وفاة الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد بكندا عن 93عاما




غزة/ -
رحل الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد، اليوم الاثنين، بعد مسيرةٍ حافلة من العطاء في مجالي الأدب والصحافة، بدأت مع النكبة الفلسطينية عام 1948.

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية، في بيانٍ لها الشاعر رشيد، الذي وفاته المنية في مدينة "ميساساجا" الكندية، عن عمر 93 عاماً، قضى أكثر من 60 سنة منها مغترباً خارج بلاده فلسطين.

وقالت الوزارة إنّ "رحيل الشاعر الكبير خسارة للثقافة الوطنية والعربية، وبرحيله تخسر فلسطين رمزاً من رموزها الإبداعية وعلماً من أعلامها النضالية الكفاحية، الذي كرس حياته وعمره من أجل الحرية والخلاص والعودة".


هارون هاشم رشيد
هارون هاشم رشيد


وترك الشاعر إرثا كبيرا، تركز في خدمة القضية الفلسطينية، والمطالبة بحق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم التي تم تهجيرهم منها.

ومن أشهر قصائده، "سنرجع يوما"، التي غنتها المطربة اللبنانية فيروز.

وجاء في القصيدة:

سنرجع یوماً إلى حیّنا … ونغرق في دافئات المُنى

سنرجع مهما یمر الزمان … وتنأى المسافات ما بیننا

فیا قلب مهلاً ولا ترتمي … على درب عودتنا موهنا

یعز علینا غداً أن تعود … رفوف الطیور ونحن هنا

كما غنت المطربة المصرية، فايدة كامل، إحدى قصائده وهي "لن ينام الثأر".

وولد الشاعر الرشيد في حي الزيتون بمدينة غزة، عام 1927 وأنهى دراسة الثانوية العامة فيها سنة 1947، وبعدها حصل على الدبلوم العالي لتدريب المعلمين من كلية غزة، وظلّ يعمل في سلك التعليم حتّى عام 1954، وفي نفس العام انتقل للعمل كمدير لإذاعة صوت العرب في القطاع.

وفي بداية سنة 1967 اختارته منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً لها داخل قطاع غزة، وذلك وفقاً لما ورد في دراسةٍ نشرتها الباحثة نجية الحمود عام 2013، وتناولت صورة اللاجئ في أعمال الرشيد.

وأشارت الباحثة الأكاديمية، إلى أنّ إسرائيل أجبرت الشاعر الرشيد بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 على مغادرة القطاع، فاتجه للقاهرة، حيث عمل هناك ممثلاً لفلسطين بجامعة الدول العربية، وبعد ذلك شغل منصب مدير تحرير مجلة "شؤون عربية" الصادرة عن الجامعة، إضافة لمشاركته في تحرير عدد آخر من الصحف العربية والفلسطينية.

وصدر للشاعر عشرات الأعمال الأدبية، تنوعت بين دواوين شعرية ومسرحيات ودراسات وأبحاث، ومنها كان "ديوان الغرباء" عام 1954، و"عودة الغرباء" 1956، و"حتى يعود شعبنا" 1965، و"طيور الجنة" 1998، ومسرحية "السؤال"، ومسرحية "سقوط بارليف" سنة 1973، ونُشر له دراسات متعددة منها "الكلمة المقاتلة في فلسطين".

**"شاعر غزة الأول"

يقول الباحث في التاريخ والسياسة عزيز المصري، إن الشاعر هارون رشيد، عاصر الانتداب البريطاني والنكبة، وشارك في استقبال المهاجرين من أراضي عام 1948 إلى قطاع غزة، عند شاطئ البحر متطوعاً، وبعدها شارك في أعمال مجتمعية متعددة.

وذكر المصري في حوار خاص لوكالة الأناضول "رشيد شاعر جعل من اللجوء والهجرة وحق العودة، قضية أساسية انطلق منها في أعماله، كشاعر وصحفي ودبلوماسي، واستطاع أنّ يضع الشعر في خدمة القضية وليس العكس كما فعل بعض الشعراء".

وأضاف "أنا أعتبر رشيد شاعر غزة الأول، وأحد حراس معبدها التاريخي، وهو شاعر القرار 194 الخاص بالعودة لفلسطين، حيث أطلقه عليه الشاعر عز الدين المناصرة، لكثرة حديثه عن مفردات العودة في قصائده".

وخلال رحلته الأدبية الطويلة، حصل رشيد على عدد من الجوائز، التي كان أبرزها وسام القدس عام 1990، والجائزة الأولى للمسرح الشعري من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" 1977، والجائزة الأولى للقصيدة العربية من إذاعة لندن 1988، ولُقب بشاعر "العودة".

**حضورٌ مميز

وخصّص عدّة باحثون وأكاديميون فلسطينيون، دراساتهم وأبحاثهم لتحليل وتفسير أعمال الشاعر الراحل، ومن بينهم كانت الباحثة صفاء دويكات، التي تطرقت لتأثير "المكان" في أعمال الشاعر، والباحثة سناء بياري، إذ عرّجت ضمن بحثها على الأبعاد الفنية والموضوعية في شعر الرشيد.

ورأى أستاذ اللغة العربية بجامعة القدس المفتوحة سعيد الفيومي أنّ الشاعر رشيد، استطاع من خلال أعماله الشعرية أنّ يعيد التوازن النفسي والوعي، لأبناء الشعب الفلسطيني، لاسيما وأنّ أعماله بدأت تبرز مع حلول النكبة الفلسطينية، ونما انتشارها مع ازدياد الاعتداءات الإسرائيلية على الحقوق الفلسطينية.

وأضاف الفيومي في حديثٍ لوكالة الأناضول "أعمال رشيد تخطت حدود فلسطين بسرعة، وصارت تتردد على الألسنة العربية من قِبل العامّة والفنانين والنخب الثقافية والأدبية، وذلك لما اتسمت به من لغةٍ مباشرة وشعبية، ولجمعها بين المنطق والعاطفة، بصورةٍ فريدة شكلت لوحدها حالةً شعرية خاصّة".

ونوه إلى أنّ أعمال الشاعر كان لها دوراً كبيراً في بناء الشخصية الفلسطينية، وإمدادها بالمعلومات والمعارف الوطنية، حيث أنّ المناهج الدراسية التي يتعرض لها الطلبة في المدارس والجامعات، احتوت على عدد من قصائده، التي علقت في أذهان الجميع، وانتشرت بشكلٍ واسع.

ووفقاً لحديث الفيومي الذي تناول شخصية وأعمال الراحل في رسالة الماجستير الخاصّة به، فإنّ الشاعر كان له إسهامات كبيرة خلال الانتفاضة الأولى والثانية أيضاً، حيث أنّ الثوار والعامّة كانوا يستخدمون قصائده في المظاهرات وللكتابة على الجدران في المخيمات والمدن.

وحرص الشاعر رشيد في قصائده على استعمال أسلوبي الشرط والنداء، والتكرار في الكلمات والعبارات الوطنية، للتأكيد على ولوجها للنفس، كما يوضح الفيومي، وعلى ذلك يسوق مثالاً، قصيدة "فلسطيني"، و "سنعود" وقصيدة "غرباء"، التي صوّرت حياة الفلسطينيين في الغربة والشتات.

من جانبه، قال الروائي الفلسطيني يسري الغول إنّ رشيد ساهم برفقة مجموعة من الشعراء الكبار، في "إيصال الرسالة الفلسطينية للعالم، عبر ما قدموه للمكتبة العربية والدولية، من أدبٍ مقاوم يسعى لإبراز الحقيقة، وطبيعة الحياة في الأرض المحتلة".

وأضاف في حوار مع وكالة الأناضول "رحيل رشيد، يزيد من إصرار أهل الأدب الفلسطيني على الاستمرار في الإبداع والكتابة، لمواجهة الاحتلال والحصار، وللتغلب على كلّ أشكال المعاناة كافّة".

محمد أبو دون/ الأناضول
الاثنين 27 يوليوز 2020