"خريف الأمة البوليفارية" يخيم على فنزويلا وأزمتها تتصاعد





كاراكاس - نستور روخاس مبارز- فيما تؤكد الحكومة الاشتراكية الفنزويلية أن البندول الذي يحدد التغييرات السياسية سوف يتجمد لعقود طويلة أمام استمرار اليسار في سدة الحكم، يثير تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم الأزمة السياسية مع تدهور شعبية الرئيس نيكولاس مادورو، العديد من التساؤلات حول مدى قدرة ما أطلق عليه الرئيس الراحل هوجو شافيز "الاشتراكية البترولية" على التماسك والصمود داخل منظومة تسودها الحريات.


 
مع صعود الشافيزية في فنزويلا بوصول الرئيس الراحل للسلطة عام 1999، شهد العام الأخير في القرن العشرين التفكك التام للكتلة الشيوعية في أوروبا، فيما عرف وقتها بـ"خريف الأمم" مع ثورات دول الاتحاد السوفيتي السابق عام 1989. في ذلك الوقت أعلن شافيز، الذي صمد في وجه انقلاب اتهم الولايات المتحدة وأعوانها بتدبيره ضده، وحماه منه حليفه الكوبي فيدل كاسترو، رفضه اعتناق الاشتراكية، ولكنه قبل عام 2007 تبني الماركسية، مستوليا على سلسلة العديد من القطاعات الاقتصادية وفي مقدمتها البترول.

بعد رحيله في آذار/ مارس 2013، ورث رفيقه نيكولاس مادورو السلطة من خلال انتخابات أثيرت حولها الأقاويل. وهو بحسب تاريخه، سائق حافلة وقيادي نقابي حظه من التعليم لا يتجاوز المرحلة الإعدادية، إلا أنه يفخر بأنه في الثمانينيات من القرن الماضي تأهل سياسيا على أيدي كوادر كوبية مهمة، وبلغ مكانة كبيرة بالقرب من شافيز، لدرجة تولي رئاسة مجلس الشعب وحقيبة الخارجية في عهد الرئيس الراحل.

منذ وصول مادورو للسلطة، دخل اقتصاد البلاد نفقا مظلما، لتعاني من أعراض الركود والتضخم، وتفاقم الوضع مع انهيار أسعار النفط، العامود الفقري لصادرات البلد اللاتيني، ومعه انهار احتياطي العملة الصعبة، ليزيد صعوبة الأمر عدم اعتراف النظام بوجود أية أزمات، خاصة وأن فنزويلا لا تنتج قمحا، وتضطر لاستيراده لإطعام ملايين الأفواه، ومن ثم لم تجد الحكومة أمامها سبيل آخر سوى ترشيد استهلاك الخبز، لتصبح ظاهرة طوابير الخبز الممتدة أمام الأفران الطابع المميز للأزمة.

تعرضت منظومة حكم مادورو هذا العام لهزات عنيفة على خلفية اندلاع سلسلة من الاحتجاجات اعتبارا من نيسان/ أبريل الماضي، على خلفية حكم قضائي بإلغاء البرلمان بعد أن بات تحت سيطرة المعارضة، ليرتفع إلى 121 قتيلا، عدد الضحايا عقب أربعة أشهر من الاحتجاجات، التى اعتبرها بعض المحللين "ربيعا فنزويليا" في طور النمو، دون أن يغيب عن إدراكهم أن السلطة تعتمد على ولاء القوات المسلحة ومنظومة القضاء "محكمة العدل العليا"، والمؤسسة الانتخابية "المجلس الوطني الانتخابي".

زاد مادورو، الذي يعتبر نفسه الابن السياسي لشافيز، من تعقيد الأمور حينما دعا إلى استفتاء لتكوين جمعية تأسيسية لتعيد صياغة الدستور، لكي يتمكن من توسيع صلاحياته وشرعنة إلغاء السلطة التشريعية التي تسيطر عليها الأغلبية المعارضة، والتي رفضت بدورها المشاركة في هذه "التمثيلية الهزلية"، مؤكدة انتفاء شرعية الاستفتاء على اختيار 545 عضوا بالتأسيسية وطعنها في نزاهة نتائجه، محذرة من تفاقم الوضع السياسي المتأزم نتيجة احتقان الجماهير الغاضبة جراء التوجه لعسكرة النظام في البلد اللاتيني.

استهل مادورو عمل الجمعية التأسيسية بحث أعضائها على العمل بكل السبل لقطع الطريق على وصول المعارضة للسلطة، مؤكدا أن "هؤلاء، لا يجب إتاحة الفرصة لهم مرة أخرى لكي تصل أيديهم إلى السلطة السياسية مطلقا في فنزويلا. نحن فقط يمكننا ممارسة الحكم في هذا البلد، بقاؤنا في السلطة هو ضمانة الاستقرار".

من جانبها تتجاهل المعارضة ممثلة في حزب طاولة الوحدة الديمقراطية مادورو وجمعيته التأسيسية، حيث قدمت في حزيران/ يونيو الماضي خطة للحكم الرشيد في فنزويلا، تتجاوز الوضع الراهن، وتنتقل بالبلاد إلى مرحلة ما بعد الشافيزية الاشتراكية، ونظرا لأنه ليس من المرتقب إجراء انتخابات في الوقت الراهن، تقترح خطة المعارضة قيادة البلاد بالتبادل وصولا إلى تغيير سياسي "عاجل ولا يحده سقف".

رسم النائب المعارض هنري ايوب الخطة، رافضا تسميتها "خارطة طريق"، مفضلا أن تكون "كتيب استرشادي يتيح إعادة بناء الدولة"، من خلال حكومة جمهورية متحدة. وذكر أيضا أن ما يعرف باسم "العهد المتحد للحكم الرشيد" يتضمن خطوط رئيسية من بينها "اعتبار العدالة الاجتماعية على رأس الأولويات، ومعالجة الأزمة الانسانية، بالإضافة إلى خطة فعالة لمواجهة الانفلات الأمني، العنف، الجريمة المنظمة، من بين محاور أخرى".

في تصريحات لـوكالة الأنباء الألمانية( د. ب. أ) قال النائب المعارض "يتنازل رئيس الدولة - ذكر أم أنثى -فورا عن الحق في إعادة الانتخاب كما يجب أن يكون مدنيا"، مؤكدا احترام كتلة طاولة الوحدة الديمقراطية لمن يرون خيارات سياسية مغايرة لمقترحهم، ورفضها لقمع وملاحقة المنتمين لتيارات أو تنظيمات سياسية مخالفة لأيديولجيتهم، في حال وصولها للسلطة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المستقبلية.

من ناحية أخرى، أعرب نيكمار إيفانز السياسي المنشق على الشافيزية في تصريحات لـ(د. ب. أ) عن تشككه في مدى تماسك وجدية خطط المعارضة، مؤكدا "قيمتها الوحيدة أنها مكتوبة بشكل جيد"، مضيفا "لم يقولوا من أين ستخرج هذه الحكومة، ولا كيف ستعمل ومن أين ستحصل على الموارد لممارسة عملها وتجاوز الأزمة الاقتصادية. إنها مجرد منهج يعكس نوايا طيبة ليس أكثر".

يرى الخبراء أن الانتقال السياسي قد يكون ممكنا حين تغير العناصر التي ترتكن إليها السلطة الحالية من مواقفها أو من "جلدها"، هناك على سبيل المثال حالة النائب العام لويسا أورتيجا دياز، التي ظلت وفية لسنوات للخط الرسمي، إلا أنها في النهاية وصفت قرار محكمة العدل العليا في آذار/ مارس الماضي ضد البرلمان بأنه ضربة قاصمة للنظام الدستوري، مما دفع السلطة بنعتها بالخيانة في البداية، ثم طردها من منصبها من جانب الجمعية التأسيسية.

كانت دياز في طليعة المنفصلين عن الحزب الحاكم، لتتوالى الانشقاقات من الحزب الحاكم أو كبار قيادات الدولة الذين أعلنوا رفضهم لسياسات مادورو وحكومته وتوجه جمعيته التأسيسية، ومع ذلك، لا يعتبر هذا كافيا من وجهة نظر المحللين لحدوث التغيير الانتقالي المنشود، معولين على إمكانية حدوث ذلك أواخر 2018، حينما يحل موعد الاستحقاق الرئاسي، على الرغم من أن احتمال إقدام الجمعية التأسيسية على تغيير القواعد الحالية، سواء بتأجيل موعدها أو إلغائها من الأساس، وهو ما قد يفاقم الصراع السياسي الدائر.

توضح أستاذة علم الاجتماع وخبيرة علوم الاقتصاد إيزابيل بيريرا، أن "ما من أحد يستطيع تحديد متى ستبدأ مرحلة انتقالية في فنزويلا. قد يكون ذلك غدا أو غداة أي يوم آخر"، معربة عن عدم يقين تام حيال الأمر، وعلى الرغم من ذلك "التغيير سيكون متاحا حينما تتوافر في البلاد مؤسسة انتخابية مستقلة يكون من سلطاتها الدعوة إلى انتخابات حرة".

أما بالنسبة للحكومة فتؤكد بيريرا أن "السلطة لم يعد أمامها سوى الاستمرار في جشعها وفسادها، لكي تستمير في سدة الحكم، ضد إرادة المواطنين". في تصريح لـ( د .ب. أ ) تقول أستاذة علم الاجتماع "الطريف في الأمر أن طوق النجاة الوحيد أمامه هو التواصل مع المعارضة، والتي باتت اليوم تمثل كافة جموع الشعب الفنزويلي".

نستور روخاس مبارز
الاثنين 28 غشت 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث