمشق، فضلًا عن انتقال بعثات دبلوماسية كانت تعمل من دول مجاورة إلى العاصمة السورية.
وشهدت العلاقات السورية الخارجية انفتاحًا  على الدول الإقليمية والعالمية، وتخللها رفع العقوبات الغربية المفروضة على البلاد زمن نظام الأسد.
كما لوحظ عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السورية خاصة من دول الجوار في تركيا والأردن ولبنان، لكن تلك الأرقام لم تقابل بمثيلاتها من اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية، حيث لم تسجل عودة أعداد كبيرة من هذه الدول.

العلاقة السورية الأوروبية

قال وزير الخارجية السوري، إن الموقف الأوروبي خلال السنوات الماضية لم يختلف كثيرًا عن مواقف دول أخرى، معتبرًا أن هناك “عجزًا سياسيًا” حال دون مساعدة الشعب السوري على “تغيير النظام”.
وأضاف الشيباني أن “الشعب السوري استطاع أن يحرر نفسه بيده وبإمكانيات سورية بسيطة جدًا”، رغم سنوات الحرب والعزلة.
وأوضح أن السوريين اليوم “يبحثون عن شركاء ولا يبحثون عن مسائل أو عن وضعهم في قفص الاتهام”، مشيرًا إلى أن من يريد دعم سوريا “عليه أن ينتقل من الحديث إلى الفعل”.
وأكد الشيباني على أن أي طرف يريد بناء شراكة قوية مع “الدولة السورية الناشئة والطموحة” عليه أن يتخذ خطوات عملية “تقنع الشعب السوري وتقنع الحكومة السورية”.
كما شدد أن السياسة السورية الحالية تُبنى “على المصالح الوطنية السورية”، وليست قائمة على “هوى أي دولة أخرى”، مضيفًا: “لسنا مطالبين بأن نكون كما يريد الآخر، بل نريد أن نبني شراكات مبنية على المصالح والتهديدات والرؤى المشتركة”.
وفيما يتعلق بالشروط الأوروبية المرتبطة بحماية الأقليات والإصلاحات الداخلية، نوه الشيباني إلى أن النظام السابق كان مصدرًا لأزمات كبرى لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من حلها، رغم انعكاساتها المباشرة على أوروبا والمنطقة.
وعدّد هذه الملفات بالقول إنها شملت “الهجرة، والإرهاب، وتصدير الكبتاجون، وعدم الاستقرار السياسي، والاضطهاد، والقتل، والمفقودين، والسجون، وغياب العلاقات السياسية مع المحيط العربي ومع الاتحاد الأوروبي”.
وبيّن أن هذه الملفات “عادت إلى مسارها الصحيح بعد إسقاط النظام”، معتبرًا أن الاتحاد الأوروبي يدرك اليوم “تمامًا ماذا يفعل عندما ينخرط مع سوريا”، كما يدرك “أهمية سوريا والخطوات الحقيقية التي قامت بها الحكومة السورية تجاه الشعب السوري ككل، وليس تجاه أقلية أو أكثرية فقط”.
وشدد الوزير على أن الحكومة السورية تؤمن “بجميع الشعب السوري” وبالتنوع الموجود في البلاد، مؤكدًا أن دمشق تريد أن يتمتع جميع السوريين “بكامل حقوقهم بناء على حريتهم وليس بناء على طائفتهم أو ثقافتهم أو خلفيتهم الدينية”.
وتطالب الحكومات الأوروبية الحكومة السورية باحترام الأقليات وإجراء بعض الإصلاحات الداخلية المتعلقة في توسيع مجال الحريات واحترام حقوق الإنسان.

تأثيرات الحرب الإيرانية على سوريا

تطرق وزير الخارجية السوري إلى التوترات الإقليمية، معتبرًا أن أي مواجهة بين إيران والولايات المتحدة سيكون لها تأثير مباشر على سوريا والمنطقة بأكملها.
وقال الشيباني إن سوريا لديها اقتصاد هش وهي اليوم في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد وبناء الشراكات الاقتصادية مع الإقليم، ولذلك فإن أي حرب أو نزاع بهذا الحجم سيؤثر اقتصاديًا بشكل كبير جدًا، على حد تعبيره.
وأكد أن الحكومة السورية تبنت “مقاربة تقوم على إبعاد سوريا عن الصراعات”، موضحًا أن البلاد خرجت من حرب استمرت 14 عامًا وتحتاج اليوم إلى الاستقرار من أجل “تأسيس عملية إعادة الإعمار وتأمين البيئة الآمنة لاستقرار سوريا وعودة السوريين”.
وختم الشيباني حديثه بالتأكيد على أن دمشق دعمت المسارات الدبلوماسية والتهدئة في المنطقة، محذرًا من أن أي حرب جديدة ستؤثر على جميع دول المنطقة دون استثناء.
والتزمت الحكومة السورية موقف الحياد من الصراع العسكري الدائر في المنطقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ورغم حدوث بعض الاستفزازات العسكرية من قبيل سقوط بعض الأجسام العسكرية الإيرانية بعد اعتراضها من الدفاعات الإسرائيلية فوق الأراضي السورية، بالإضافة إلى بعض الاستهدافات من قبل مجموعات عسكرية عراقية معروفة بتبعيتها لإيران للأراضي السورية، إلا أن دمشق لم تقم بأي رد عسكري على هذه التجركات.
كما التزمت بموقف سياسي يعبر عن التضامن مع كافة الدول الخليجية ضد الاستهدافات الإيرانية، والتأكيد على حق هذه الدول باتخاذ كافة الإجراءات للحفاظ على سيادتها.