مدارس على خط النار في ليبيا





طرابلس - أشرف العزابي- في كانون أول/ ديسمبر عام 2011 ، وبعد نهاية أحداث الثورة الليبية، ومع انطلاق أول موسم دراسي؛ حدثني صديق يعمل معلماً عن صدمته حين تفاجأ بالتحاق بعض طلبته بمليشيا مسلحة قرب المدرسة طمعاً في المال والسلاح والهيبة؛ وأبدى خشيته من استقطاب المزيد. دفعني وقع الصدمة حينها إلى حيث درست مرحلة الثانوية مستفسراً عن الأوضاع، وحال توجيه السؤال لمدير المدرسة، مد يده لأحد الأدراج وأخرج سكينا كبيراً ومسدساً من عيار 6ملم؛ وقال: "قد تعطيكَ هذه فكرةً عما آلت إليه الأحوال هنا، هذا ما تمكنّا من مصادرته من بعضهم اليوم فقط؛ وما خفي كان أعظم".


 وفى تموز/ يوليو 2018، خلال امتحانات النقل النهائية بالمرحلة الثانوية وبعد مضي سبع سنوات من الوضع الأمني المتدهور، يُقِر اليوم أحد حرس المنشآت التعليمية " فتحي بلحاج " بتغير درامي في الأمر حين قال لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "لم تشهد المدرسة التي أعمل بها أي مصادرة للأسلحة من الطلبة خلال السنوات الماضية، والسر ليس في عدم وجود السلاح، بل في عدم قدرتنا على مصادرته، فمع زيادة انتشاره والعنف المصاحب له، بتنا نخشى على أنفسنا ونغض الطرف عن الكثير من التجاوزات".ويضيف: "لا أحد يستطيع فعل شيء لطالب مسلّح يستطيع إحضار المزيد من المسلحين بمكالمة هاتفية، ليس أمامنا إلا المهادنة والنصح، فاليوم مثلاً استطاعت الإدارة افتكاك مسدس من أحد الطلبة لتعيده له بعد انتهاء الامتحان".
وعن التزام المهادنة والنصح فقط وتأثيرهما يقول أ. سعود ،مدير الامتحانات بإحدى المدارس الثانوية لـ (د. ب. أ)، "لعل ذلك ساعد إلى حد ما في السيطرة على تصرفات بعض المسلحين من الطلبة ودفعهم للتلويح بالسلاح فقط دون استخدامه، لكن التأثيرات السلبية لا تُعد، وأولها دون شك التدهور غير المسبوق في التحصيل العلمي وفرض الغش بالقوة وممارسته جهاراً نهاراً في العديد من المدارس، مما أوصلنا لنسب نجاح خيالية في الشهادة الثانوية؛ لا تعكس الواقع؛ ولم تهبط دون 82% خلال الأعوام الماضية".
ويخشى سعود من أن يصبح الغش الذي اعتاده الطالب والمعلم معاً "حسب وصفه" هو القاعدة ويصير تداول العلم وطلبه شذوذاً عنها. يقول وهو يلملم أوراق الإجابة الخاصة بامتحانات النقل بالمرحلة الثانوية لهذا الموسم "أعلم أن أغلب هذه الأوراق مغشوشة بأيدي بعض الطلبة والمعلمين أيضاً؛ وما بيدي الكثير من الحيل؛ فالفساد استشرى في النظام التعليمي؛ ولا يستطيع من لا يريد ذلك تغيير الكثير، ففي شهر رمضان الماضي مثلاً؛ وعندما شطبت بالقلم الأحمر على ورقة أحد الغشاشين في الامتحان؛ قال لي مهدداً: لو لم نكن في شهر الصيام لكان لي معك تصرف آخر".

ويبدي سعود تعجبه من بعض السلوكيات المستحدثة قائلاً "بعض الطلبة صاروا يتكاسلون حتى عن الغش مع توفر الفرصة لذلك خلال الامتحان، وبعضهم وصل من الجهل لعدم القدرة على نقل الإجابة مباشرة من الكتاب مع توفره بالمخالفة، ويقوم في المقابل بإجبار الطلبة المتفوقين على أن يكتبوا له الإجابة؛ ويقومون بذلك في الغالب اتقاءً لشره؛ ولا يجرؤ معظمهم على الشكوى للإدارة، ربما لمعرفتهم المسبقة بقلة الحيلة".

وتصف معلمة الكيمياء "عزيزة العجيلي" ما يحصل في أغلب المدارس بـ"الكارثة"، وتتهم من يساعد على الغش من المعلمين بالوقوف وراءها، وتقول في لهجة استغراب لـ (د. ب. أ) "قد لا تصدقني حين أقول: إن أحد الطلبة سألني بالأمس عن المادة التي سيخوض فيها الامتحان قبل خوضه بدقائق، وحين استعجبت سؤاله الأحمق؛ تذكّرت من كانوا مثله في الأعوام الماضية ونجحوا بسبب الغش".

قصص كثيرة صارت تُحكَى عما يجري داخل بعض المدارس وحولها، يفصح بعضٌ من طلبة "مدرسة بيت المقدس الثانوية للبنين" بمنطقة "الحي الصناعي" في طرابلس لـ (د. ب. أ) عن المشاحنات الحقيقية التي يقولون إنها "تحدث خارج أسوار المدرسة"؛ وعن استعمال الأسلحة النارية وتعاطي المخدرات والاستعانة بالعصابات، ويسرد نائب مدير المدرسة "حسين منصور" لـ (د. ب. أ) قصة نجاته بعد تتبّعه من سيارة مسلحة أثناء نقله درجات الامتحانات النهائية في العام الماضي، وتستحضر أخصائية اجتماعية بالمدرسة لـ (د. ب. أ) قصة نجاتها من محاولة دهس بسيارة أحد الطلبة المشاغبين بسبب معاقبتها له بعد تهديده لزملائه، لم يستطع حتى مركز شرطة المنطقة أن يقتص لها من الطالب المسلّح، واكتفت المدرسة بطرده، ليكتفي هو بانتقام بسيط عبر تهشيم سيارة زوج الأخصائية؛ وينتقل بعدها لمدرسة خاصة.

ومع ما تعرضت له، تلتمس الأخصائية "راضية أبودينة" بعض العذر للطلبة، وعندما رافقتني في جولة داخل المدرسة هالني ما رأيت، فلا شيء داخلها يغري على البقاء، كانت كتلة من الخراب يقصدها معلمون وطلبة علم، أبواب وشبابيك مهشمة تمنح براحاً للمطر والصقيع شتاء، وللحر والحشرات صيفاً، تَغِيب الكهرباء والمياه وتحظر أكوام القمامة، ولا ترى حولك أي شيء يشبه المرافق العامة.

تقول "أبودينة" لـ (د. ب. أ) لهذا أعذر الطلبة الصغار، فأذهانهم المشتتة والغائبة، سببها ما تمر به كل البلاد من ظروف استثنائية كهذه المدرسة، وهذا ما يدفعهم لاختيارات استثنائية خاطئة تؤدي إلى التصرف بحماقة، فالوضع الأمني السيئ يدفع بعض الطلبة إلى انتهاج العنف وحمل السلاح والتعاطي؛ والوضع الاقتصادي يدفع آخرين إلى العمل المنهك بعد الدراسة، وكل هذا يجعلهم غائبين عن واقع التحصيل العلمي.

سألت الأخصائية عن أشياء إيجابية، فقالت: " أولياء الأمور المهتمون والطلبة المجتهدون موجودون دائماً؛ وإن كان بنسب أقل، كما أن مدارس البنات أفضل حالاً؛ فهن أقل عنفاً بكثير؛ وأكثر طلباً للعلم، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المدارس الخاصة والجامعات ، ولكن الأمور سيئة بوجه عام.

لم يخف كل من حاورتهم وكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ) إقرارهم بسوء وضع المدارس في ليبيا وتأثره بالانفلات الأمني؛ ولعل هذا الحال هو ما دفع وزير التعليم المفوّض بحكومة الوفاق الوطني " عثمان عبد الجليل " لإصدار قرار غير مسبوق صاحبه كثير من الجدل، ويقضي القرار بإجراء امتحانات الشهادة الثانوية النهائية لموسم 2018 داخل حرم الجامعات وبإشراف من أعضاء هيئات التدريس فيها ومتابعة مباشرة من مديريات الأمن.

أشرف العزابي
الخميس 9 غشت 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan