تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


عُمان تخرج بتاريخها من أسوار القلاع القديمة إلى قاعات اليونسكو الباريسية




مسقط /باريس ـ عاصم الشيدي - يبدو أن سلطنة عمان قررت أخيرا أن تكثف التعريف بتأريخها القديم، فنظمت ندوة بقاعة لليونسكو بباريس حول "التراث الأثري العماني مهد الحضارة المبكرة". وشكلت هذه الندوة منعطفا مهما حول التاريخ العماني المليء بالكثير من الأحداث والالتباسات التاريخية التي لم تشبع بحثا حتى الآن.


عُمان تخرج بتاريخها من أسوار القلاع القديمة إلى قاعات اليونسكو الباريسية
مندوبة عُمان في اليونسكو الدكتورة سميرة موسى تحدثت عن اكثر من أربعة آلاف سنة كانت خلالها عمان تسمى "مجان". ورغم أن الكثيرين يعتبرون ان جهود عمان في التعريف بتاريخها القديم ما زال متواضعا إلا أن سميرة موسى أكدت عكس ذلك عندما تحدثت عن جهود كبيرة تقوم بها عمان لحماية إرثها الوطني وتراثها الثقافي المدرج ضمن التراث العالمي. وتدرج اليونسكو اكثر من ثمانية مواقع ضمن التراث العالمي أحدها يعود إلى مرحلة ما قبل التاريخ وهو قلعة بهلا.
 
لكن ايرينا بوكوفا المديرة العامة لمنظمة اليونسكو رأت في عمان تنوعا بيولوجيا ثريا ساعد على تحقيق تكامل للتنمية المستدامة في بلد خليجي استثنائي. مؤكدة أن " اليونسكو وسلطنة عمان يمكن أن تلعبا دوراً كبيرا في التصدي لهذه التحديات في عالمنا المترابط".
 
الدكتور ناصر بن سعيد الجهوري، رئيس قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس رأى أن "المسوحات الأثرية التي تم انجازها في شبة جزيرة عمان تحتوي على فرضيات تؤكد على وجود عدد كبير من المدافن الحجرية بينما تم العثور على عدد بسيط من بقايا المستعمرات في شبة الجزيرة وحيث أشارت البيانات المتوفرة الى القيام بمحاولات نادرة لدراسة وتحليل توزع مقابر "حفيت" على الأرضية القائمة عليها".
 
وقال في حديثه أن المسوحات السابقة سجلت عددا من مقابر "حفيت" المنتشرة بشكل غير منظم دون وجود أي نوع من التقارير المفصلة والذي بالتالي يؤدي الى عدم وجود استدلالات حول التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها هذه المقابر. واستنادا على المحاولات القليلة المذكورة اعلاه من قبل المؤلف وعدد من العلماء الاخرين فان هذه الورقة تهدف الى فهم واعادة بناء الارضية التي قام عليها مجتمع حفيت في الفترة المبكرة للعصر البرونزي .
 
اما الدكتور موريتسيو توزي من جامعة بولونيا الإيطالية فقدم ورقة عمل بعنوان "مجان حضارة العصر البرونزي.. غزاة الصحراء وغزاه البحر" تحدث فيها حول نشأة حضارة مجان خلال   فترة العصر البرونزي المبكر لعمان "كان أحد الجوانب التي تمثل ظواهر التكامل والارتباط مع المناطق البعيدة بين الهند والشرق الأوسط والتي نجمت عن شبكات تجارة المسافات البعيدة بسبب الطلب على المعادن والأحجار من البلدان التي نشأت مبكرا في بلاد ما بين النهرين".
 
وفي حديث حمل الكثير من الإثارة تحدث الباحث الإيطالي عن حضارة مجان بالقول "منذ أيام الصيادين والغزاة الباحثين عن الطعام ولآلاف السنين خلال الفترة الختامية للعصر الجليدي أي حوالي 10000 سنة قبل الميلاد، تغيرت أنماط الحياة عدة مرات جيل بعد جيل جراء التطورات الاجتماعية والفنية التي شهدتها تلك الأجيال".
 
مشيرا إلى  أنه من "الطبيعي جدا نشوء تكوينات بشرية مع تعاقب الفترات الزمنية، ولكن الملفت للنظر هو ذلك التحول السياسي والثقافي الذي ظهر في الألفية الرابعة قبل الميلاد الذي أدى إلى قيام ثورة دفعت بمنطقة الشرق الأوسط في مقدمة المناطق الأخرى من العالم، فقد غيرت هذه الثورة مسار التاريخ في العالم القديم وأسست لقيام أولى الدول التي وظفت واستغلت الفرص المتاحة لتصنع مستعمرات مدنية بشرية".

وأضاف "أول هذه المستعمرات هي تلك التي قامت في أهوار جنوب بلاد ما بين النهرين، وبعدها قامت أجيال أخرى توزعت بين نهر النيل والسند. وخلال الأربعين السنة الماضية وبفضل الأبحاث الأثرية التي أجريت في عمان تكشفت حقائق مختلفة تدل على نشوء اجتماعي، فقد أكدت النتائج ظواهر اقتصادية تعود الى أواخر العصر الحجري أي نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد".

قال:واستطاعت حضارة مجان الغنية بالموارد المعدنية خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد من تمكين نفسها لتصبح قوة إقليمية تتمتع بأحدث صناعات إنتاج المعادن والتبادل الاقتصادي والتجاري المتميز والوحدة الثقافية، لنرى بصماتها واضحة للعيان على حواضرها الأثرية القائمة حتى يومنا هذا.
 
ولقيت قلعة بهلا الكثير من النقاش في الندوة حيث أنها من أقدم المواقع الأثرية في عمان ومنذ أكثر من ربع قرن تقوم وزارة التراث والثقافة بترميمها حيث وصلت إلى مراحلها الأخيرة ومن المنتظر أن يتم افتتاحها خلال الشهر القادم. وتعد قلعة بهلا أحد أهم المباني الدفاعيه المبنية بالطين في عمان ويعود تاريخ بنائها إلى فترة ما قبل الإسلام والدولة النبهانية التي حكمت عمان من القرن الثاني عشر ميلادي وحتى القرن الخامس عشر ميلادي وكانت تستخدم القلعة كمقر لحكمها.
 
وقد تم إدراج القلعة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو في عام 1987 وتم إدراجها ضمن قائمة مواقع التراث العالمية المهددة بالخطر في عام 1988. وقامت وزارة التراث والثقافة بأعمال الترميم والصيانة لمباني القلعة والمسجد الكبير المجاور في عام 1992 وتم الانتهاء منها هذا العام.
 
وقد رافقت أعمال ترميم قلعة بهلا والمسجد الكبير التنقيب عن الآثار من أجل تحديد المستعمرات المبكرة ولاكتمال الصورة عن هذه الآثار التاريخية العظيمة.

من جانب آخر قال الدكتور جون-جاك جلاسنر- مدير البحوث بالمركز الوطني للعلوم البحثية الفرنسي "ذكرت النصوص المسمارية بان مجان او "ماكان" الموجودة في جنوب شرق جزيرة العرب او عمان تعود إلى عام 2300 ق.م. وتتحدث عن الملك نارام سن والذي كان يملك الكثير من السفن التي كانت ترسو على شواطئ "مجان"، وتشير كتابات أن الملك أحضر كميات كبيرة من النحاس. قصة الملك نارام تؤكد العلاقات الوثيقة بين حضارة مجان وبين بلاد ما بين النهرين مع الأكاديين والسوماريين.
 
وفي ورقة أخرى قدمتها الدكتورة أوليفيا مونوز من جامعة باريس تحدثت عن المدافن المنتشرة في شبه جزيرة عمان والتي تعتبر واحده من أهم الدلائل الأثرية التي تساعد على تحاليل نشأة المجتمعات من فترة العصر الحجري الحديث الى فترة العصر البرونزي، وقد عكست الطقوس الجنائزية التي صاحبت كل فترة من الفترات الزمنية الواقعة بين الألفية الخامسة الى الثالثة قبل الميلاد، أنماط الحياة الاجتماعية والتغيرات الديموغرافية التي تميزت بها هذه المجتمعات.
 
ويظهر جليا مستوى محدد من الاستمرارية في الممارسات الجنائزية التي تم توثيقها في المستعمرات الممتدة على السواحل العمانية والتي يرجع تاريخها الى الألفية الخامسة والرابعة قبل الميلاد، فخلال هذه الفترة الزمنية أي حوالي 2000 سنة كانت مجموعات بشرية صغيرة تقوم بدفن موتاهم في حفر تقع على مسافة قريبة من الحيز المعيشي للمجموعة بوضعية القرفصاء على أحد الجوانب من الجسم ووضع كميات مختلفة من المواد (حلي وأدوات عملية).
 
وشهدت منطقة شرق شبه الجزيرة العربية خلال فترة نهاية الألفية الرابعة نموا في عمليات التبادل التجاري مقرونة بوضع استراتيجيات عالية التخصص للتعامل مع عدم الاستقرار البيئي مما أدى إلى ازدهار في التجارة باكتشاف النحاس مع دول بلاد ما بين النهرين وايران والسند، إلا أن دول منطقة شرق الجزيرة (المتمثلة في عمان ودولة الامارات العربية المتحدة في الوقت الحاضر) لم تقم بتطوير أي من مراكزها ولا حتى حواضرها المدنية بل إن نموهم الاقتصادي والديموغرافي قادته العلاقات القبلية القوية والمتماسكة.
 
كتابات كثيرة أعقبت هذه الندوة اكدت ان وزارة التراث والثقافة تتجه بشكل ملفت خلال هذه المرحلة للتعريف بتاريخ عمان والكشف عن الكثير من المكتشفات الأثرية التي من شأنها أن تفسر الكثير من الغموض حول الحياة في شبه الجزيرة العربية.

عاصم الشيدي
الاربعاء 10 أكتوبر 2012