هل تونس النموذج الناجح في الربيع العربي؟





رصدت سارة فيور، وهي زميلة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أهم العقبات التي تواجهها تونس، مهد الربيع العربي، والتي لا تزال تشق طريقها بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، التي أطاحت بالديكتاتور زين العابدين بن علي.

وقالت الكاتبة في مقال نشرته مجلة «فورين آفيرز» الأمريكية: «في 23 مايو (أيار)، بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدأ جولته الأولى في الشرق الأوسط، ظهرت تطورات أقل إثارة، ولكنها ربما تخلف نتائج أكثر أهمية في تونس. عقب أشهر من تزايد الاضطرابات الاجتماعية والمأزق السياسي وتفجيرات الثورة الثانية في مهد الربيع العربي، أعلنت حكومة رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد (حربًا شاملة ضد الفساد)».


  بيان الشاهد، الذي أعقب اعتقال ثلاثة رجال أعمال بارزين، وموظف جمارك، أشار إلى بدء حملة أوسع نطاقًا ضد حالات الكسب غير المشروع التي ينظر إليها بشكل متزايد داخل تونس باعتبارها التهديد الرئيس لإرساء الديمقراطية في البلاد. ومنذ 23 مايو (أيار)، اعتقلت الدولة واستولت على أصول نحو 12 شخصًا إضافيًا متورطين في جرائم الكسب غير المشروع وعميات تهريب وجرائم ذات صلة.
إن تونس أحرزت تقدمًا ملحوظًا منذ الإطاحة بنظامها الديكتاتوري قبل ست سنوات. ومع ذلك، فإن الفساد المتفشي منذ عام 2011 جعل التونسيين يشعرون بالضجر من وصف بلادهم بقصة نجاح الربيع العربي.
وأظهر استطلاع للرأي أجري في أبريل (نيسان) الماضي من قبل المعهد الجمهوري الدولي، وهو منظمة غير حكومية، أنه على الرغم من أن الغالبية التونسية ما زالت تعتقد أن الديمقراطية أفضل من جميع أشكال الحكم الأخرى، فإن ثلثي السكان لا يعتبرون أن تونس قد أنجزت ديمقراطية كاملة حتى الآن. وفي الواقع، فإن الانتقال إلى الديمقراطية لم يكتمل بعد، ويواجه البلد الصغير عددًا من التحديات التي تستدعي الاهتمام الدولي.
بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي في عام 2011، اختار المشرعون المصالحة من خلال منح العفو لآلاف السجناء السياسيين الذين خالفوا نظام بن علي. كما قررت حكومة ما بعد الثورة عدم استبعاد أعضاء حزب بن علي الحاكم من النظام السياسي الناشئ. وكان هذا قرارًا محفوفًا بالمخاطر سياسيًا ونفسيًا، ولكنه أنقذ البلاد من العنف الانتقامي الذي شهدته ليبيا وأماكن أخرى، بحسب ما ذكرت الكاتبة.
 

الأوضاع الأمنية

ومع سقوط بقايا الدولة الأمنية، أصبحت المساجد أماكن للعبادة المفتوحة، وأشاد التونسيون بقدرتهم على ارتداء الملابس التي تعكس الهوية الدينية علنًا ​​للمرة الأولى منذ عقود. خلال اللحظات الأكثر خطورة في المرحلة الانتقالية، عندما اشتبك الحزب الإسلامي المهيمن، حزب النهضة، وخصومه في الهيئة التشريعية الوطنية حول كيفية التعامل مع التهديد الإرهابي، وتحقيق التوازن الصحيح بين الدين والدولة، أطلقت جماعات المجتمع المدني الرئيسية حوارًا وطنيًا للمساعدة في الوساطة.
وعلى مدار ما يقرب من ثلاثة أشهر، عقدت النقابات العمالية والقطاعات الخاصة الرائدة في البلاد، ونقابة المحامين التونسية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، مناقشات بين ممثلي الأحزاب الرئيسة للوصول إلى حل توافقي. وعلى الرغم من أن هذه العملية اقتربت من الانهيار في عدة نقاط، إلا أن الحوار ساعد في نهاية المطاف الأطراف المتصارعة على التوصل إلى تسوية.
بيان الشاهد، الذي أعقب اعتقال ثلاثة رجال أعمال بارزين، وموظف جمارك، أشار إلى بدء حملة أوسع نطاقًا ضد حالات الكسب غير المشروع التي ينظر إليها بشكل متزايد داخل تونس باعتبارها التهديد الرئيس لإرساء الديمقراطية في البلاد.
وافقت الحكومة التي يهيمن عليها حزب النهضة على التنحي عن السلطة، ووافقت الفصائل البرلمانية على الدستور الجديد، وتم تنصيب حكومة تكنوقراطية في يناير (كانون الثاني) 2014 لوضع الأساس للانتخابات الوطنية في وقت لاحق من ذلك العام. وعندما أسفرت تلك الانتخابات عن فوز باهر لحزب نداء تونس المعارض للإسلاميين برئاسة الرئيس الحالي قائد السبسي، قبلت أحزاب نداء تونس والنهضة بالنتائج وشكلت حكومة ائتلافية، مشيرة إلى ضرورة التوصل إلى توافق في الآراء خلال المرحلة الانتقالية.
ولكن الكاتبة رأت أن هذه القرارات الحسنة الجديرة بالثناء لم تسفر عن نتائج إيجابية. فالإفراج عن الآلاف من السجناء السياسيين، على سبيل المثال، لم يفد منه عشرات المعارضين الذين لا ينتهجون العنف، بل استفاد منه أيضًا العديد من الجهاديين المتشددين الذين استمروا في التحريض على العنف، وتوجيه ما يقدر بنحو 6 آلاف تونسي متطرف إلى العراق وليبيا وسوريا للقتال لصالح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وغيره من الكيانات الإرهابية. وبالمثل، فإن الترحيب بسيطرة الدولة على المؤسسات الدينية التونسية فتح المجال أمام المتطرفين الإسلاميين للتبشير بأيديولوجياتهم البغيضة.
ورصدت الكاتبة حالات من الضعف الأمني الذي عانته تونس خلال سبع سنوات مضت. منذ عام 2011. شهدت تونس هجومًا ضد السفارة الأمريكية، وحادثتين من الاغتيالات السياسية، وعشرات الاعتداءات المرتبطة بالقاعدة على المنشآت العسكرية على طول الحدود الجزائرية، وهجومين إرهابيين كبيرين على السياح على يد مسلحين تابعين لتنظيم داعش.
في الأشهر التي أعقبت ثورة عام 2011، غمرت المحاكم التونسية حوالي 1500 قضية رشوة ضد نحو 5 آلاف موظف حكومي كانوا يعملون لدى بن علي، وتم السماح لهم بالاحتفاظ بوظائفهم بعد الثورة.
وكما هو الحال في الغرب، فإن البلاد تكافح من أجل تحقيق التوازن بين الالتزام بالحرية الدينية وضرورة الحفاظ على الأمن، ولكن على عكس الدول الغربية، فإن ديمقراطيتها لا تمتد إلا لست سنوات فقط. وعلى هذا النحو، لم يتم بعد إنشاء العديد من المؤسسات التي يمكن أن تساعد في المهمة، والتي تم تحديدها في الدستور الجديد.
وظلت ظروف المعيشة في المناطق الداخلية للبلد راكدة أو ساءت منذ الربيع العربي. في لحظات مختلفة، بما في ذلك في الوقت الحاضر، أثرت الإضرابات سلبًا على إنتاج الفوسفات في البلاد، وصناعات النفط والغاز. وقد تم تأجيل الانتخابات المحلية مرارًا وتكرارًا. وقد استقال شفيق سارسار، رئيس لجنة الانتخابات المستقلة فى البلاد، معربًا عن غضبه حيال الضغط والتدخل من الرئاسة.

أقطاب النظام السابق

وفقًا للكاتبة، فإن السماح لأعضاء النظام السابق بالإفلات من العقاب – باستثناء بعض الجناة في دائرة بن علي الداخلية – خلق أيضًا صعوبات غير متوقعة. في الأشهر التي أعقبت ثورة عام 2011، غمرت المحاكم التونسية حوالي 1500 قضية رشوة ضد نحو 5 آلاف موظف حكومي كانوا يعملون لدى بن علي وتم السماح لهم بالاحتفاظ بوظائفهم بعد الثورة. ويلزم قانون العقوبات في البلاد موظفي الخدمة المدنية الذين ثبتت إدانتهم بإعادة الأموال المسروقة، بالإضافة إلى أحكام بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاث وست سنوات.
ولكن في العديد من هذه الحالات، لم يتمكن المدعون العامون من حساب الأضرار الدقيقة أو إثبات النية الضارة للمتهمين الذين اتبع كثير منهم ببساطة أوامر رؤسائهم. وشلت هذه الحالات الحكومة منذ أصبح البيروقراطيون يخشون التوقيع على الوثائق واتخاذ القرارات، خشية أن يصبحوا غير مسؤولين عن غير قصد. كما توقف الاقتصاد بسبب استمرار عزوف الشركات عن الاستثمار في سوق سيئة التنظيم، وفق ما رصدته الكاتبة.
ومن ثم، طرأت فكرة مشروع قانون «المصالحة الاقتصادية» الذي يسمح للأفراد المتورطين بتسديد بعض مكاسبهم غير المشروعة على الأقل مقابل التنازل عن المسؤولية والإعفاء من عملية العدالة الانتقالية الموازية التي تستهدف مرتكبي المخالفات في ظل النظام السابق. وكان الأمل في أن هذا القانون سيجعل البيروقراطية المستنيرة تعمل مرة أخرى وتحفز رجال الأعمال المترددين على الاستثمار في الاقتصاد الهش، لكن المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية عارضوا بشدة المخطط الأساسي للخطة؛ لأنهم اعتبروه عفوًا عن الفاسدين.
 

توافق الآراء

تابعت الكاتبة بقولها: «ثمة نتيجة أخرى غير مقصودة تتعلق بالتركيز على توافق الآراء. رجح علماء السياسة الذين يدرسون التحول الديمقراطي منذ فترة طويلة أن تنجح المراحل الانتقالية التي تتم بعيدًا عن السلطة الاستبدادية عندما تتميز بمفاوضات توافقية بين نخب النظام السابق والحرس المؤيد للديمقراطية، ولكن في تجربة تونس، أدى الإصرار على توافق الآراء إلى حالة من الشلل، وفي بعض الحالات قوضت الآليات المصممة لإدارة الخلافات في السياسات».
وقالت الكاتبة: إنه لا توجد دلائل على أن هذه العقلية ستتغير في أي وقت قريب. في الخطب التي تخلد ذكرى الثورة، يبرز السبسي بشكل روتيني الإجماع باعتباره عنصرًا ضروريًا للانتقال. ونقلت الكاتبة ما ذكره رئيس المكتب السياسي لحزب النهضة نور الدين عرباوي، الذي قضى 17 عامًا في أحد سجون بن علي لانتمائه للحركة الإسلامية، الشهر الماضي من أنه – وحرصًا على الاستقرار – سيستمر حزبه في الدعوة إلى توافق الآراء. وقال عرباوي: إن التونسيين يتفقون بشكل عام على أن التحول الديمقراطي يستغرق وقتًا.

المساعدات الأمريكية

قالت الكاتبة: إن وزارة الخارجية الأمريكية كشفت النقاب عن ميزانيتها لعام 2018 في 23 مايو (أيار) الماضي. وإذا ما تمت الموافقة عليه، فإنها ستقلل إلى حد كبير تمويل برامج المساعدة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وستعيد توجيه المعونة من البلدان التي تعمل بشكل جيد نسبيًا إلى البلدان التي تعاني من أشد الظروف سوءًا. أما تونس، التي تقع في المجموعة الأولى، فستشهد خفض مساعدتها بنسبة 67%، من 165 مليون دولار إلى 54 مليون دولار.
ورأت الكاتبة أن حقيقة أن تونس لم تشهد حادثًا أمنيًا كبيرًا منذ مطلع عام 2016 يبدو أنه قد أقنع البعض في الإدارة الأمريكية الحالية بأن البلاد تستطيع أن تفعل ما يكفي من تلقاء نفسها، لكن الأدلة تشير إلى أن هذا الافتراض خاطئ، بحسب الكاتبة.
لعبت المساعدة الأمريكية دورًا هامًا في العودة بتونس خلال اللحظات الأكثر قتامة، وساعدت على الحفاظ على عملية انتقال معقدة. في عام 2013، أفادت التقارير أن يعقوب واليس، وهو السفير الأمريكي لدى تونس، لعب دورًا رئيسًا وراء الكواليس للتوسط في النزاع بين الفصائل السياسية المعارضة.
ساهم التدريب الأمريكي للشرطة التونسية في العام التالي في المساعدة على نزع فتيل الوضع المتقلب في أوائل عام 2015 عندما اندلعت أعمال الشغب في الجنوب. لم يساعد تمويل الولايات المتحدة لبرنامج تدريبي في البرلمان التونسي فقط المسؤولين المنتخبين على تقديم التشريع المسبق، ولكن كان له الفضل أيضًا في إدخال مفهوم البحوث غير الحزبية في خدمة السياسة العامة.
وقد مكنت المساعدات وزارات الداخلية والعدل والدفاع في تونس من البدء في تحديث وتبسيط عملياتها؛ مما ساهم في منع المقاتلين المتطرفين من التوجه إلى العراق وسوريا.
اختتمت الكاتبة بقولها: «بالنسبة للبعض، قد تكون تونس صغيرة جدًا حتى تستدعي اهتمامًا كبيرًا، ولكن إذا كان الخيار الذي يواجه صانعي السياسة الخارجية في كثير من الأحيان بين تكريس الموارد الشحيحة للمشاكل الحادة التي تنطوي على عوائد مشكوك فيها أو دعم بيئات أقل ظاهريًا، التي تقدم وعودًا أكبر على المدى الطويل، فإن تونس جديرة بالاستثمار».
------------------------------------
 فورين بوليسي - ترجمة ساسه بوست

سارة فيور
الثلاثاء 19 سبتمبر 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث