" النبع الذهبي والاخيار " مسرحية تعيد الإعتبار للحكمة واحترام العقل



الدوحه - يختفي أدب الطفل ٫ ويظهر في العالم العربي على فترات متباعدة ٫ ولا تكاد الأعمال الشحيحة التي تظهر منه تبرز قليلا حتى تختفي بسرعة ظهورها مشكلة جزرا متباعدة بدل ان تشكل تيارا متواصلا ينهض بعبء تثقيف الاجيال الجديدة ٫ وصقل تجازبها ٫ وربطها بمجتمعاتها وقيمها وارثها العريق من الادب الحكمة ٫ وربما يعود ذلك الى ندرة الكتاب والكاتبات الذين واللواتي يتفرغن لمخاطبة هذه الشريحة الهامة التي يتوقف عليها مستقبل المجتمعات في كل مكان .


غلاف مسرحيه النبع الذهبي للكاتبه القطريه هدى النعيمي
غلاف مسرحيه النبع الذهبي للكاتبه القطريه هدى النعيمي
ولا يبدو ظهور مسرحية الدكتورة هدى النعيمي الجديدة " النبع الذهبي والاخيار الثلاثة " التي رأت النور حديثا عن دار مدارك هاما بسبب هذا الشح العربي في ادب الطفل فحسب ٫ فهذه المسرحية المكتوبة للاطفال والتي تخاطب وجدان الكبار والصغار معا تعيد باسلوب عصري محاولات جميع الكتاب الكبار الذين يعملون بدأب على دعم نهضة مجتمعاتهم من خلال الكلمة المبدعة ٫ ورسم " خارطة طريق " تدلهم افرادا وجماعات على أفضل السبل لإعادة بناء الاوطان .

وتحكي المسرحية التي وضع رسومها الفنان الكبير سعيد الفرماوي عن بلدة يحاصرها الجفاف والغبار ٫ ويفكر أهلها بهجرها ٫ والرحيل عنها ٫ وفي ما هم يهمون بذلك يظهر في الافق كما في الاساطير شيخ جليل تبدو عليه علامات الحكمة والتعقل والوقار ٫ ويقف ليساعد بحكمته وعلمه أهل البلدة الموشكة على الموت ليس بسبب الظروف المناخية وحدها ولكن ايضا بسبب جهل بعض سكانها ٫ وجشع بعضهم الآخر .

ولأن هدى النعيمي المعروفة في الاوساط الأدبية كاحدى رائدات كتابة القصة القصيرة في قطر ومنطقة الخليج تعرف اسرار " صناعة الحبكة الادبية الناجحة " وتقنيات السرد والدراما معا ٫ فانها لا تجعل الشيخ يأتي وحيدا انما برفقة بناته الثلاث وهن حسناوات في مقتبل العمر يعطي حضورهن نكهة انثوية ٫ ويجعل والدهن الذي حنكته التجارب الزواج منهن جائزة لمن ينجح في امتحان العمل الشاق لانقاذ البلاد والعباد من غضب الطبيعة وكسل المتقاعسين .

وبهذا الحضور المفاجئ للشيخ وبناته ينقلب مسار الاحداث ٫ وتتوقف الهجرة ٫ ويختار الشيخ من القرية المنكوبة ثلاثة من فتيانها يخضعهم لتجارب التحمل والقسوة والتغرب والتعلم قبل أن يرشدهم الى " الكنز الحقيقي " ومكان النبع الذهبي الذي يستطيع من يشرب من مائه السحري حل جميع المشاكل ٫ وبالطبع لا يكشف الشيخ اوراقه منذ البداية ٫ ولا نكتشف ان النبع والكنز رمزان مجازيان الا بعد ان يمر الفتيان الثلاثة خير وخير الله وخير الدين بتجارب قاسية تصقل شخصياتهم الغضة ٫ وتعيد تكوينهم بصلابة لا تنقصها الرقة وتصقلها كما نلاحظ من السياق الارادة والمعرفة .

وهكذا وباسلوبها الساحر تسافر الدكتورة هدى النعيمي معتمدة على مخيلة ثرية مع الاطفال العرب في رحلة ممتعة يكتشفون خلالها كما اكتشف الفتيان الموعودون بجائزة الجمال ان الكنز ليس بعيدا فهو وكما يقول الشيخ لهم في احد المشاهد الاخيرة من المسرحية " الكنز موجود في داخلكم جميعا يا اولادي ٫ في العقل والقلب والجسد ٫ فاذا استطعنا تقوية العقل بالعلم ٫ والجسم بالرياضة ٫ والقلب بالحكمة كان هذا سر بناء الوطن ٫ واعماره " .

والظاهر من سياق مسرحية " النبع الذهبي الاخيار الثلاثة " أن المؤلفة على دراية واسعة بنفسية الطفل فالى جانب الشخصيات الجادة في هذه المسرحية هناك شخصيات مرحة تضفي على المشاهد لحظات مقطرة من الفكاهة كشخصية المرأة صاحبة العنزة التي لا تبالي بما يحدث للعالم كله فكل تفكيرها وحياتها مركزان على عنزة وحيدة كانت تمتلكها خطفها منها الجوع والمرض ومع ذلك ظلت عنزتها قضيتها المركزية في احلك ظروف البلاد .

وقد لعبت الدكتورة هدى النعيمي بذكاء على شخصيات رمزية أخرى كالتجار وهم بالمسرحية اصحاب دكاكين بسيطة لكنهم لا يختلفون عن الصورة التقليدية للتاجر في كل مكان ٫ ففيهم الاخيار الذين يكتفون بالربح الحلال ٫ وبينهم الاشرار الذين يستغلون ظروف الناس في الازمات الكبرى ٫ والمشهد منذ بداية المسرحية أزمة بالغة التعقيد وكيف لا يكون ٫ وهناك بلدة كاملة مهددة بالتهجير الى المجهول .

ومن المبكر التكهن بالطريقة التي سيتفاعل فيها الاطفال بل والساحة الثقافية العربية بشكل عام مع هذا العمل المسرحي النادر ٫ فليس من المبالغة القول ان هذه المسرحية المميزة تسد ثغرة حقيقية في المشهد الثقافي العربي الذي لا تشكل فيه كتب الاطفال الا نسبة قليلة جدا ٫ والمسرحيات المكتوبة للأطفال هي الاقل بين جميع التصنيفات الادبية المعروفة كما تثبت الاحصائيات .

ويعتقد الذين اطلعوا على " النبع الذهبي والاخيار الثلاثة " ان هذه المسرحية ستضع اسم هدى النعيمي على القائمة النادرة للكتاب العرب الذين اهتموا بالطفل العربي وكتبوا له كزكريا تامر وعبد التواب يوسف وعبدو وازن وغيرهم من هذه القلة التي تجرأت على الاقتراب من هذه المهام الصعبة اذ لا يخفى على المتابعين ان الكتابة للاطفال من أصعب أنواع الابداع الادبي الذي يحتاج الى ثقافة واطلاع وخبرة نفسية وقبل هذه كله روح تلقائية مرحة تجيد مخاطبة البراعم بلغة شديدة وروح يتفاعلون معها لانها تجيد الوصول الى المخيلات الفتية التي لا تحدها قيود

الهدهد
الخميس 19 سبتمبر 2013


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan