تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


سلطنة عمان تفتتح أول دار أوبرا في منطقة الخليج .. وتفتح أفقا ثقافيا جديدا




مسقط - عاصم الشيدي - دشن السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان هذا الشهر في العاصمة العمانية مسقط أول دار أوبرا في منطقة الخليج بافتتاحه دار الأوبرا السلطانية التي تعد تتويجا لمسيرة التنمية الثقافية التي تبناها قابوس منذ سبعينيات القرن الماضي.


سلطنة عمان تفتتح أول دار أوبرا في منطقة الخليج .. وتفتح أفقا ثقافيا جديدا
يتسم مبنى دار الأوبرا السلطانية في مسقط بالروعة والجمال ويعد تصميم هذا المبنى من أبرز التصاميم المعمارية المستوحاة من التراث الحضري العماني وهو تصميم هندسي راق يجعله أحد أبرز المنجزات الحديثة في عمان.

شيدت دار الأوبرا السلطانية على مساحة شاسعة تبلغ ثمانين ألف متر مربع في منطقة قريبة من شاطئ القرم بمسقط وتبلغ المساحة المبنية ما يربو على خمسة وعشرين ألف متر مربع.

شيد مبنى الأوبرا من ثمانية طوابق تقع ثلاثة منها تحت الأرض فيما تقع خمسة منها فوقها ويمتد مبنى الأوبرا من شمال الموقع إلى جنوبه ويقطع المبنى رواقان من الأعمدة يمتدان على جانبيه الشرقي والغربي وفي الطرف الشمالي للرواق الغربي يوجد مسرح الأستوديو ويسمى أيضا "الصندوق الأسود " الذي يمكنه ان يستضيف فعاليات يحضرها نحو 80 شخصا ومن هذا الرواق كذلك يمكن الوصول إلى المبني الرئيسي عبر شرفة تقضي إلى بهو الميدان الذي يحتوي على مبنى بيع التذاكر وتقع واجهة المبنى في الجانب الجنوبي حيث تسمح التسقيفة هناك بوقوف السيارات.

كما يحتوى الطابق على مجلسي استقبال في كل من الجهتين الشرقية والغربية للمبنى بالإضافة إلى الجناح الخاص المخصص لكبار الشخصيات. في ذات الجانب من المبنى يوجد طريق جميل التصميم مخصص للموكب السلطاني يؤدي إلى بهو الاستقبال السلطاني ويطل الطريق على الحدائق والمسطح الأخضر الكبير الذي يشكل منطقة عرض إضافية.

ويحتوي الطرف الشمالي للمبنى على خشبة المسرح إلى جانب غلاف خشبة مسرح قابل للحرك ومنطقة مسقوفة يمكن من خلالها الوصول مباشرة إلى خشبة المسرح لتحميل وتنزيل المشاهد والمعدات والتجهيزات ويحتوي الطرف الأبعد من المبنى على المكاتب الإدارية وغرف تغيير الأزياء.

أما المناطق العليا في المبنى أي الطابقين السابع والثامن من المبنى فيحتويان على المزيد من المرافق لأداء الفعاليات التي تقام في الهواء الطلق ويتسم الطابق الثامن بإطلالته على مشاهد بديعة الجمال اذ يطل على البحر من جهة الشمال وعلى الجبال من جهة الجنوب.

ومنذ الخطوة الأولى التي يخطوها الزائر لدار الأوبرا السلطانية بمسقط، فإن ثمة انطباع بعظمة المكان وهيبته سيسيطر عليه ولن يستطيع التخلص منه. منذ النظرة الأولى، تستطيع أن تتلمس الكثير من تفاصيل المعمار العماني الذي يظهر في القلاع الشامخة في بقاع شتى من هذا الوطن الغالي، فثمة العديد من الفتحات المتكررة الواقعة أعلى الجدران الخارجية، إضافة إلى تراث المشربيات الخشبية التي تتميز بها البيوت العربية في تصميم بعض التشكيلات الخشبية داخل مبنى الأوبرا .. وهذا أيضا تتلمسه بشكل جلي في تصميم الفوانيس والثريات، وهو أمر يعود إذا ما أعيد إلى بعض جذوره إلى العهد المملوكي .. إلا أن العهد المملوكي ليس الوحيد المتواجد بثراء في مبنى دار الأوبرا السلطانية، بل هناك مشاهد لزخارف مغولية وهندية في الكوات العديدة على جدران المبنى.. هذه الزخارف، وذلك الميراث متعدد الأعراق والحضارات يتناغم بشكل حواري مع الرخام الذي يلعب دورا أساسيا في تصميم دار الأوبرا، حيث استخدام رخام الترافرتين الجيري بشكل كبير ما أنتج بريقا بديعا في الأجزاء الداخلية والخارجية، وأعطى المكان الكثير من سمات الأتساع والإضاءة التي يمكن أن نطلق عليها بهدوء وحب إضاءة كلاسيكية؛ وهي تعطي بسخاء مساحة للرؤية العميقة من خلال الأروقة والعقود المتتابعة .

هذا في مجمله ثيمة معمارية بارزة في بناء دار الأوبرا السلطانية، حيث فكرة العبور فوق الأزمنة، وعبرها، ما ينتج في النهاية تراكم معماري يستلهم من مختلف الحضارات التي مرت على الشرق، وهو في هذا وذاك اختزال للإبداع في أبهى صوره.



إلا أن السؤال الذي يمكن أن يطرح في هذا السياق هو مصدر تلك الدقة التي برزت في كل تفاصيل المعمار في الدار، وللإجابة على مثل هذا السؤال يمكن القول أن ثمة استفادة واسعة من المهارات الحرفية في السلطنة، فكل النقوش على الخشب، وكل القوالب الجبسية تم تصنيعها والاشتغال عليها في عُمان، وهي نتاج ورش عمل للحرف العمانية، استطاعت بفضل ميراثها من الخبرة والتجارب السابقة أن تنتج أعمال خشبية ونقوش غاية في الدقة، لكنها قبل ذلك غاية في الجمال والروعة .. وهذا أمر يبعث على الكثير من الإعجاب خاصة عندما يتم الاتفاق أن الدار هي تحفة معمارية لا مثيل لها لذلك فهي تحفة مستمدة من الميراث الحضاري العماني، وعبر ورش عمل عمانية.

ولأن الحوار الحضاري يحتاج إلى تمازج بين الأصالة والمعاصرة، ولما كانت الدار معدة لتستقبل عروضا عالمية موسيقية وثقافية عالمية على نحو تكون فيه التقنية العامل الرئيس، فقد جاء تصميم الدار لتتناسب مع آخر ما وصلت إليه التقنية الحديثة في مجال دور الأوبرا في العالم، حيث زودت الدار بأحدث النظم التقنية المتعلقة بمعالجة ارتدادات الصوت وصداه لكي يتناسب مع نوع الفعالية المقامة، سواء بامتصاص الصدى أم تضخيم الارتدادات، وقد تم دمج النظم في تصميم المبنى لاستعمالها في مختلف أنواع الفعاليات التي ستستضيفها الدار. وفي سياق البحث عن التوازن بين متطلبات الأسلوب المعماري التقليدي ومتطلبات التقنية الحديثة، فقد كانت هناك حلول مبدعة غاية في الجمال.

يتم الدخول لدار الأوبرا السلطانية عبر المدخل الرئيسي في الجانب الجنوبي. ويعبر شكل السقف الداخلي عن لمسات تراثية تتمثل في النقش الدقيق على خشب الماهوجني، اما القاعة الجنوبية الداخلية فتشكل منقطة وصول، إضافة إلى كونها مكانا لإقامة العروض والفعاليات، وجرى تكسية واجهتها الداخلية بالحجر الأبيض المائل للون الزهر، وهو من انتاج أحد المحاجر العمانية. وتكشف هذه القاعة في أرضيتها عن نقش مرصع خاص بدار الأوبرا لا مثيل له في أي مكان، وقت تمت صناعة النقش من الرخام الأحمر والأصفر، ويتكرر هذا النقش في أكثر من موقع في دار الأوبرا، وتحتوي النوافذ الضخمة المحيطة بالقاعة على طبقات من الزجاج المنقوش والملون، مما يضفي على الناظر إليها شعور جمالي غريب.

القاعة الرئيسية، والتي يمكن أن تصل إليها عبر ممرات توجد في كل طابق. وتستوعب القاعة منا بين 850 و1100 مقعد. وهي تشمل على مقاعد مقدمة القاعة، وثلاث شرفات، وعدد من مقصورات الجلوس الجانبية، وتتسم القاعة فيما يبدو للجميع، باستلهام تصاميم التراث العربي والإسلامي، كما تتميز بالفخامة بما يناسب اتساعها، ويكثر في التصميم استعمال خشب الساج في العوارض والشرفات والمسطحات الخشبية والألواح المفرغة، وتتميز القاعة بروعة نقوشها وزخارفها الدقيقة المتشابكة، وهنا أيضا توجد نقوش "الزواق" المطلي باليد في السقف.

تتميز دار الأوبرا السلطانية في مسقط بمسرحها الذي هو قلب الدار، حيث يحتوي المسرح على نظام تحكم صوتي متطور، وخشبة مسرح قابلة للتعديل تماما، وبرج مسرح يحتوي على معدات تعليق لوازم المسرح ونظام تحكم بالمشاهد ونظم آليات مسرحية أخرى، كما أن دار الأوبرا السلطانية في مسقط مجهزة تجهيزا تاما بما يتناسب مع متطلبات أي فعاليات موسيقية أو فنون أدائية من قبل شركات موسيقية أو فنون أدائية محلية وإقليمية ودولية.

مسرح دار الأوبرا السلطانية يظهر في شكلين اثنين، والناظر إلى الخشبة الرئيسية للمسرح يرى أن منطقتي الأداء والاستعداد تساويان في مساحتهما ما يوجد في أغلب دور الأوبرا في العالم، بمساحة تعادل 1500 متر مربع، لكن ما تنفرد به دار الأوبرا السلطانية عن مثيلاتها فهي تلك المرونة التامة التي تتمتع بها هذه المرافق، ففي حالة العزف فإن الغلاف المسرحي البديل يقع في الأمام فوق منثة المسرح، ويرتبط بالأسطح الجانبية للقاعة، ليشكلا معا غرفة واحدة يمكن استخدامها في فعاليات آلة "الأورج" أو لفعالية اوركسترا على مقاعد على الدرجات الخشبية المتصاعدة كما هو متبع في العادة، وستكون القاعة في هذه الحالة في أقصى قدرتها الاستيعابية مستغلة كل مقاعدها الأخرى المخزنة تحت خشبة المسرح، والتي يمكن رفعها وخفضها آليا.

أما في حالة استخدام خشبة المسرح لأغراض الأداء المسرحي فتخضع الخشبة لتحول كبير، إذ يتم تحريك الغلاف المسرحي المخصص للعرض الأوركسترالي والذي يبلغ وزنه 500 طن على سكة حديد لمسافة 20 مترا حاملا فوقه آلة الأورج الهوائية والمثبته إلى الخلف، حتى يستقر في مكان تخزينه خلف خشبة المسرح.، ويتم تضيق إطار المسرح الأمامي في الجوانب ومن العلى، كما يتم تحريك اٍطح القاعة الكبرى المجاورة للمسرح من الجانبين بحيث يصبح شكل القاعة على هيئة هندسية مثل الشكل المألوف لقاعات دور الأوبرا العالمية.

عاصم الشيدي
الاحد 23 أكتوبر 2011