الانتقام الروسي ...بوتين يحاول جر أردوغان لمواجهة بإدلب

31/10/2020 - فايننشال تايمز - عربي21- باسل درويش


الحب العذري حرمان محض أم احتقار للذة عابرة




قبل أن نسأل هل العشق العذري اكذوبة عربية ؟أم ان له وجوده في حياة البدو كما حاول اكثر من ناقد ان يقنعناعلى مر العصور لابد من ان نشيرالى انه حالة من حالات فقدان الحرية الاجتماعية وان له جذوره الاقتصادية فلم يكن اهل المدن المترفون الغارقون في شهوات الحس يعرفونه انما ظل مقتصرا على البدو الفقراء الذين يتحولون تلقائيا بسبب حرمانهم على اكثر من صعيدالى حرس متشدد للتقاليد المتوارثة


الحب العذري حرمان محض أم احتقار للذة عابرة
تحت لهيب شمس محرقة وفوق رمال غارقة في صمتها وكبريائها تفجّر طوفان من العشق والفقد ،وتحولت المرأة في شعر الغزل العذري إلى رمز وأسطورة لها قدسيتها التي تحظر الاقتراب منها أو المساس بها وارتقت الدوافع الغريزية لتؤكد على التعلق الوجداني في ظاهرها مع قلة الاهتمام باللذة العابرة أو التعلق بالجسد ولتعبر في مضمونها عن نزوع واغتراب يكاد يشكل حالة عامة شملت سكان البادية الحجازية فيما يمكن تسميته بالثورة الصامتة وكانت انعكاساً للواقع الاجتماعي والسياسي والفردي فبعد تحول العاصمة السياسية للدولة العربية الفتية من الحجاز إلى الشام عقب سيطرة الأمويين على الحكم وتركّز المعارضة في العراق شعر أهل الحجاز بالإهمال واليأس فانصرف الأغنياء منهم إلى اللهو وانضوى أهل البادية الفقراء على ذواتهم وقد تأثروا بتعاليم الإسلام الذي حال بينهم وبين عبث الحياة الجاهلية فاتجهوا إلى عالم أقرب ما يكون إلى عالم المُثل وعبّروا بالعاطفة القلقة والألم عن معاناتهم لتشرق الذاكرة الذاكرة العربية بأجمل الحكايات وليكون الشعر العذري المدخل والممهد لشعر الزهد و التصوف ،لا نستطيع التعامل مع العذريين كظاهرة مستقلة معزولة عن سياقها وجذورها فهي امتداد لتقاليد الفروسية العربية في العصر الجاهلي كقول عنترة العبسي :
أغض طرفي ما بدت جارتي حتى يواري جارتي مأواها
إني امرؤ سمح الخليقة ماجد لا أتبع النفس اللجوج هواها
كما لايخفى تأثر العذريين بالإسلام ودعوته إلى العفة والارتقاء بالروح في مقابل الجسد فقد ورد في الحديث النبوي(من عشق وكتم وعفّ وصبر غفر الله له وأدخله الجنة ) ولا ننسى الخلافات السياسية وظهور الفرق المتناحرة كل هذه العوامل دفعت الشاعر العذري إلى منفاه الداخلي لتتجلى حالة الاغتراب العذري بأشكال متعددة فقد تجاوزت دلالات هذا الشعر عاطفة الحب إلى الكثير من الرموز واختبأت معاناته وعذابات نفسه خلف ظلال الحروف وبات يريد الهروب من الحب ومن الواقع لكنه يشعر بعجزه وبقوة خفية تشدّه إلى عشقه وباديته التي يرى فيها المعذّّب والمخلّص إنه متعب وواقف على مفترق طرق تتملكه الحيرة وتمتزج في وجدانه مشاعر متباينة وهذا ما نقرأه في قول مجنون ليلى :
ولي ألف وجه قد عرفت طريقه ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
فلو كان لي قلبان عشت بواحد وأفردت قلباً في هواك يُعذب
واقترن العشق بالموت في ذاكرة العذريين حتى أن مجنون ليلى أطلق على نفسه لقب(أخو الموت) فهو يشعر بالفقد وباستحالة الحياة في الزمان والمكان إنه يفتقد المحبوبة ومعها المثل الأعلى الذي طمح إليه ويلتفت حوله فلا يجد إلا الصراعات والانشغال بالماديات مع البعد عن المجتمع الذي بشّر به الإسلام فيصاب بالإحباط واليأس من تغيير الواقع وينعكس ذلك على ذاته حزناً رقيقاً وعاطفة مشبوبة في تصعيد للدوافع والرغبات وتتساوى لديه الحياة بالموت كقول المجنون :
لقد عشت من ليلى زماناً احبها أرى الموت منها في مجيئي ومذهبي
وقول توبة بن الحميّر صاحب ليلى الأخيلية :
فهل تبكين ليلى لئن مت قبلها وقام على قبري النساء الصوائح
طموحات العاشق العذري وأمنياته غريبة كغرابة الحياة التي يعيشها وتشف عن نفس رقيقة متعبة وتبين سمة من سمات اغترابه فهو زاهد ذاهل ويظهر زهده في قناعته فهو لايريد أن يؤسس جمهورية للمرأة أو أن يخرجها من ظلمة المخادع إلى نور الحرية كما ادعى نزار قباني إنما يكتفي بالنظرة العابرة واللفتة وأحياناً بالزجر والتعنيف في تجسيد للهفة والشوق في الحضور والغياب على نحو قول جميل بثينة :
إني إليك بما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني المُكثر
يعد الديون وليس ينجز موعداً هذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت والوعد الذي تعدينني إلا كبرق سحابة لم تمطر
هذه الأحلام أخذت أشكالاً متطرفة حين اصدمت بجدران الفشل والقنوط من الوصول إلى الغاية والمُبتغى ففي حين يحلم المحبّون بالوصال والعناق يتمنى جميل بثينة لو أنه أعمى وأصم لتقوده محبوبته :
ألا ليتني أعمى أصم تقودني بثينة لا يخفى عليّ كلامها
أما كُثير عزة فقد بلغ به الضياع والرغبة بالانعتاق حالة تمنى معها لو كان ومحبوبته بعيرين أجربين لرجل غني
ليعيشا على سجيتهما ويمارسا شكلاً من أشكال الحرية افتقداها في عالم الإنسان :
ألا ليتنا يا عزُ كنا لذي غنى بعيرين نرعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل على حسنها جرباء تعدي وأجرب
وددت وبيت الله أنك بكرة هجان وأني مصعب ثم نهرب
ظاهرة الحنين عند العشاق ظاهرة عميقة أخذت مسارات متعددة في الشعر العربي فالشاعر الجاهلي وقف على الأطلال والآثار ليبكي ويتباكى بعاطفة يغلب عليها الإنشاء والتصنع وبلغ الحنين ذروته عند ابن زريق البغدادي أما العذريون فلم يتوقفوا عند المكان فقط إنما كان الحنين عندهم إلى زمان مفقود وعيش بسيط تكون فيه النفس راضية مطمئنة وهو ما افتقدوه في حياتهم فنزعوا إلى الكمال الذي جعله ابن سينا العنصر الأساسي في العشق ويرى الدكتور طه حسين أن قصة مجنون ليلى (تم تأليفها وليس اختراعها)، مما يدل على تطلع جماعي إلى تلك المُثل لا إلى حالة فردية فقد كانوا يحاولون استعادة التوازن إلى نفوسهم التائهة ويبحثون عن الرجاء والأمل وسط ركام من اليأس والاغتراب وهو ما نجده في قول جميل بثينة :
وقد تلتقي الأهواء من بعد يأسةٍ وقد تطلب الحاجات وهي بعيد
وأحسن أيامي وأبهج عيشتي إذا هيج بي يوماً وهن قعود
وقول المجنون :
وقد زعموا أن المحب إذا دنا يملّ وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
بهذه اللغة المتسامية البعيدة عن التصنع صاغ الشاعرالعذري غزله وحبّه الأزلي الذي يذكر شكري الفيصل بعضاً من صفاته (كالديمومة والحرارة الملتهبة والعفة المحضة) ،وقد تبدو كلمات مثل الهروب والضياع والاغتراب مفردات معاصرة لكن يظهر أن قدر العربي أن يحمل ذات المعاناة في كل زمان ومكان ودليل على أن الغزل العذري مرتبط بالإنسان ومسيرته في هذا الكون لذلك تشعر وأنت تقرأ شعرهم بالحميمية والتعاطف معهم فقد تحولوا إلى رمز للحب وتسامي العاطفة حتى أن رجلاً منهم سئل ممن أنت فقال أنا من قوم إذا عشقوا ماتوا .

فراس عبدالله
الاحد 28 سبتمبر 2014