خلاف الأسد-مخلوف قضية عائلية معقدة





خريف عام 1997 وفي فندق الكارلتون بدمشق، أُقيم حفل زفاف بسيط للرجل الذي سيصبح أغنى رجل أعمال في سوريا والذراع المالي للنظام السوري، رامي مخلوف أبن خال بشار الأسد.
اختارت عائلة مخلوف فندقاً من فئة الأربعة نجوم وذلك في محاولة لصرف الأنظار عن تأثيرها وثروتها. في منتصف الحفل وصل الضيف الأكثر أهمية، وفور دخول الأسد القاعة بدأ رامي مخلوف وأخوه حافظ في البكاء، من ثم تبعهم الجميع، لقد تذكّروا باسل الأسد الذي قضى إثر حادث سيارة قبل ثلاثة أعوام حيث كان برفقته، وبنفس السيارة، حافظ مخلوف. يبين ذلك المشهد إلى العلاقة بين العائلتين.
عندما بدأ حافظ الأسد ببناء نظامه كانت عائلة مخلوف حليف رئيسي له، تعمّق هذا التحالف بعد صعود بشار للسلطة، حيث رسّخ آل مخلوف حضورهم حتى أصبحوا الركيزة الأساسية للنظام. آل الأسد الذراع السياسي للنظام بينما آل مخلوف ذراعه الاقتصادي والمالي. وكما وصف مخلوف في فيديوهاته الأخيرة على فيس بوك، انتهت العائلتان لتكونان، بالنسبة للنظام، الليل والنهار، الموجب والسالب، الرجل والمرأة.
حافظ ومحمد مخلوف :



استولى حافظ الأسد على السلطة في انقلاب عام 1970 وتم تعيين أحمد الخطيب رئيساً لسوريا لبضعة أشهر، وذلك حتى إجراء الانتخابات، في آذار-مارس 1971 التي أعطت للأسد مظهراً من الشرعية. وكي يكون حكمه مستداماً، أدرك الأسد حاجته الماسّة للمال. كان حافظ حذراً من النخبة الرأسمالية في دمشق وحلب، التي كانت تتحكّم وتدير الثروة في البلاد، وكان من الصعب على الشاب حافظ، وفي بيئة اشتراكية وشيوعية وماركسية، أن يجمع ثروة باسمه، بالإضافة إلى صفته كرئيس للدولة، لأن فتح حساب باسمه في الخارج سيجعله في متناول الصحافة وبالتالي الفضيحة.
كان بحاجة إلى شريك ووجد في شقيق زوجته، محمد مخلوف الرجل المثالي لمشروعه السياسي. كانت تربط الرجلين علاقة قوية ويلتقيان كل يوم وكانا شركاء في لعبة طاولة الزهر.
عيّن حافظ الأسد، عام 1972 شريكه محمد مخلوف، رئيساً للمؤسسة العامة للتبغ (GOT)، التي كان لها الحق الحصري في شراء التبغ من المزارعين ليتم بعد ذلك بيعه إلى جميع شركات التبغ العالمية من خلال شركة يملكها محمد مخلوف في قبرص. أصبحت (GOT) البقرة الحلوب لمحمد مخلوف بصفتها أيضاً المستورد الوحيد للدخان، حيث كان يأخذ عمولة للسماح للعلامات التجارية الأجنبية ببيع منتجاتها في السوق المحلية، ولاحقاً أخذ نصيب الأسد من العمليات غير القانونية في تهّريب الدخان الأجنبي من لبنان إلى سوريا.
هكذا بدأ محمد مخلوف بتكديس الثروة. وبعد مغادرته شركة التبغ، أودع خليفته (محمد كفا) السجن، بعد اسبوعين من توليه منصبه، على أثر كلام زوجة (كفا) عن فساد مخلوف.
بدأ مخلوف بإضفاء الطابع المؤسساتي على الفساد في سوريا، ذلك الفساد، الذي أشرف عليه حافظ الأسد، سيكون السند المالي للنظام.
في الثمانينات. شهدت سوريا طفرة وازدهار في عمليات البناء، وفي عام 1985 أصبح مخلوف رئيساً للبنك العقاري، الذي كانت مهمته تقديم قروض لمشاريع البناء، حيث كان على جميع الجمعيات السكنية المرور عبر هذا البنك للحصول على القروض. كان مخلوف يُعرف بالسيد 10 بالمئة، فهو لا يوافق على أي قرض دون حصوله على 10 بالمئة، وقد احتفظ بمنصبه هذا حتى عام 2004.
وعندما بدأت سوريا بتصدير النفط، في منتصف الثمانينات، انخرط مخلوف بذلك، لكن بدون منافس مثل رفعت الأسد (شقيق حافظ)، الذي تم نفيه إلى فرنسا في ذلك الوقت. إحدى هذه الفرص كانت من خلال شركة lead contracting and trading (ليد للمقاولات والتجارة)، المملوكة من قبل غسان مهنّا، صهر محمد مخلوف، ويديرها شريكه وقريبه نزار الأسعد. أصبحت هذه الشركة المزوّد الوحيد لخدمات حقول النفط لشركة الفرات، وهو مشروع مشترك بين الحكومة السورية وشركات النفط العالمية.
قدمت صادرات النفط السورية فرصة أخرى لمخلوف. كان يتم بيع النفط السوري من قبل وزارة النفط ومن خلال مجلس تسويق النفط في مكتب رئيس الوزراء، إلى سبع شركات حصرياً تم تأسيسها في قبرص واليونان، تلك الشركات التي كانت قد منحت مخلوف تخفيض بنسبة 7 بالمئة.
لقد حققت صناعة النفط وتسويقه قفزة نوعية في ثروة مخلوف لأن الأموال كانت تأتي بالعملة الصعبة وبكميات كبيرة. بنى مخلوف الأب الأساس لابنه ليتولى ويتابع إرث العائلة.
تخرّج رامي مخلوف من جامعة دمشق عام 1993 بشهادة بكالوريوس في الهندسة المدنية، عُرف عنه أنه شخص هادئ للغاية، نشأ وترعرع بعقلية أنهم جزء لا يتجزأ من حكام سوريا، في القمة ولا يريدون أي شيء. سافر آل مخلوف بجوازات سفر ديبلوماسية وتم استضافتهم في صالات كبار الشخصيات المخصصة لرؤساء الدول، في المطار، كانوا يتخطون التفتيش الأمني وتُرسل لهم السيارات من القصر الجمهوري لنقلهم، حرّاسهم ولوحات سياراتهم وسياراتهم كلها كانت من القصر الجمهوري، حتي مفاتيح القصر كانت لدى آل مخلوف، فقد كانوا يُعاملون مثل الأسد تماماً. عروض القوة هذه كانت رسالة للشعب السوري بأنهم شركاء في الحكم، وقد نظروا إلى أنفسهم على هذا النحو.
رامي وبشار :
تركز كل الاهتمام على بشار بعد موت باسل عام1994 إثر حادث سيارة وأصبح رامي قريباً جداً من بشار وطوّر علاقته معه، تلك العلاقة التي لم تكن بنفس المستوى مع باسل الذي كان يُبقي مسافة بينه وبين أولئك الذين في دائرته. حتى أن رامي بدأ يُقلّد بشار في سلوكه وتعابيره وحركات جسده.
بدأ رامي بتوسيع تعاملاته التجارية وأسس عام 1999 شركة سيريتيل مع المليونير المصري نجيب ساويرس، وانطلقت في العام التالي. كان ذلك جزءاً من خطة بشار المزعومة لفتح الاقتصاد، كما كان أول محاولة لرامي في عقد صفقات تجارية دولية.
أسس رامي منطقة تجارة حرّة لاستيراد المنتجات والسلع وبيعها داخل سوريا (المنطقة التجارية الحرّة الوحيدة في العالم لبيع السلع داخل البلد)، مما سمح له ببيع المنتجات دون دفع أية رسوم جمركية. كما كان لديه العديد من الشركات في مجال العقارات والمعادن والتأمين وقطّاعات أخرى.
تقاعد محمد مخلوف من البنك العقاري عام 2004 بعد أن جمع ثروة ضخمة وبدأ البحث عن (البرستيج) أي المكانة. أراد أن يضع نفسه كمفكر وكبير الاقتصاديين في سوريا. بدأ بتطوير العلاقات الدولية للنظام وبناء علاقات مع رجال الأعمال اللبنانيين والمسؤولين الغربيين الفاسدين في أوربا وأمريكا.
في كانون الثاني-يناير عام 2005 وخلال زيارة السيناتور الأمريكي جون كيري لدمشق، التقيت به كمستشار سياسي ، إلى جانب كل من عبدالله الدردري رئيس هيئة تخطيط الدولة، سمير التقي رئيس مركز بحوث الشرق ونوار الشرع ابنة وزير الخارجية فاروق الشرع آنذاك. برنامج زيارة السيناتور كيري كانت تتضمن عشاء في بيت آل مخلوف في حي المالكي . كان محمد مخلوف متأثر كثيراً بجميل الأسد – شقيق حافظ، الذي كان، ولفترة طويلة، رئيساً للجنة الأمن القومي في مجلس الشعب، وكان محمد يطمح بموقع مشابه. عندما قابل كيري اُعجب بلقبه، حيث أن كلمة سيناتور تبدو كبيرة جداً. في سوريا يمكن للمرء أن يكون عضواً في مجلس الشعب، لكن محمد أراد لنفسه شيئاً أكثر مكانة (برستيج)، أراد أن يخلق شيئاً في سوريا يمنحه نفس المكانة التي يتمتع بها السيناتور كيري في أمريكا. هكذا كان آل مخلوف ينظرون (للدولة) كمنظمة يمكن تشكيلها لتناسب أهوائهم ونزواتهم.
اتصل محمد مخلوف بالأمين العام المساعد لحزب البعث وطلب منه تشكيل لجنة من كبار الخبراء القانونيين لإنشاء مجلس شيوخ على غرار الولايات المتحدة، والذي سيرأسه فيما بعد. وفعلاً تم تعيين أربعة خبراء قانونيين كبار لذلك وهم : هيثم سطايحي – سام دلة – إدوارد خوري وعمران الزعبي. لكن بشار الأسد رفض الفكرة خلال مناقشات مؤتمر الحزب في حزيران- يونيو عام 2005 مشيراً إلى أن آل مخلوف مكانهم هو الحقل الاقتصادي وليس لهم أي دور سياسي في سوريا.
شام القابضة :
عام 2006، وبغية زيادة قبضته على الاقتصاد، أسس رامي شركة شام القابضة، حيث جمع كبار رجال الأعمال السوريين وعددهم (71) ووضعهم تحت جناحه برأسمال قدره 350  مليون دولار، وشرع في تعزيز سيطرته على القطّاع الخاص، الذي يُشكّل حوالي ثلثي الاقتصاد السوري.
هذا وبدأ التنافس بين رامي وأسماء الأخرس، زوجة بشار، التي كانت لديها سيرة ذاتية قصيرة في مجال العمل البنكي، حيث عملت في بنك مورغان في لندن قبل الزواج.
في نفس الوقت تقريبا الذي أنشأ فيه رامي شام القابضة، أنشأت أسماء الأسد شركة سوريا القابضة، لكن مشروعها الطموح لبناء الأبراج في سوريا وجمع الملايين لها ولعائلتها باءت بالفشل.
بادئ ذي بدء استطاع رامي، الذي استفاد من سمعة والده، أن يجذب كبار رجال الأعمال وهو الأمر الذي لم تستطع أسماء فعله بسبب علاقاتها المحدودة (فقد تمكنت فقط من جمع 23 من رجال الأعمال من الطبقة الوسطى، معظمهم من السنّة لشركتها). كما أن رامي حصل على دعم ابن عمته، فقد كان بشار يبعث برسائل ضمنية إلى مجتمع رجال الأعمال في سوريا مفادها : أي شخص يريد العمل على نطاق واسع يحتاج إلى المشاركة في شام القابضة. بالإضافة إلى دعم بشار فقد تم كبح طموحات أسماء من قبل أنيسة مخلوف – والدة بشار(التي احتفظت بلقب السيدة الأولى لنفسها)، ومن قبل أخته بشرى الأسد، التي وبعد اغتيال زوجها، اللواء آصف شوكت عام 2012، انتقلت مع والدتها للعيش في دبي. شوكت، الذي كان يخطط مع ستة ضباط آخرين للقيام بانقلاب والتوصل إلى تسوية مع المعارضة لتجنيب البلاد صراعاً دموياً. بمجرد خروج أنيسة مخلوف وبشرى الأسد من المشهد أصبح لدى أسماء مساحة أكبر للمناورة.
ذروة قوة رامي :
أجرى الراحل أنطوني شديد، من صحيفة نيويورك تايمز، مقابلة مع رامي في بداية الاحتجاجات عام 2011، أتذكّر أن أنطوني اتصل بي وتحدثنا لمدة ساعة ونصف نناقش ما يجب أن يقوله وكيف يمكن لرامي أن يحاول المراوغة وخاصة عندما يسأله عن المتظاهرين الذين يتهمونه بالفساد. في النهاية، وفي محاولة يائسة، ولكسب ودّ وتعاطف الرأي الأمريكي، شدّد رامي على أهمية أمن اسرائيل، في مقابلة غريبة نوعاً ما، قائلاً أنها جزء لا يتجزّأ من أمن سوريا. مقابلة وضعت اسمه وارتباطه الوثيق بالنظام في دائرة الاهتمام الدولي.
في البداية لم تكن الاحتجاجات تهدف إلى الإطاحة بالنظام أو رئيسه، بل كانت عبارة عن دعوات ضد الفساد.
تنازل رامي عن كل أسهمه في شركة سيريتيل لصالح شركة راماك للتنمية والمشاريع الخيرية، وهي مؤسسة خيرية تقدم المساعدات لعائلات المقاتلين الذين سقطوا في الحرب إلى جانب النظام. كما وظّف أبناء العائلات العلوية في شركاته التجارية أو في الميليشيات التي يمولها.
في المناطق ذات الأغلبية العلوية يُشار إليه باسم (الأستاذ)، وهو لقب يعني بالعربية سيد أو مدرّس، ويُستخدم عادة كدليل على الاحترام. لقد اكتسب جمهوراً كبيراً بين العلويين الفقراء والطبقة الوسطى، ومع الشعبية تأتي السلطة.
شهدت الفترة بين 2011 و2013 ذروة قوة رامي، تلك القوة التي بدأت تثير غضب وغيظ أسماء، التي بدأت للتو بالتنفس بحرية بعد مغادرة والدة بشار وأخته لسوريا. نمى نفوذ الأستاذ وقام بتمويل النظام وميليشياته، مثل نسور الزوبعة والكميت، وهي ميليشيات كانت مسؤولة عن حماية مدن عدة وحماية حقول النفط في البلاد على التوالي، كما قام بتمويل المؤسسات الخيرية ودفع الرشاوى. كان الضباط الروس الأوائل الذين وصلوا سوريا على جدول رواتبه، فقد أراد أن يرسلوا تقارير إيجابية عن بشار الأسد إلى بوتين. لكن بوتين، وعندما شعر بالفساد، أرسل فريق تحقيق وقام بتغيير الطاقم بأكمله في سوريا كما تم تغيير القائد الروسي مرتين.
مع بداية الصراع عام 2011، غادر والد رامي إلى روسيا، حيث كانت روسيا الدولة الوحيدة الراغبة في المساعدة وبيع الأسلحة لنظام القتل في سوريا.
صعود أسماء :
كان هناك اضطراب في زواج بشار، فقد نشرت CNN في آذار – مارس 2012 عدة إيميلات مغازلة تلقاها بشار الأسد من عدد من النساء. استمر هذا الاضطراب لمدة عام ونصف، حتى تدخّل والدها لمعالجة الأمر بينهما. لتبدأ بعد ذلك في لعب دوراً أكثر أهمية وتبني امبراطورية تجارية مع عائلتها وتصبح السيدة الأولى. كان ذلك بمثابة بداية صعودها إلى السلطة بشكل أكثر وضوح، حيث بدأت تظهر بشكل شبه يومي على شاشة التلفزيون.
والدها، وهو شخصية رئيسية في العلاقات البريطانية السورية، لعب دوراً هاماً في الدعاية للنظام كما نظّم زيارة رئيس أساقفة كاننتربري لسوريا.
أزالت وفاة والدة بشار عقبة هامة من أمام أسماء وبقي أمامها رامي.
رغم أن رامي يتمتع بهدوء وبحياة بسيطة، مع قليل من الإفراط، إلا أن ولديه محمد وعلي، اللذان انتقلا إلى دبي، يعيشان حياة باذخة، حيث ظهرت في الحال صور حفلاتهم وطائراتهم الخاصة في كل مكان على وسائل التواص الاجتماعي، هذا الأمر أثر سلبياً على رامي كرجل أعمال رصين وملتزم بالنظام. تم حذف هذه الصور لاحقاً، لكن بعد أن أحدثت الضرر، حيث استخدمت أسماء تلك الصور وسلوك عيش أبناء رامي ضده.
طلبت روسيا، أوائل عام2019، من بشار الأسد مبلغ 3 مليارات دولار كثمن معدات عسكرية في منظومة الدفاع الصاروخي. كان بشار ، في ذلك الوقت، يُعد العدة للهجوم على إدلب وهو بحاجة إلى تمويل، لذلك طلب من ابن خاله رامي، الذي عادة ما يُقدم الأموال والولاء دون طرح أي سؤال، لكن رامي تقدم باقتراح غريب مفاده أن يتقاسم الدفع مع بقية أمراء الحرب اللذين يقفون مع بشار. كان هذا بمثابة رفع البطاقة الحمراء الذي استغلته أسماء لإثبات قضيتها مع رامي.
بداية، أوضحت أسماء لزوجها أن الثروة كلها تتركز بيد رامي، وهل يضمن بشار أبناء رامي أن يكونا مخلصين لأبنائها ويدفعون المال عند الطلب منهما؟ وهل سيحافظ أبناء رامي على ميثاق  الأسد – مخلوف الذي أقامه حافظ مع محمد؟ كما اعترضت على دور رامي والذي برأيها ليس إلا وسيط، وتعتقد أنها، كمصرفية سابقة، لديها الخبرة والدراية في الشؤون المالية ويمكنها عقد الصفقات والعثور على شركاء وعقد المؤتمرات ورشوة الناس، أي يمكنها لعب دور رامي ولا حاجة له بعد الآن. إضافة إلى ذلك كله فقد ضغطت بشرى الأسد على أخيها للحصول على حصتها من ميراث أبوها.
اقترحت أسماء تدقيق حسابات شركة سيريتيل مع منافستها MTN، المشغّل الآخر للمحمول في سوريا، والمملوكة جزئياً ليسار ونسرين إبراهيم، فوجدوا أن نفقات سيريتيل ضعف منافستها MTN، لكن رامي برر ذلك، من خلال مقاطع الفيديو، أن السبب هو دعمه وتمويله عمليات النظام، بعكس MTN التي لا تقوم بذلك.
انهيار الثقة :
على كل حال انهارت الثقة. في هذه العائلة المافيوية فإن انهيار الثقة يعني النهاية. أصبح بشار مرتاباً من ابن خاله القوي وبدأ حملة الاستيلاء والحجز على ممتلكات وأصول رامي، كما تم الطلب من سيريتيل دفع غرامة ضخمة بسبب التهرّب الضريبي، وأصدرت بورصة دمشق قراراً بتجميد أسهم رامي في 12 مصرف في سوريا. (كان محافظ البنك المركزي، الذي كان صديقاً لرامي، قد طلب من البنوك العاملة في سوريا إعطاء نسبة من اٍسهمها إلى رامي).
لم يكن دائماً رامي صامتاً في وجه محاولات وجهود أسماء لإقصائه، في عام 2019، وبعد أيام من تجميد أصول شركة آبار بيتروليوم، المسجلة في بيروت، تم اختطاف أحد أقرباء أسماء في بيروت، وتم اعتبار ذلك بمثابة تحذير لها بعدم  الذهاب بعيداً.
لم يكتفِ بشار بالغرامة على سيريتيل، والتي تعادل 65 مليون دولار، بل أنه يتطلّع إلى الاستثمارات الموجودة خارج سوريا. لقد كان النظام بحالة نزيف، فقد استنفدت العقوبات القاتلة موارده المالية وهو بحاجة إلى سد النقص في العملة الصعبة.
حصل رامي، الذي كان أيضاً خاضع للعقوبات، على الجنسية القبرصية عام 2011، لكن تم سحبها منه في 2012 على أثر إدراجه على اللائحة السوداء من قبل الاتحاد الأوربي. رامي كان مكشوفاً عالمياً وممتلكاته لم تكن سيولة كما أراد بشار. كما أن رامي شعر بالإهانة من أسماء بوصفها له بالوسيط بينما يرى نفسه الذراع الاقتصادي والمالي للنظام، وهو الذي نفّذ كل العمليات التي لم يرغب النظام بتنفيذها. وفي مقطع الفيديو الخاص به أشار إليها باستخدام العديد من التعبيرات والرموز العلوية مستهدفاً هؤلاء اللذين حول بشار.
كانت أسماء، ومنذ عام 2018، تمنح الامتيازات لحاشيتها، منحت ابن خالتها مهنّد الدباغ امتياز عقد البطاقة الذكية، التي من خلالها توزع الحكومة المساعدات للمحتاجين، كما منحت صديقيها يسار ونسرين إبراهيم الحق في الدخول في العديد من الشركات.
يتكهّن العديد من المحللين حول علاقة رامي مع روسيا وإيران، ولكن من الانصاف القول أنه على مسافة واحدة من كليهما. قبل 2015 لم يكن هناك وجود روسي كبير في سوريا، لذلك استخدم رامي الايرانيين في تدريب ميليشياته، كما أن تعاملاته التجارية مع إيران كانت محدودة. كانت هناك خطة لمنح رخصة لمشغّل ثالث لشركة إيرانية، لكن ذلك لم يتحقق.
عزز رامي، بعد 2015 علاقاته مع الروس وقدم لهم الرشاوى نيابة عن بشار. لكن الروس يستخدمونه الآن لإضعاف بشار بعد أن أثبت هذا الأخير أنه حليف صعب ومكلف ومنفصل عن الواقع.
سيستمر بشار، من الآن فصاعداً، بالضغط على رامي بهدف السيطرة على جميع ممتلكاته، وخاصة تلك التي خارج سوريا، وسيكون ذلك مهمة صعبة نظراً لانتشارها في العديد من البلدان وتحت أسماء مختلفة. وحالما يستطيع بشار تأمين ذلك سيتدخّل أفراد الأسرة والنخب العلوية المحترمة للتوسط  في صفقة مصالحة بينهما. من المرجّح أن يؤدي ذلك إلى تسوية سرّية نهائية تترك شيئاً لرامي  وتجبره على مغادرة البلاد.
بغض النظر عن كيفية توزيع الممتلكات فإن الوضع خاسر بالنسبة للنظام، لقد فقد ذراعه المالي ولاعب رئيسي ساعد بشار في الداخل والخارج، وبغض النظر عمن يحل محل رامي فإن الأمر سيستغرق الكثير من الوقت والخبرة والطاقة لإعادة بناء شبكته.
 
أيمن عبد النور: إصلاحي سوري بارز ورئيس تحرير AII4 SYRI ، رئيس منظمة (مسيحيون من أجل السلام) منظمة غير ربحية. الآراء الوارة في النص هي آراءه الخاصة.
ساهمت الدكتورة دانيا قليلات الخطيب في كتابة هذا المقال، الخطيب متخصصة في العلاقات الأمريكية، حاصلة عل درجة الدكتوراه في السياسة من جامعة إكستر، هي باحثة منتسبة في معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت.
--------------

(Middle East Institute - معهد الشرق الأوسط في واشنطن )


أيمن عبد النور- ترجمة : بسام جوهر
الجمعة 3 يوليوز 2020