ويحرص العمانيون على أداء فنونهم الشعبية في مختلف الاحتفالات الاجتماعية والدينية والوطنية. ويشارك فيها الصغير والكبير والرجال والنساء والأغنياء والفقراء جنبا إلى جنب إلا أن هذا الحرص الكبير على هذه الفنون لم يحمها مطلقا من التأثر بالزحف الحضاري القادم من الغرب، ومن مظاهر العولمة التي باتت تغزو أكثر المجتمعات تحصنا وتقوقعا على نفسها.
ونظمت وزارة التراث والثقافة العمانية مهرجانا شعبيا تتنافس فيه فرق الفنون الشعبية على مدى ثلاثة أيام توزع في ختامه جوائز نقدية بلغت قرابة (80 ألف دولار أمريكي) بهدف تشجيع الفرق الأهلية للحفاظ على موروثها الشعبي وبث المنافسة بين الفرق العديدة المتوزعة على طول أراضي البلاد.
وإذا كانت الفنون تمارس الآن في المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية، فإنها كانت في زمان ماض تمارس حتى دون مناسبة من أجل تغطية أوقات الفراغ. ويرى باحثون متخصصون في مجال الفنون الشعبية العمانية أن الكثير من التغييرات طرأت على الفنون العمانية نتيجة تغير نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مما تغير أسلوب حياة أفراد المجتمع, وبدأت بعض الفنون تقل ممارستها والبعض الآخر تتغير وظيفتها إما بقصد المحافظة عليها أو بقصد المشاركة بطرح فنون مختلفة لأجل تنوعه لا ممارسته الحقيقية. ويرى هؤلاء أن مشاركة المرأة في هذه الفنون تراجعت بشكل كبير حتى أنها اختفت في فنون بعينها.
يقول الدكتور سعيد الهاشمي رئيس قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس وأحد المهتمين بالفنون الشعبية "تأثرت الفنون العمانية تأثرا كبيرا بنمط الحياة العصرية، وغدت تتهاوى واحد يتلو الآخر وذلك لطغيان مطالب الحياة العصرية وبوفاة أصحب الموهبة والتجربة من كبار السن، وعدم توارث الفن بصورة جدية من جيل إلى الآخر". تبدو نظرة الهاشمي متشائمة كثيرا لكنه يحاول أن يبررها أو يؤكد عليها بالقول "من التأثيرات الواضحة على الفنون مشاركة المزامير في الآلات الموسيقية للفن, فقد شاهدت مرة أداء فن الرزحة في أحد مسارحنا, وصاحب الطبل صوت القربة الذي طغى على موسيقية الطبل مما فقد الأداء جمالية الفن فيه, وأربك فعلياً ذهن المستمع, ودارت استفسارات فيما بين المشاهدين للأداء, بل سادهم التذمر من ذلك, ولهذا فإن نغمة العود إن صاحبها القانون يفقد مكانه؛ لأنه يكمن تذوق العود في نغمات أوتاره وبراعة عازفه، فإذا أدخل عليها القانون أو الربابة أو المزمار يكون صخب بتعدد الأدوات، لا يتذوق السامع نغمة العود ويفقده التذوق الموسيقي".
إلا أن رأي الدكتور الهاشمي يرد عليه البعض بأن انتشار الفرق الشعبية في الكثير من محافظات السلطنة يدل على أن التراجع الذي يتحدث عنه الهاشمي مبالغ فيه، ويذهب هؤلاء إلى التدليل على أن بعض المؤسسات الرسمية أيضا بدأت تتخذ لنفسها فرق شعبية تدربها وتدفع لأصحابها رواتب مغرية وصارت تشارك في داخل السلطنة وخارجها، كما صارت تشارك في وصلات غنائية في التلفزيون الرسمي إضافة إلى تسجيلها لأغاني وطنية.
ويقول محمد بن سلطان المرزوقي أحد الأسماء البارزة في مجال فن العيالة " لا شك أن هناك تراجع فرضته الحياة المدنية التي يعيشها الفرد في عمان لكن هذا لا يعني أن التراجع قد أثر على مكانة الفنون، بل هي موجودة وفاعلة في المجتمع كما كانت وربما الذي تغير أن هذه الفرق تشارك في المناسبات فقط فيما كانت في السابق تؤدي وصلاتها الغنائية بدون مناسبة".
الشاعر الشعبي المعروف راشد الشامسي والذي شارك في تحكيم مسابقة فن العيالة في المهرجان الذي نظمته وزارة التراث قال لوكالة الأنباء الألمانية " مستوى الفرق التي شاركت في المسابقة كان جيدا جدا وكان التنافس فيما بينها قويا حتى اللحظات الأخيرة، نافيا أن يكون هذا الفن مقتربا من التلاشي بدليل كثرة الفرق المسجلة في وزارة التراث ناهيك عن أن هذه الفنون يمارسها الجميع دون الحاجة أساسا لوجود فرق"، ويشرح الشامسي قولها "في المناسبات عندما يتجمع مجموعة من كبار السن والشباب لا يحتاج الأمر إلا إلى طبل لتبدأ الوصلات الغنائية الشعبية التي تستمر حتى الصباح الباكر" مشيرا أن تقييم بقاء الفنون لا يقاس فقط بعدد الفرق المسجلة لأن الجميع تقريبا يشاركون في أداء الفنون الشعبية دون أن يكونوا في حاجة إلى التسجيل أو الاشتراك في أي فرقة".
وإذا كان الخوف على التأثيرات القادمة على الفنون الشعبية يشهد اختلافا في وجهات النظر فإن توثيقها توثيقا علميا لا خوف عليه أبدا، حيث أنشأت عمان في ثمانينات القرن الماضي مركز عمان للموسيقى التقليدية وقام بتوثيق كل أنواع الفنون العمانية وبشكل علمي. وتعتبر مكتبة المركز أهم مرجع لدراسة وبحث الفنون الشعبية العمانية فبعد أن تم تسجيل وتوثيق كل الفنون وما يصاحبها تمت دراسة تلك الفنون وتوثيق النوتات الموسيقية المنبثقة عنها.
ويبدو ان المرأة أيضا استهوتها الفنون الشعبية فصارت تدرسها وتوثيق فيها فالدكتورة عائشة الدرمكي من بين أهم الأسماء النسائية التي اشتغلت على الموروث الشعبية العمانية توثيقا ودراسة. وهي باحثة في علم السيميائيات الحديثة. وقد استهواها البحث وراء الترميز الذي يمكن أن يستنبط من الملابس التي يتم ارتداؤها خلال تأدية الفنون.
تقول الدرمكية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) متحدثة حول بحث علمي سيميائي اتخذ من الملابس التي يرتديها العمانيون خلال تأديتهم للفنون الشعبية مادة للبحث "إذا أمعنا النظر في الأزياء التي تلبس أثناء أداء الفنون الشعبية في عمان، فإن هناك علامات ملبسية تتعلق بالأحداث التاريخية والحضارية مباشرة؛ كما هو الحال في لباس الرجال المؤدين لفن العازي؛ ذلك لأن هذه العلامات احتفظت بالطابع العسكري الذي يحيل إلى مناسبات النصر في الغزوات أو الحروب، وعلى الرغم من أن اللباس العام لا يختلف عن اللباس اليومي للرجال إلا أنه يوسم بالأدوات الحربية التي تضفي عليه دلالات ما كانت لتوجد قبلها، وهي أدوات ملبسية تكمل اللباس العام من حيث الدلالة والخصوصية".
تضيف الدكتورة وهي تتابع دخول فرقة العيالة إلى ساحة المهرجان "إن فن العازي وهو أحد فنون الفخر والمدح، ولا يؤديه المنشد إلاَّ وهو يمسك بسيفه بيده اليمنى وترسه باليد اليسرى، ويتصدر موكباً من المشاركين خلفه، يحملون البنادق التي كانوا يطلقون منها طلقات في مقاطع معينة من الإنشاد، ومشهرين سيوفهم يهزونها مرة تلو المرة في شيء من الحماسة والفخر..وبهذا يتحول اللباس اليومي (الدشداشة والمصر) إلى لباس عسكري له طابعه الخاص ليأخذ دورا دلالياً داخل المنظومة الدالة الشاملة (العرض)كونها علامة تشير إلى علامة أخرى لأن العلامة الملبسية هنا ستحيلنا إلى مدلولات عدة تتجاوز العلامة الأصلية التي صممت الملابس من أجلها، ليأخذ الملبس هنا شكلاً بصريا خاصاً يحيل إلى مجموعة من التأويلات".
وإذا كانت مغامرة الدكتورة عائشة الدرمكي الناجحة في دراسة الترميزات الملبسية في الفنون الشعبية العمانية خاصة وأنها استخدمت أشهر المناهج العلمي التي تعود إلى عالم السيميائيات رولان بارت فإن الكثير من الدراسات الأخرى يمكن أن تساهم في الكشف عن الكثير من تفاصيل التاريخ العماني باعتبار الفنون تختزل في داخلها ثقافة الأمم والشعوب كما تختزل جانبا مهما من جوانب تاريخهم.
ونظمت وزارة التراث والثقافة العمانية مهرجانا شعبيا تتنافس فيه فرق الفنون الشعبية على مدى ثلاثة أيام توزع في ختامه جوائز نقدية بلغت قرابة (80 ألف دولار أمريكي) بهدف تشجيع الفرق الأهلية للحفاظ على موروثها الشعبي وبث المنافسة بين الفرق العديدة المتوزعة على طول أراضي البلاد.
وإذا كانت الفنون تمارس الآن في المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية، فإنها كانت في زمان ماض تمارس حتى دون مناسبة من أجل تغطية أوقات الفراغ. ويرى باحثون متخصصون في مجال الفنون الشعبية العمانية أن الكثير من التغييرات طرأت على الفنون العمانية نتيجة تغير نمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مما تغير أسلوب حياة أفراد المجتمع, وبدأت بعض الفنون تقل ممارستها والبعض الآخر تتغير وظيفتها إما بقصد المحافظة عليها أو بقصد المشاركة بطرح فنون مختلفة لأجل تنوعه لا ممارسته الحقيقية. ويرى هؤلاء أن مشاركة المرأة في هذه الفنون تراجعت بشكل كبير حتى أنها اختفت في فنون بعينها.
يقول الدكتور سعيد الهاشمي رئيس قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس وأحد المهتمين بالفنون الشعبية "تأثرت الفنون العمانية تأثرا كبيرا بنمط الحياة العصرية، وغدت تتهاوى واحد يتلو الآخر وذلك لطغيان مطالب الحياة العصرية وبوفاة أصحب الموهبة والتجربة من كبار السن، وعدم توارث الفن بصورة جدية من جيل إلى الآخر". تبدو نظرة الهاشمي متشائمة كثيرا لكنه يحاول أن يبررها أو يؤكد عليها بالقول "من التأثيرات الواضحة على الفنون مشاركة المزامير في الآلات الموسيقية للفن, فقد شاهدت مرة أداء فن الرزحة في أحد مسارحنا, وصاحب الطبل صوت القربة الذي طغى على موسيقية الطبل مما فقد الأداء جمالية الفن فيه, وأربك فعلياً ذهن المستمع, ودارت استفسارات فيما بين المشاهدين للأداء, بل سادهم التذمر من ذلك, ولهذا فإن نغمة العود إن صاحبها القانون يفقد مكانه؛ لأنه يكمن تذوق العود في نغمات أوتاره وبراعة عازفه، فإذا أدخل عليها القانون أو الربابة أو المزمار يكون صخب بتعدد الأدوات، لا يتذوق السامع نغمة العود ويفقده التذوق الموسيقي".
إلا أن رأي الدكتور الهاشمي يرد عليه البعض بأن انتشار الفرق الشعبية في الكثير من محافظات السلطنة يدل على أن التراجع الذي يتحدث عنه الهاشمي مبالغ فيه، ويذهب هؤلاء إلى التدليل على أن بعض المؤسسات الرسمية أيضا بدأت تتخذ لنفسها فرق شعبية تدربها وتدفع لأصحابها رواتب مغرية وصارت تشارك في داخل السلطنة وخارجها، كما صارت تشارك في وصلات غنائية في التلفزيون الرسمي إضافة إلى تسجيلها لأغاني وطنية.
ويقول محمد بن سلطان المرزوقي أحد الأسماء البارزة في مجال فن العيالة " لا شك أن هناك تراجع فرضته الحياة المدنية التي يعيشها الفرد في عمان لكن هذا لا يعني أن التراجع قد أثر على مكانة الفنون، بل هي موجودة وفاعلة في المجتمع كما كانت وربما الذي تغير أن هذه الفرق تشارك في المناسبات فقط فيما كانت في السابق تؤدي وصلاتها الغنائية بدون مناسبة".
الشاعر الشعبي المعروف راشد الشامسي والذي شارك في تحكيم مسابقة فن العيالة في المهرجان الذي نظمته وزارة التراث قال لوكالة الأنباء الألمانية " مستوى الفرق التي شاركت في المسابقة كان جيدا جدا وكان التنافس فيما بينها قويا حتى اللحظات الأخيرة، نافيا أن يكون هذا الفن مقتربا من التلاشي بدليل كثرة الفرق المسجلة في وزارة التراث ناهيك عن أن هذه الفنون يمارسها الجميع دون الحاجة أساسا لوجود فرق"، ويشرح الشامسي قولها "في المناسبات عندما يتجمع مجموعة من كبار السن والشباب لا يحتاج الأمر إلا إلى طبل لتبدأ الوصلات الغنائية الشعبية التي تستمر حتى الصباح الباكر" مشيرا أن تقييم بقاء الفنون لا يقاس فقط بعدد الفرق المسجلة لأن الجميع تقريبا يشاركون في أداء الفنون الشعبية دون أن يكونوا في حاجة إلى التسجيل أو الاشتراك في أي فرقة".
وإذا كان الخوف على التأثيرات القادمة على الفنون الشعبية يشهد اختلافا في وجهات النظر فإن توثيقها توثيقا علميا لا خوف عليه أبدا، حيث أنشأت عمان في ثمانينات القرن الماضي مركز عمان للموسيقى التقليدية وقام بتوثيق كل أنواع الفنون العمانية وبشكل علمي. وتعتبر مكتبة المركز أهم مرجع لدراسة وبحث الفنون الشعبية العمانية فبعد أن تم تسجيل وتوثيق كل الفنون وما يصاحبها تمت دراسة تلك الفنون وتوثيق النوتات الموسيقية المنبثقة عنها.
ويبدو ان المرأة أيضا استهوتها الفنون الشعبية فصارت تدرسها وتوثيق فيها فالدكتورة عائشة الدرمكي من بين أهم الأسماء النسائية التي اشتغلت على الموروث الشعبية العمانية توثيقا ودراسة. وهي باحثة في علم السيميائيات الحديثة. وقد استهواها البحث وراء الترميز الذي يمكن أن يستنبط من الملابس التي يتم ارتداؤها خلال تأدية الفنون.
تقول الدرمكية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) متحدثة حول بحث علمي سيميائي اتخذ من الملابس التي يرتديها العمانيون خلال تأديتهم للفنون الشعبية مادة للبحث "إذا أمعنا النظر في الأزياء التي تلبس أثناء أداء الفنون الشعبية في عمان، فإن هناك علامات ملبسية تتعلق بالأحداث التاريخية والحضارية مباشرة؛ كما هو الحال في لباس الرجال المؤدين لفن العازي؛ ذلك لأن هذه العلامات احتفظت بالطابع العسكري الذي يحيل إلى مناسبات النصر في الغزوات أو الحروب، وعلى الرغم من أن اللباس العام لا يختلف عن اللباس اليومي للرجال إلا أنه يوسم بالأدوات الحربية التي تضفي عليه دلالات ما كانت لتوجد قبلها، وهي أدوات ملبسية تكمل اللباس العام من حيث الدلالة والخصوصية".
تضيف الدكتورة وهي تتابع دخول فرقة العيالة إلى ساحة المهرجان "إن فن العازي وهو أحد فنون الفخر والمدح، ولا يؤديه المنشد إلاَّ وهو يمسك بسيفه بيده اليمنى وترسه باليد اليسرى، ويتصدر موكباً من المشاركين خلفه، يحملون البنادق التي كانوا يطلقون منها طلقات في مقاطع معينة من الإنشاد، ومشهرين سيوفهم يهزونها مرة تلو المرة في شيء من الحماسة والفخر..وبهذا يتحول اللباس اليومي (الدشداشة والمصر) إلى لباس عسكري له طابعه الخاص ليأخذ دورا دلالياً داخل المنظومة الدالة الشاملة (العرض)كونها علامة تشير إلى علامة أخرى لأن العلامة الملبسية هنا ستحيلنا إلى مدلولات عدة تتجاوز العلامة الأصلية التي صممت الملابس من أجلها، ليأخذ الملبس هنا شكلاً بصريا خاصاً يحيل إلى مجموعة من التأويلات".
وإذا كانت مغامرة الدكتورة عائشة الدرمكي الناجحة في دراسة الترميزات الملبسية في الفنون الشعبية العمانية خاصة وأنها استخدمت أشهر المناهج العلمي التي تعود إلى عالم السيميائيات رولان بارت فإن الكثير من الدراسات الأخرى يمكن أن تساهم في الكشف عن الكثير من تفاصيل التاريخ العماني باعتبار الفنون تختزل في داخلها ثقافة الأمم والشعوب كما تختزل جانبا مهما من جوانب تاريخهم.


الصفحات
سياسة








