فلتان أمني في دوما تحاول الشرطة السورية ضبطه مع الروس






دمشق - خليل هملو- خالفت مدينة دوما في الغوطة الشرقية للعاصمة السورية جميع القرى والمدن والبلدات التي سيطرت عليها القوات الحكومية من ناحية عدم السماح للجيش السوري بالدخول إليها، لتعد علامة فارقة تنظر إليها السلطات السورية بعين الريبة والخشية من احتمال خروجها عن السيطرة مجددا والانقلاب على القوات الحكومية.


 
مدينة دوما التي بقيت عصية على القوات الحكومية منذ عام 2012 سقطت في 14 نيسان / أبريل الماضي بعد معارك عنيفة اضطرت بعدها المعارضة المسلحة ممثلة بفصيل جيش الإسلام على القبول بالخروج منها ونقل مقاتليها إلى الشمال السوري وتحديدا جرابلس وعفرين التي سيطر عليها الجيشان السوري الحر والتركي ، منذ ايام دخلت الشرطة السورية إلى المدينة كحل وسط بين الأطراف التي شاركت في التفاوض بوساطة روسية.
ولم تكن دوما المدينة الأولى التي يغادرها مقاتلو المعارضة لكنها كانت الأولى التي لم يدخل إليها الجيش السوري؛ حيث اشترط مسلحو جيش الإسلام دخول الشرطة حصرا وعلى هذا الأساس غادرت المعارضة لتترك وراءها مدينة مدمرة في العديد من أجزائها نتيجة المعارك التي شهدتها مؤخرا ولاسيما القصف الجوي إضافة إلى تركها ما لا يقل عن 100 ألف مدني كانوا يعيشون في ظل حكم المعارضة منذ عام 2012.

يقول أبو محمد الساعور/ 54 عاما/ وهو من أهالي دوما "المتغير الوحيد بعد خروج مسلحي جيش الإسلام هو كسر الحصار المفروض على المدينة والسماح بدخول المواد الغذائية وغيرها من احتياجات السكان بطريقة ميسرة وعلنية في إشارة منه إلى الأنفاق التي كانوا يستخدمونها لتهريب احتياجاتهم طيلة السنوات الماضية".
ويضيف أبو محمد "كسر الحصار أفسح المجال لانخفاض الأسعار بشكل كبير وصل في بعض الأحيان إلى 95 % فبعد أن كنا نشتري كيلو السكر بــ 3000 ليرة أصبح الآن 250 ليرة سورية ناهيك عن توفر المواد الغذائية بمختلف أنواعها.
وتقع مدينة دوما في الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق، وهي المركز الإداري للمحافظة، وتقع إلى الشمال الشرقي من العاصمة دمشق وتبعد عنها بنحو 14 كيلومترا ، وتحتل موقعا مميزا في محافظة الريف وهذا يعطيها أهمية كبيرة بالنسبة لجميع المناطق والضواحي المجاورة، مع العلم أن محافظة ريف دمشق تحتل موقعا جغرافيا استراتيجيا، فهي تحيط بدمشق من جميع الجوانب وتبلغ مساحتها أضعاف مساحة مدينة دمشق، كما أنها تمتد من الحدود السورية الأردنية من الجنوب إلى الحدود السورية اللبنانية في الشمال.
جحيم دوما افضل من غيره
تغير الأسعار وانخفاضها بشكل كبير بعد خروج مقاتلي المعارضة لم ير فيه شخص في مدينة دوما وعرف عن نفسه بأن اسمه ابو أحمد شيئا مهما إذا عادت الأمور إلى الأحوال التي سبقت الثورة حيث قال"لم نقبل بالحصار لمدة 5 سنوات ونيف ولم نفقد منازلنا وارزاقنا ومزارعنا لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 2011" معربا عن تفاؤله في الوقت نفسه بأن "ما حصل كافيا لاتخاذ العبر والدروس لعدم تكرار الأخطاء السابقة".
وتابع أبو أحمد بالقول لن اقول أن "الحياة في ظل الحرب وسيطرة جيش الإسلام على المدينة لم تكن جحيما لنا؛ فقد عانينا الويلات من ذلك الواقع حيث تعرض الكثير من أبناء المدينة للخطف والتعذيب والتجنيد الإجباري والقتال في صفوف الفصائل المعارضة " مشيرا إلى أن بقاءه في دوما وعدم خروجه منها باتجاه ريف حلب جاء انطلاقا من قناعته بأن الواقع سيكون أكثر مأساوية في الريف الحلبي.

عدم السماح بدخول قوات الجيش السوري إلى مدينة دوما تباينت حوله أراء سكان دوما بين مرحب ومعارض حيث رأى سمير خيتي / 59 عاما/ أن دخول الشرطة المدينة السورية "كان قرارا صائبا لمنع حصول أي احتكاك بين الأهالي وعناصر الجيش الذي بقي حتى الأمس القريب يستهدف المدينة بالطيران وراجمات الصواريخ" بحسب تعبيره.
ويستدرك" ربما مع مرور الأيام يزول الاحتقان الشعبي في دوما وتدخل قوات الجيش إليها بشكل اعتيادي ولكن هذا الأمر يحتاج إلى أشهر وربما سنوات" ويضيف" الأهالي هنا رحبوا بالشرطة المدنية وابدوا استعداداهم للتعاون معها لإرساء الأمن والاستقرار في عموم المدينة لأنهم يشعرون بأن رجال الشرطة هم ابناؤهم".
وقال محمد عزيز / 37 عاما/ "خرجت زوجتي واطفالي الثلاث مع الدفعات الاولى التي غادرت مدينة دوما عبر مخيم الوافدين حيث اقامت عدة أيام في صالة الفيحاء الرياضية ثم قدمت شقيقتها واخذتها إلى منزلها في دمشق ومنذ أكثر من شهر وأنا أطلب من الهلال الاحمر أن يعيد لي زوجتي واطفالي ولم تعد إالى الآن، ولا يمكنني مغادرة دوما للذهاب الى دمشق ".
ويضيف عزيز " هناك المئات من اهالي دوما كحالتي ، ارسلنا النساء والاطفال عبر معبر مخيم الوافدين خوفاً عليهم خلال المعارك ، على أمل أن يعودوا في أسرع وقت ولكن أغلبهم ما زالوا في مركزي الدوير والحرجلة في ريف دمشق وننتظر وعود الهلال الاحمر والشرطة الروسية التي لا ترد ".
دوما فوق ودوما تحت ...

على مدى السنوات الست الماضية عمل جيش الاسلام على تجهيز انفاق في أغلب مدن وبلدات الغوطة الشرقية التي كان يسيطر عليها إلى جانب عدد من الفصائل الأخرى خوفاً من القصف الجوي والصاروخي الروسي والسوري، فقد جهزت المدينة بشبكة أنفاق تعتبر مدينة متكاملة من حيث المشافي والمراكز الخدمية وصيانة السيارات ، وكشف الجيش السوري عن وثيقة تعود لهيئة الأشغال والخدمات العسكرية لـتابعة لجيش الإسلام في مناطق مختلفة من الغوطة الشرقية، وبلغ عدد الأنفاق في قطاع دوما 26 خندقا البعض منها يمتد مئات الامتار ".
أم سامر السليمان /55 عاما/ قالت "كنا نفضل دخول قوات الجيش إلى المدينة لأنها الأكثر قدرة على ضبط الأوضاع فيها بعد الفلتان الأمني الذي تعيشه منذ ترحيل قوات المعارضة التي تركت فراغا كبيرا في الجانب الأمني... الشرطة غير قادرة على ذلك".
ودعت أم سامر السلطات الحكومية إلى السماح للمدنيين الذين خرجوا من دوما خلال الأسابيع الماضية بالعودة إلى دوما وذلك حرصا على أملاكهم وبيوتهم في المدينة لأنهم الأكثر قدرة على حمايتها ومنع تعرضها لأعمال السرقة واللصوصية.

وخرج من مدينة دوما عبر مخيم الوافدين القريب منذ 28 شباط/فبراير الماضي أكثر من 12 الف مدني هربا من العمليات القتالية والاشتباكات بين المعارضة المسلحة والقوات الحكومية التي قامت بنقلهم إلى مراكز ايواء في ريف دمشق.
ويرى العديد من أهالي دوما أن اهتمام السلطات الحكومية بالمدينة أقل من مثيلاتها في الغوطة الشرقية كحرستا مثلا حيث أبدى محمود الشغري /51 عاما / استغرابه من الدخول الخجول للورشات الحكومية إلى المدينة حتى الآن وقال "لم نر حتى الآن ورشة كهرباء أو مياه تعمل في المدينة وذلك على عكس باقي البلدات والمدن الأخرى التي وصلت إليها الورشات بشك مكثف".
أما محمد راتب /59 عاما/ فقد اعتبر أن القوات الحكومية معذورة في تأخير ورشاتها بسبب الحالة الأمنية غير المستقرة وتخوف العديد من الورشات من الدخول واحتمال تعرضها للاعتداء من الخارجين على القانون.
ويضيف " الشرطة العسكرية الروسية وإذا كان لها دور كبير في ضبط الأمن داخل المدينة فإنها تبقى غريبة ومن الأفضل إعطاء الصلاحيات للشرطة السورية التي تستطيع تلبية احتياجات المواطنين وفهم طبيعتهم أكثر من غيرها."
وأدخلت القوات الحكومية بعد سيطرتها على مدينة دوما شاحنات محملة بمواد مختلفة إلا أنها تعرضها للنهب والسرقة من السكان الأمر الذي أجبرها على التريث في إدخال المزيد من موادها إلى المدينة.
ويبرر محمد رجب /56/ عاما تعرض الشاحنات للسطو من الأهالي إلى حالة الجوع والحرمان التي يعيشونها منذ أكثر من 5 سنوات واستهجن توقف السلطات الحكومية عن إدخال شاحناتها بناء على هذا الحادث العرضي الذي لا يعبر عن أخلاق أهالي دوما وعاداتهم.
ودعا السلطات الحكومية إلى تفهم الحالة النفسية للمواطنين والحصار الذي عاشوه خلال السنوات الماضية ، وعدم النظر إلى عدم السماح للجيش بدخول المدينة على أنه سبب للتعامل مع المدينة وسكانها بطريقة مغايرة عن اقرانها من البلدات والقرى في الغوطة.
 

خليل هملو
الجمعة 18 ماي 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث