في مسرح قرطاج الروماني.. الفن والسياسة وعبق التاريخ



تونس- طارق القيزاني - ازدانت السيارات بالإعلام الوطنية بينما كانت تشق الطريق السريعة باتجاه ضاحية قرطاج التاريخية شمال العاصمة التونسية. لم يكن الهدف حضور مباراة رياضية أو تجمع حزبي وإنما حفل فني بالمسرح الروماني الشهير.


في مسرح قرطاج الروماني.. الفن والسياسة وعبق التاريخ
وفوق هضبة مطلة على ضفاف البحر ينتصب المسرح العريق بمدارجه الشاهقة منذ نحو ألفى عام، بينما تمتد بقايا مدينة قرطاج التي كانت في العصور الغابرة تنبض بالحياة وتشع على حوض البحر الأبيض المتوسط، على جانبي الطرق المؤدية إلى المسرح والمحيطة به. وأمام الأبواب الحديدية للمسرح اصطفت طوابير من الجماهير ومن بينهم الكثير من الفتيات والنساء متلحفات بالعلم التونسي لتمرير بطاقاتهم على الآلات المغناطيسية قبل الدخول إلى المدارج.
كانت حالة من الحماسة والغضب طاغية على وجوه الوافدين وسط عائلات ومجموعات وهم يستعدون لمتابعة حفل الفنانة اللبنانية الشهيرة ماجدة الرومي.

والسبب في ذلك ان الحفل في تلك الليلة توافق مع ذكرى مرور ستة اشهر عن اغتيال السياسي المعارض في تونس شكري بلعيد، ويأتي بعد أيام قليلة من اغتيال النائب البرلماني محمد البراهمي إلى جانب سقوط ثمانية جنود من الجيش في كمين نصبه مسلحون نكلوا بجثثهم في جبال الشعانبي غرب البلاد.

وأغلب الحاضرين في المسرح الروماني في تلك الليلة كانوا يخططون للتوجه بعد الحفل إلى ساحة باردو أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي للمشاركة في تظاهرة شعبية إحياء لذكرى اغتيال بلعيد والمطالبة بحل المجلس وإسقاط الحكومة الإسلامية كان الحفل يدور في أجواء مشحونة وسياسية بامتياز جاملت خلالها الفنانة اللبنانية التونسيين بتقبيلها العلم التونسي وأدائها لأغنية وطنية تونسية قديمة إلى جانب أغاني أخرى من التراث التونسي.
واضطرت ماجدة عند صعودها إلى الركح أن تذكر بمعاناة لبنان في زمن الحرب الأهلية ووقوفها إلى جانب التونسيين في محنته السياسية.

لم يتعود مسرح قرطاج الذي شيد منذ القرن الثاني ميلاديا على ايدي الرومان وكان يعتبر أحد أكبر المدرجات في الإمبراطورية الرومانية في ذلك العهد، على أجواء السياسية خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
لكنه اليوم وعلاوة على كونه معلما تاريخيا ووجهة ثقافية وسياحية فإنه بات أيضا متنفسا سياسيا.
وقال الإعلامي المختص في الشؤون الثقافية والفنية عبد المجيد دقنيش لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) "الوضع السياسي الاستثنائي بتونس انعكس على كل مجالات الحياة. ومهرجان قرطاج لم يكن بمعزل عن ذلك التأثير".

يتكون المسرح من ركح ومدرج نصف دائري يفصل بينهما فضاء لمتفرجي الدرجة الأولى ومن خصائصه استناده إلى ربوة دون الاعتماد عليها، ذلك أن مدارجه تقوم على منظومة معقدة من الأقبية تجعله في مأمن من الرجات الأرضية.

وفي وسط ساحتهيمكن ملاحظة ما تبقى من حلبة بيضاوية الشكل وفي طرفيها البوابات التي تأتي منها السباع الضارية. ويذكر المؤرخون أن من أشهر من تعرض للتعذيب والقتل بهذه الطريقة، القديسة بربيتو والقديسة فليستي وقد ماتتا شهيدتين من أجل عقيدتهما، في هذا المكان، وذلك في سنة203 ميلادي.
وشكل المسرح الذي يبلغ طاقة استيعابه نحو 12 الف متفرج فضاء ثقافيا هاما في تلك الفترة لسكان قرطاج الذين كانوامولعين بالعروض المسرحية والموسيقية وفنالمحاكاة والفلسفة.
لكن خلال القرن الخامس هدمه الونداليون ولم يخرج إلى النور إلا في أواخر القرن التاسع عشر حيث رمم جزئيا وأعيد استعماله لتقديم روايات مسرحية وحفلات موسيقية.

ومنذ عام 1964 انطلق مهرجان قرطاج الدولي في دورته الأولى بعد أن تم إعادة بناء المسرح كليا. ويعد المهرجان الذي يقدم بشكل موسمي عروضا موسيقية وسينمائية، أحد اهم المهرجاناتفي المنطقة العربية على الإطلاق اليوم ويتمتع بشهرة عالمية واسعة.

ولطالما كان المهرجان محل طموح أغلب الفنانين ليس لهيبته التاريخية فقط لكن لكونه أيضا محطة مهمة للباحثين عن الشهرة والإشعاع الإقليمي والدولي.
وعلى ركح هذا المسرح غنى الفنان الأسباني الشهير خوليو اجليسياس والفرنسي شارل ازنافور والإيطالي ايروس رامازوتي.

وقبل صعوده على المسرح التاريخي في الدورة 49 لمهرجان قرطاج هذا العام قال نجم الموسيقى الإلكترونيةجون ميشال جار في مؤتمر صحفي "الوقوف على ركح مسرح قرطاج الأثري حلم استهواني".
وأضاف جار "قرطاج تبقى عنوانا للأمجاد الضاربة في التاريخ وهي عنوان لحضارة لطالما أشعت على الإنسانية وهي أيضا قرطاج القائد حنبعل والبطولات والأساطير الملحمية".

ومنذ انطلاقه لم يسبق أن توقفت عروض المهرجان باستثناء مرة واحدة بسبب مذابح مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين عام 1982 على أيدي الجيش الاسرائيلي والكتائب اللبنانية المتحالفة معها.
وكان نفس المصير يتهدد المهرجان في دورته الـ49 لهذا العام لكن تم الاكتفاء بتعليق العروض فقط ثم استئنافها بعد فترات الحداد اثر اغتيال البراهمي ومقتل الجنود في الشعانبي.
لكن في غمرة الغضب الشعبي ضد حكم الإسلاميين لم تخرج عروض المهرجان عن دائرة السياسة.

ففي حفل ماجدة الرومي بدأت الفرقة اللبنانية العرض بعزف النشيد الوطني التونسي. تدخل الجمهور في مرات عدة لإطلاق شعارات مناهضة لحركة النهضة الإسلامية ورئيسها راشد الغنوشي.
وحين غنى الفنان الجزائري الشاب خالد في حفلته أغنيته الشهيرة باللغة الفرنسية "سنتحابب.. سنرقص.. أنهاالحياة"، قال للجماهير "سنرقص رغما عنهم"، في إشارة ضمنيا إلى حكم الإسلاميين فيما يبدو.

والشاب خالد كان شاهدا على العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر في عقد التسعينيات بسبب أعمال العنف والإرهاب التي خلفت اكثر من 200 الف ضحية منذ ان تدخل الجيش هناك وألغى الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية عام 1991.

وفي تونس يدور جدل واسع منذ اعتلاء الإسلاميين سدة الحكم في أعقاب الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بشأن سعي الحكام الجدد إلى تغيير نمط عيش التونسيين الأكثر تحررا في المنطقة وإلى أسلمة الدولة.
وزادت حدة الجدل مع تواتر الاعتداءات على دور الثقافة وقاعات السينما والمسارح والعروض الفنية والفنانين والمثقفين من قبل متشددين من أنصار التيار السلفي.
لكن مع انطلاق موسم المهرجانات الصيفية لهذا العام رسخت أغلب الحفلات التي تم عرضها على المسرح الروماني ومسارح أخرى في مختلف البلاد سلوك التونسيين المحب للحياة والفن على الرغم من فاجعة الاغتيالات.

وقال وسام بن نصير /43 عاما/ الذي كانت ترافقه زوجته المحجبة وابنته عقب حفل الشاب خالد لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) "يخطئ من يفكر في تغيير نمط عيش التونسيين.. التونسيون مقبلون على الحياة ويعشقون الفن.. اليوم الرسالة كانت واضحة في حفل خالد". وفي الواقع تعكس الحركية المجاورة لمسرح قرطاج التحول الذي يشهده المجتمع التونسي منذ الإطاحة بحكم بن علي.
والجامع نفسه الذي بناه بن علي عام 2003 إلى جوار مسرح قرطاج وحمل اسمه قبل ان يصبح جامع مالك ابن أنس بعد الثورة، يعد اليوم احد الفضاءات التي تعكس ذلك التحول.

فالجامع الذي يطل بصمعته على المسرح أصبح خلال ليالي رمضان التي تزامنت مع ليالي مهرجان قرطاج هذا العام ينافس العروض الثقافية من حيث نسبة الاقبال أثناء اداء صلاة التراويح.
وقالت ندى المسلماني /21 عاما/ وهي طالبة في كلية الحقوق بعد ان اوقفت سيارتها في المرآب المشترك بين الجامع والمسرح "التونسيون ملتزمون دينيا لكنهم ايضا محبون للحياة. وعبر التاريخ عرفوا بالتسامح والاعتدال أما التزمت فليس له مكان في هذه الأرض".

طارق القيزاني
السبت 24 غشت 2013


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan