"كان يسكن هنا" كتاب إسباني يتحدث عن دراما الإخلاء القسري



مدريد - تمثل المفارقة بين الحق في السكن ودراما الإخلاء القسري التي راح ضحيتها الكثيرين في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، أحد الملامح الأكثر قسوة للأزمة التي عصفت بالبلاد منذ عام 2008، وتصدى لسرد وقائعها من منظور مختلف وبالغ التأثير كلا من إيزاك روسا وكريستينا بوينو من خلال كتاب "كان يسكن هنا".




وقد تم تصميم الكتاب على هيئة روايات الكوميكس، ليكون الأول من نوعه ضمن سلسلة تعتزم إصدارها دار نشر "نوبي دي تينتا" أو "سحابة حبر"، وهو عمل ذو مضمون اجتماعي، قام بتحرير نصوصه إيزاك روسا وتولت كريستينا بوينو تصميم الرسومات.

فقدان المسكن بسبب العجز عن سداد أقساطه، إضافة إلى تفاق أزمة البطالة، والتي تجاوزت في الوقت الراهن معدل الـ20%، أقسى مظاهر الأزمة التي طالت غالبية الشعب الإسباني، حيث أصبحت كثير من الأسر في الشارع ومثقلة بديون لا تقوى على سدادها، نظرا لأن إخلاء المنزل لم يكن يعني تسوية الديون المستحقة.

يحكي إيزاك روسا لـوكالة الأنباء الألمانية ( د. ب. أ) كيف تناول هذه الظاهرة بالغة القسوة من منظور مختلف، عن أسلوب سرد الوقائع المتبع في الأخبار أو ما تعرضه حركة المقاومة التي أسسها المتضررون من قضايا الرهن العقاري أو (PAH)

يستعرض كتاب "كان يسكن هنا: قصة إخلاء قسري" القضية على لسان فتاة مراهقة، تذهب لتعيش، بدون أن تدري في منزل كان مملوكا لأسرة تم إجلائها منه، وبالرغم من أنها لا تعرف شيئا عن هذه الأسرة، إلا أنها تبدأ في التواصل مع أفرادها شيئا فشيئا، لتنبش في أسرار هذا الماضي المبعثرة تفاصيله في أرجاء المنزل، ولكن ليس من منطلق الحنين للماضي، بل للبحث عن مستقبل وسط كل هذه الضبابية.

(د ب أ) - كيف نشأت فكرة مشروع الكتاب؟ إيزاك روسا: كنت قد كتبت مقالات، وقصتين، وتواصلت مع حركة المقاومة ضد الإخلاء القسري، وكنت أبحث عن قصة لأرويها، ليس فقط عن الإخلاء القسري، ولكن من داخل تفاصيل المقاومة، وحين عرضت علي "نوبي دي تينتا الأمر"، وجدت الفرصة سانحة لطرح الفكرة مستعينا بعالم الكوميكس والروايات المصورة، نظرا لسهولة وصولها للقارئ من منظور مختلف.

(د ب أ)- كيف كانت تجربة العمل المشترك؟ روسا: بالرغم من أن عملي اقتصر على كتابة النصوص فقط، إلا أن عملي كان مرتبطا بعمل كريستينا. أعددت التصور الأولي للرواية، وأخذت كريستينا تعمل عليه، وتضيف إليه من منظورها، فأقوم بإدخال التعديلات المناسبة.

(د ب أ) - لماذا وقع اختيارك على الرواية المصورة؟ روسا: أردت في البداية تحييد العناصر النمطية البديهية. حين نفكر في الإخلاء القسري، نفكر في اسرة يتم طردها من مسكنها، وكذلك في قصة محزنة، مؤلمة، ومن ناحية الجرافيك، يكون التصور بالأبيض والأسود. فقررنا الابتعاد عن هذه العناصر. في البداية ومن حيث المنظور قررنا التعامل مع عنصر خارج الأزمة، لم يتأثر بها. أما من حيث التصميم، نحينا جانبا النمط التقليدي، وقررنا التعامل بالألوان ولكن من خلال رسومات لا تجرح مشاعر أحد ولكنها واصحة، أكثر دفئا وأكثر ودا، تشع إضاءة تمضي بالقارئ في مسار لم يكن يتوقعه عن هذه القضية.

(د ب أ) - يستعرض الكتاب صورة إيجابية للمقاومة. روسا: حينما تقترب من الجموع التي تمد يد العون للضحايا، تكتشف جوانب أخرى، وهذا هو الجانب المشرق في الأزمة، ومن ثم قررنا أن يقدم الكتاب جوانب إيجابية وبصيص أمل. حين تشارك في أحد اجتماعات (PAH ) تجد الناس تبكي، ولكن هذا ليس كل شئ هناك أيضا الكثير من الابتسامات. يأتي الناس وهم في اسوأ لحظات حياتهم، لحظة فقد مسكنهم، وفجأة يجدون أنهم ليسوا بمفردهم في مواجهة الأزمة، ويجدون الدعم الذي يحتاجونه.

(د ب أ)هل يشعر المواطن أن أسوأ ما في الأزمة قد انتهى؟ روسا: كان هذا شعوري حين كنت أعمل على الكتاب، وذهبت إلى أحد الاجتماعات في برشلونة، والتي بالمناسبة كانت أول مدينة تشهد إنشاء مقر لحركة المقاومة، واندهشت أن المقر لا يزال يستقبل العشرات من المواطنين. أخبروني بأنهم على الرغم من أنهم يشعرون أنهم طووا الصفحة وأنهم تدبروا أمرهم، إلا أن الأمر المؤكد أن عمليات الإخلاء لا زالت تحدث يوميا، ربما تراجعت قضايا الرهن العقاري، ولكن لا يزال الإخلاء يطول الكثيرين.

(د ب أ) - افاد تقرير نشر مؤخرا أن المجتمع الإسباني ظهر أقوى مما كان متوقعا في وجه الأزمة، هل ترى الأمر على هذا النحو؟ روسا: مقاومة عمليات الإخلاء القسري أعطت مثالا يحتذى، ولكنه أمر استثنائي. اتصور أنه لا يمكن تعميمه على كافة أطياف المجتمع المدني، بل اعتقد أنه لو أن المجتمع المدني بالكامل كان لديه نفس القدر من التنظيم الذي رأيناه مع قضية الإخلاء القسري، لكانت مقاومتنا أفضل بكثير تجاه قوانين سوق العمل، ولما بلغت البطالة هذا الحد ولما بقى أحد في الشارع، ما حدث في قضية الإخلاء كان بفضل حركة المتضررين من الرهن العقاري.

(د ب أ) - ولماذا تعقتد أن الأمور صارت إلى ما صارت إليه؟ روسا: مشكلة المسكن في إسبانيا أعمق من ذلك بكثير، تمتد لتشمل الشباب الذين لم يعد بوسعهم مغادرة منزل الأسرة، أو الذين خنقتهم الأزمة ولم يعد بمقدورهم سداد أعباء المنزل. كنت أحب المنزل كمكان له وجود مادي، ولكن أحب أيضا وضعه كمكان للتأمل حيز مركزي في حياتنا، وعاء لذكرياتنا المختلفة التي ارتبطنا بها والتي تشكل هويتنا مع الزمن. المنزل يحتفظ بذكريات من عاشوا به، ومن هنا يأتي ألم الفقد الذي يحطم من يتعرض لهذه الأزمة. عنوان الكتاب "كان يسكن هنا" يجمع بين الذكريات التي نعيشها فتصبح جزءا من المدينة بشوارعها ولافتتها وحكامها ومثقفيها وأبطالها. (د ب أ)ط ز / ب ت 2016

رومينا لا روسا
الاربعاء 11 ماي 2016


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan