العنوسة في الجزائر...بين "التهوين" الرسمي و"الإثارة" غير الرسمية



الجزائر - يتفق الجميع على أن نسب العنوسة في الجزائر في ارتفاع، غير أن الارقام تتضارب في هذا الشأن، ولعل أشهر رقم تداولته الصحف منذ سنوات هو 11 مليون حالة (أكثر من ربع عدد السكان)، ويبدو ذلك الرقم غير الرسمي مبالغا فيه وغير منطقي ولا يستند إلى أية قاعدة علمية، ورغم ذلك انتشر بسرعة وأصبح الكثير يذكره على أساس أنه حقيقة علمية. وبعد صمت طويل قدّمت الحكومة مؤخرا أرقامها التي تؤكد أن نسبة الظاهرة تبلغ 5 في المئة من مجموع السكان وفق آخر إحصاء.


وتؤكد وزارة الصحة والسكان، أن متوسط سن الزواج يتراوح بين 29 و30 عاما بالنسبة للنساء، ويقدّر بحوالي 5ر33 عاما بالنسبة للرجال، وهو سن يبدو مرتفعا ساهم في رفع نسبة العنوسة إلى الرقم المعلن وهو 5 في المئة، ومع احتساب نسبة النمو الديموغرافي نجد الفارق يتمثل في 100 ألف امرأة خارج العملية. وتطمئن الوزارة الجميع بأن النسبة لن ترتفع أكثر مستقبلا بسبب ازدياد عدد المواليد الذكور في المدة الأخيرة، مما سيساهم في التقليل من ظاهرة العنوسة لاحقا. ومع تضارب الأرقام، تبقى هناك حقيقة لا يختلف حولها المتابعون وهي أن العنوسة فعلا مرتفعة، فهي لا تقدر بالآلاف مثلما تقول الأرقام الرسمية ولا تتجاوز ربع عدد السكان مثلما تذهب إليه الأرقام التي تتداولها الصحف نقلا عمن تسميهم ناشطين اجتماعيين لا يمتلكون أدوات الإحصاء بطريقة علمية. وفي هذا الصدد يقول سعيد قرّاب، وهو طالب دكتوراه في علم الاجتماع، إن الناس لا يثقون في الأرقام الرسمية التي كثيرا ما تحاول التهوين من الظواهر وبالمقابل يبحثون عن الإثارة التي تحملها بعض الصحف نقلا عن " ناشطين اجتماعيين". ويضيف قائلا: "إن رقم 11 مليون عانس الذي شاع طويلا يعود إلى بداية الألفية الجديدة وأول من أطلقه هو داعية كان قد أصدر كتابا بعنوان "تأنيس العوانس" وذهب من خلال جمعيته الخيرية التي كان يرأسها يعمل على تزويج الشباب بتيسير المهور وتجاوز الشروط الشكلية التعجيزية التي يفرضها المجتمع في هذا الشأن، ورغم النية التي تبدو نبيلة إلا أنه وفي تحليله للظاهرة لا أعرف من أين جاء بذلك الرقم الذين التقطته الصحافة بسرعة وأصبح كأنه حقيقة علمية وهو أبعد عن ذلك بكثير". ويؤكد الباحث سعيد قرّاب، أن العنوسة من المواضيع الشائكة التي تؤرق كثير من النساء وأوليائهن، وأسبابها تبقى كثيرة من أهمها التعقيدات الاجتماعية المتوارثة إضافة إلى الأوضاع الاجتماعية البائسة لقطاع كبير من الشباب يعاني البطالة ولا أمل له إطلاقا في الحصول على عيش كريم، ثم أن التغييرات الديموغرافية لعبت دورا كبيرا في هذا الشأن، فمع سنوات العنف الدموي في تسعينيات القرن الماضي، بدا واضحا أن عدد النساء زاد عن المعتاد مما ساهم في تنامي الظاهرة التي ما تزال تداعياتها متواصلة إلى الآن. ويرى كثير من الدارسين أن المجتمع التقليدي الجزائري كان يدفع بالعنوسة إلى حدودها الدنيا إلى درجة أنها كانت شبه منعدمة، وأن التحديث الذي عرفته الجزائر بعد الاستقلال وإن جاء بإيجابيات كثيرة إلا أنه أتى على كثير من العادات في الزواج، وأصبحت الشكليات تطغى بشكل كبير مما رفع بنسب العنوسة كثيرا منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين إلى الأن. ولا يكاد أبناء الجيل الجديد يستوعبون العادات القديمة في هذا الشأن، حيث كان هناك نظام اجتماعي يقضي على العنوسة والترمل ويحد من التيتّم في الوقت نفسه، وربما يعود ذلك إلى التكافل الاجتماعي مواجهة لقسوة الظروف والحياة في أزمنة كانت فيها الحروب والأمراض والاوبئة تفتك بالمجتمع من كل جهة. كان الرجل المتزوج إذا توفي لسبب من الأسباب، فإن الأخ الشقيق الذي عادة لم يتزوج بعد هو الذي سيتزوج قريبا زوجة المرحوم ليتحوّل إلى والد لأبنائه، وبذلك يحد من الترمل والتيتم في الوقت نفسه، وهذا لا يمنع الشاب الذي تزوج امرأة ثيّب من الزواج مرة أخرى من شابة صغيرة أعجبته، فالأمر ميسور والزوجة الأولى لا تمانع ويعيش الجميع بعد ذلك في جو من الألفة والوئام. وكان أمر الزواج في يد الأسرة والعائلة الكبيرة، التي تعمل عن طريق شيوخها إلى حماية نفسها من الأمراض الاجتماعية التي تسببها ظواهر مثل العنوسة، حتى كان الجمال ليس شرطا للزواج، طالما أن الرجل يتزوج المرأة والاثنتين والثلاث، فيمكن له في بداية حياته أن يتزوج أرملة قريبه، كما يمكن أن يتزوج امرأة مطلقة ويقوم بتربية أولادها كأنهم أولاده. وقد يكتفي بتلك الزوجة لوحدها طيلة حياته بذلك لم يشهد المجتمع ظواهر كالعنوسة التي تفاقمت بعد ذلك مع انهيار المجتمع التقليدي لصالح الحداثة التي جاءت بعد الاستقلال. ويدعو البعض إلى العودة إلى تلك التقاليد التي تبدو لأبناء الجيل الجديد غير معقولة، فـ "لا يتصور شاب من أبناء الأجيال الجديدة أن يتزوج أرملة أخيه فهي بالنسبة إليه أخته ولا يمكن له أن يفكر فيها كزوجة". هذا ما تؤكده أسماء مقراتي، طالبة ماجستير علم النفس، التي ترى أن " المجتمع يتغّير ويسير إلى الأمام ولا يمكن له العودة إلى الخلف، فالمجتمع التقليدي حافظ على كيانه بالوسائل التي كانت متاحة، وعلينا الآن أن نتكيّف مع عصرنا وفق مقاربة موضوعية ومنظور جديد، لمكافحة ظاهرة العنوسة التي تفاقمت إلى مستويات مرعبة بالنظر إلى كثير من المعطيات الواقعية، منها البطالة والشروط التعجيزية التي ما يزال يفرضها المجتمع على المتزوجين حيث أن إقامة وليمة مثلا في قاعة حفلات ليست في متناول الجميع إضافة إلى أمور المهر والتجهيز التي تثقل كاهل الزوجة والزوجة وأهليهما معا، فعلينا أن ندرس بكل موضوعية الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة حتى نواجهها بموضوعية وليس هربا إلى الامام أو إلى الماضي مثلما يريد البعض". وبالتوازي مع الحملات الاجتماعية والدينية التي تدعو إلى "تأنيس العوانس" من خلال مراجعة شروط المهور والوليمة وشرط السكن المستقل، ظهرت في المدة الأخيرة، حملة مضادة يقول أصحابها: "لا تتزوج... أعمل وأجمع المال ثم سافر"، وهي دعوة جاءت مع موجة الهجرة غير الشرعية بحثا عن " جنة" شمال البحر الأبيض المتوسط. لقد انتشر هذا الشعار كالنار في الهشيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي واتخذته كثير من الصفحات شعارا لها، إلى درجة اعتقد البعض أن البلاد ستفرغ من شبابها الذين جمعوا المال ويستعدون للسفر ولو على ظهر قارب "غير شرعي"، غير أن الحملة تلك تحوّلت إلى سخرية، فكثير من الذين يطبقون هذا الشعار لا يجدون فرصة للعمل من اجل جمع المال بالنظر إلى البطالة التي بلغت مستويات كبيرة تكاد تتجاوز مستويات العنوسة نفسها. وقال بعض الناشطين أن "المشكلة في الشباب الذين أطلقوا هذا الشعار أنفسهم، فهم لا يتوفرون على أيه كفاءة مهنية او علمية تجعلهم يواجهون الحياة ومصاعبها، وعوضا عن البحث عن حل لمشاكلهم، تراهم يلجأون إلى مثل هذه الحملات والشعارات، محاولة للفت الانتباه ليس إلا". يؤكد الصحفي عبد القادر سعدي، ذاك الطرح ويضيف قائلا: "إن هناك عشرات آلاف الفرص للعمل في مختلف ولايات الوطن لا تجد من يستغلها من الشباب، والكثير من ورشات البناء على سبيل المثال التي تشغّلها شركات صينية لا تجد اليد العاملة من أبناء البلاد، وأصبحت تلجأ لتشغيل المهاجرين الأفارقة، فإن كان هؤلاء فعلا جادين في دعواهم لذهبوا إلى استغلال تلك الفرص عوضا عن التباكي على صفحات الفيسبوك". ولأن مثل تلك الحملات غير واقعية، فكلما ظهرت بسرعة اختفت بسرعة، وهنا ظهر شعار ساخر من الأمر يقول: " في هذه البلاد، لا تتزوج، لا تعمل ولن تسافر" في إشارة لليأس من الوضع ككل، وهو واقع يؤكد أن المشاكل الاجتماعية من بطالة ويأس وعنوسة كلها مترابطة بعضها ببعض. إنها المشكلة التي تبدو مستعصية، غير أن الأرقام الرسمية وغير الرسمية لا يمكن لها أن تعبّر عن الظاهرة بشكل دقيق، فقد بدأت في الجزائر ظاهرة جديدة، مع ازدياد البطالة بين الشباب والتسرب المدرسي الذي أصاب الذكور على وجه الخصوص، حيث أصبح عدد الإناث في الثانويات والجامعات يتجاوز التسعين في المئة في كثير من المناطق، وهناك بدأ كثير من الشباب العاطل يبحث عن امرأة مؤهلة علميا وتشغل وظيفة محترمة ليتزوجها، فتنقذه من الفقر وينقذها هو من العنوسة. والظاهرة الجديدة هذه في تزايد مستمر، وكأن المجتمع وحاجياته يساهم بطريقته الخاصة في القضاء على كثير من الأمراض الاجتماعية بطرق لم تكن تخطر على بال المتخصصين أنفسهم من الذين لا يمتلكون في الواقع غير الخطاب الذي لا ينسجم مع معطيات الواقع.

د ب ا
السبت 9 فبراير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث