المصالحات المجتمعية بقطاع غزة تعزز تجاوز صفحة الاقتتال الداخلي الأليمة





غزة - عماد عبد الجواد - تجاوز الفلسطيني عبدالله وهبة حزنه الذي لم ينته على فقدان نجله قتيلا في أحداث الاقتتال الفلسطيني الداخلي في قطاع غزة قبل عشرة أعوام ضمن تفاهات أخيرة للمصالحة المجتمعية الداخلية. ووقع وهبة في نهاية الستينات من عمره اتفاقا مؤخرا مع عشرات العائلات من ضحايا الاقتتال الداخلي للصلح مرفقا مع استلام دية شرعية بمبلغ 50 ألف دولار أمريكي بما يتضمن إعلان العفو العام. ويقول وهبة وهو من سكان رفح في جنوب قطاع غزة والذي قتل نجله وائل /27 عاما/ منتصف عام 2007 إنه "لا يوجد ما هو أغلى من الأبن ولا يمكن أن يعوض مقتله وفقدانه أي مال". وأضاف "لكن نحن مع كل ما هو خير للشعب الفلسطيني وقضيته ومصالحته الداخلية لذلك وافقنا على قبول الدية وتجاوز جرح الماضي والعفو عن القتلة أي كانوا".


  وكان قتل ما يزيد عن 800 فلسطيني خلال أحداث اقتتال استمرت عدة أشهر بين حركة "حماس" الإسلامية والقوات الموالية للسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها حركة "فتح". وانتهت أحداث الاقتتال الداخلي بسيطرة حركة "حماس" على الأوضاع في قطاع غزة، فيما استمر ملف المصالحة المجتمعية بعد ذلك لسنوات من دون حلول عملية لإنصاف الضحايا وذويهم. وقبل عدة أشهر توصلت حماس مع القيادي المفصول في حركة فتح النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني محمد دحلان إلى تفاهمات لتسوية ملف المصالحة المجتمعية بدعم إماراتي. ودحلان الذي طردته فتح من صفوفها عام 2012 ينظر إليه على أنه كان الأكثر نفوذا في قطاع غزة خلال فترات الاقتتال الداخلي في غزة واعتبرته حماس في حينه قائد "خطط الانقلاب" عليها. وضمت لجنة المصالحة المجتمعية إلى جانب حماس ومؤيدي دحلان عدة فصائل إسلامية ويسارية من بينها الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين. وتوصلت اللجنة بشكل متتابع لعدة اتفاقات مع ذوي قتلى الاقتتال الداخلي للصلح العام تضمنت دفع الديات المالية بحسب الشرع الإسلامي. وبلغ عدد عائلات القتلى التي أعلنت العفو وقبول الدية 140 عائلة حتى الآن. وبدت الشابة أسيل راضي بمشاعر متضاربة لدى توقيع عائلتها على اتفاق صلح وقبول دية عن مقتل والدها ماهر الذي كان يعمل ضمن أحد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية خلال فترة الاقتتال الداخلي في غزة. وتقول أسيل /19 عاما/ إنها وحيدة والدها الذي قتل وهي طفلة صغيرة لم تحفظ حتى ملامحه ولم تتعرف إليه جيدا وبالتالي فإن ما دفع لهم من دية لا يمكن أن يعوضها عن مرارة فقدان الأب. وتضيف أنها شعرت باختناق واضطراب شديدين وهي تحضر حفل توقيع الصلح وتمنت لو أن كل ما حدث لوالدها وغيره من ضحايا الاقتتال لم يحدث لكن هذا الواقع وعليها قبوله. وتقوم المصالحة المجتمعية فيما يتعلق بقتلى الاقتتال الداخلي على قبول "ولي الدم" التعويض وردم كافة الرواسب التي نتجت عما أصاب العائلات وإعلان العفو. وإلى جانب تعويض عائلات قتلى الاقتتال الداخلي فإن المصالحة المجتمعية المنشود تحقيقها في قطاع غزة ستتضمن جرحى الأحداث ومن تضررت ممتلكاتهم. وينتظر الشاب محمد لافي وهو في مطلع الثلاثينيات من عمره تعويضه عما أصابه من بتر لقدمه اليمنى أثر إصابته بعيار ناري في أحداث الاقتتال الداخلي ما غير حياته كليا. ويقول لافي إنه دفن قدمه في التراب ومنذ ذلك الوقت يعاني الأمرين وهو يعيش معاقا ويعتاش على المساعدات الإنسانية الشحيحة وتعويضه عما أصابه قد يضمن له حياة أخرى. ويضيف أنه ومئات الجرحى من ضحايا الاقتتال الداخلي جاهزون لقبول المصالحة المجتمعية بما فيه خير للشعب الفلسطيني وقضيته لكن يجب أن يتم إنصافهم أولا. وطبيعة غزة التي تفرضها قوانين القبيلة والعشائرية تستوجب على حدث مثل المصالحة المجتمعية قيمة استحضار شيوخ وأعيان ومخاتير للمشاركة في التوصل لحلول منصفة للضحايا. ويقول المختار محمد الدحدوح عضو لجنة المصالحة المجتمعية في غزة إن للمخاتير والأعيان دورا رئيسيا في التواصل مع عائلات ضحايا الاقتتال الداخلي وإقناعهم بالصلح وقبول الدية. ويوضح الدحدوح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، أن عملهم يتم عبر تشكيل لجان في جميع محافظات قطاع غزة لحصر ضحايا أحداث الاقتتال ومن ثم الاتفاق مع ذويهم على ديات مالية شرعية. ويشير إلى أن الانطلاق في إعلان الصلح بدأ في تحديد الدية الشرعية بشكل موحد لجميع القتلى باعتبار أن الخلاف كان بطابع سياسي بحت وليس عائلي أو شخصي. وبحسب إحصائيات لجان المصالحة المجتمعية فإن لديها نحو 450 قتيلا من عناصر حركة "فتح" و350 من عناصر حركة "حماس" بحسب الدحدوح الذي قال إنهم يستهدفون الصلح مع جميع عائلات القتلى. ويضيف أن مسار المصالحة المجتمعية يقوم على لجان مشكلة من وجهاء وأعيان المحافظات تعالج ثلاثة ملفات رئيسية هي القتلى ومن ثم الجرحى وصولا إلى التعويض عن الممتلكات المتضررة. ويشدد الشيخ عماد حمتو وكيل شيخ الأزهر في غزة على أهمية خطوة تحقيق المصالحة المجتمعية والعفو بهدف الحفاظ على النسيج الاجتماعي وتعزيزه في القطاع. ويقول حمتو لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ)، إن المشكلة الكبيرة التي وقع بها الساسة الفلسطينيون هي تأخير المصالحة المجتمعية كل هذه السنوات؛ وبالتالي هذه خطوة لا بد منها وملحة للحفاظ على التماسك المجتمعي. ويشدد حمتو على وجود حلول شرعية ينبغي أن يتم الالتزام بها في تحقيق المصالحة المجتمعية وإقناع جميع عائلات الضحايا بقبول الدية الشرعية بغرض العفو والصفح. من جهته يؤكد رئيس لجنة المصالحة المجتمعية خالد البطش على توفر إرادة ومشاركة فاعلة من الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة للدفع بتحقيق المصالحة المجتمعية وفق مرجعية تفاهمات المصالحة الفلسطينية. ويقول البطش لـ(د.ب.أ)، إن ثمة قناعات تعززت لدى جميع الأطراف بالمضي قدما في هذا الملف عبر دفع الديات والتعويض المقنع والعفو العام بعد ذلك، كون أن تأخير الملف أكثر ليس في صالح أحد. ويضيف أن الجميع في الساحة الفلسطينية يتطلع بلهفة شديدة لطي صفحة الماضي وإنهاء السواد الذي نشأ نتيجة الاقتتال الداخلي وتسوية ملف المصالحة المجتمعية لإغلاقه نهائيا كون ذلك سيمثل مدخلا جوهريا لتحقيق المصالحة المنشودة على قاعدة صلبة.

عماد عبد الجواد
الاحد 26 نونبر 2017