أوروبا "أسقطت تيريزا ماي كما أسقطت مارغريت ثاتشر"

25/05/2019 - برايان ويلير وغيفن ستامب - بي بي سي نيوز



أبن زمرك عاشق السلطة وشاعر جدران الحمراء



ليست النساء دوما موضوع الغرام والانتقام فالعشق أنواع وأشكال موزعة بين من يحب المال اكثر من الاولاد والخمر والنساء وبين من يعشق السلطة والنفوذ فيضحي في سبيل الحصول عليهما بكل شئ بما في ذلك القيم والمبادئ والعواطف وأبسط الأساسيات التي تجعل من الكائن انسانا والغريب في عشاق السلطة تلك الفاتنة - الشمطاء التي لا تخلص لأحد أنهم اول ما يبدأون الفتك والبطش والدس يتجهون الى اقرب الناس اليهم والى ارباب نعمتهم ومن هذا الرعيل الذي أشتهر بحبه للسلطة الشاعر ابن زمرك الذي تزين قصائده الى اليوم جدران قصر الحمراء بغرناطة وهو تلميذ لسان الدين بن الخطيب وسبب نكبته كما أجمع المؤرخون


قصر الحمراء وجدرانه المزينة بقصائد ابن زمرك
قصر الحمراء وجدرانه المزينة بقصائد ابن زمرك
يتواصل الحلم الاندلسي تجديدا وتقليدا وفي هذا الحلم وحده تكاد الصورة تتفوق جمالا على الاصل فموشحة – جادك الغيث – لابن الخطيب تقليد على أصل كتبه ابن سهل الذي هرب من اشبيليا التي احتلها العرب الى سبتة التي احتلها الاسبان وظل في المكانين يسأل:
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ...؟
ظبي الحمى هذا الذي لم يصفه ابن سهل في الاصل رسمه كاحلى مايكون الرسم ابن الخطيب في الفرع وجاءت حديثا فيروز لتضيف الى سهامه التي لاتخطئ هدفها سهما مريشا مموسقا :
ساحر المقلة معسول اللمى
جال في النفس مجال النفس
سدد السهم وسمى ورمى
ففؤادي نهبة المفترس
ولم تكن مشكلة ابن الخطيب مع ابن سهل ولا مع موشحات الغزل بل مع ابن زمرك ودسائس السياسة في دهاليز الحمراء التي شهدت صراع الرجلين في جولات عديدة ولم تكتمل المعركة الا في فاس فالفرسان جميعا كانوا يرمحون بين العدوتين ومن تضيق به بلد في الاندلس تتلقفه اخرى في المغرب الى ان تفصل الاقدار بين الاصدقاء والاعداء والمتحاربين .

وكان ابن زمرك الذي تملأ أشعاره جدران الحمراء وتشع بين قاعاته وممراته تلميذا للسان الدين ابن الخطيب لكن الثاني وكما يخبرنا المقري في نفح الطيب لم يكن محظوظا تلاميذه :
( اعلم ان تلامذة لسان الدين رحمه الله كثيرون الا انه لم يرزق السعادة في كثير منهم بل بارزوه بالعداوة واجتهدوا في ايصال المكروه اليه )
وعلى رأس هؤلاء المجتهدين كان عاشق السلطة ابن زمرك الذي لم يعرف غير حبها ولم يجاهر استاذه بالعداوة فحسب بل ظل يتابعه الى ان نجح في اخمادأ نفأسه ومع ذلك الشر كله لم يمانع غومس – غفر الله له – ان يطلق على ابن زمرك لقب( بلبل الحمراء الغريد ) فقد خلا له الجو فباض وصفر ولم يترك حجرا في الحمراء الا ونقش عليه بيتا من شعره فبعد فناء الريحان تجده قصائده على مشكاتين في الممر الموصل الى قاعة السفراء التي سيوقع فيها ابو عبدالله الصغير لاحقا صك التنازل النهائي عن غرناطة وبعدها تجد قصيدته اليائية على جدران قاعة الاختين التي اعطوها ذاك الاسم لوجود قطعتين نادرتين من المرمر في ارضيتها ولان الجدران لم تتسع لتلك القصيدة اكملوها على النافورة التي تتوسط بهو الاسود حيث 12أسدا يمثلون كما يقول لك الدليل أسباط بني اسرائيل ولك ان تصدقه فالاندلس في أوج تسامح حضارته لم يكن عنده مشاكل عميقة مع الاعراق والاديان وهذه الابيات تبدأ ببيت التهنئة والتباريك :
تبارك من أعطى الامام محمدا
مغاني زانت الجمال المغانيا
وتنتهي بالدعاء بالخلود بين قاعات اينما تلفت تجد عليها عبارة بني الاحمر الشهيرة (لاغالب الا الله )التي تجئ في بعض السياقات وكأنها اعتذارية ضمنية عن الهزيمة النهائية المقبلة :
عليك سلام الله فاسلم مخلدا
تجدد اعيادا وتبلي اعاديا
ومع كل ما لابن زمرك من اشعار على الجدران ظل الناس يحترمون استاذه الذي ليس له اي بيت على اي جدار أكثر منه ويذكرونه في أول قائمة مشاهير الاندلس فان ظل فيها مكان بعد عشرات الاسماء أضافوا ابن زمرك على استحياء فالناس تكره الغدر العادي فما بالك حين يوجه الطالب خنجره الى صدر استاذه الذي أحسن اليه ووظفه وقدمه للملوك ورفع قدره عند العامة بل وكتب عنه تعريفا جيدا في كتاب ( الاحاطة في أخبار غرناطة ) لينقضه ثانية وبعد ان توضحت العداوة في كتاب " الكتيبة الكامنة عن اعيان المئة الثامنة " وما أنقصه على استحياء من شتائم أكمله ابنه على الذي رمى ابن زمرك بتهم عظام أقلها المثلية الجنسية فابن زمرك رمي بالأوبنة وكان قفاه يستسيغ الطعن كما يؤكد شانئوه .
تفسيرات لعداوة
وقبل ان نفعل كعلي بن لسان الدين و نلقي باللوم كله على التلميذ لابد ان نذكر ان الاستاذ كان فيه كما يقول محمد عبدالله عنان أعمق دارسيه بعض الصلف والاعتداد بالنفس ويميل الى الاستبداد المطلق والعناد وتلك حالة من لا ينام الليل فابن الخطيب يسمونه ايضا ذا العمرين لانه كان دائم الارق قليل النوم ومن ا الذي ينام في ذلك المعترك السياسي العجيب وربما تكون العداوة بين الاثنين بسبب حاجة تأخر ابن الخطيب في قضائها كما يفترض المقري :
(دخل ابن زمرك على الشيخ ذي الوزارتين أبي عبدالله ابن الخطيب يستأذنه في جملة مسائل مما يتوقف عادة على اذن الوزير وكان معظمها في ما يرجع الى مصلحة الرئيس ابي عبد الله لبن زمرك فامضاها كلها ما عدا واحدة تضمنت نقض عادة مستمرة فقال له ذو الوزارتين ابن الخطيب :والله يا رئيس ابا عبدالله لا آذن في هذا لاننا ما استقمنا في هذه الدار الا بحفظ العوائد ) .
ولا أعرف لماذا نبحث عن اسباب صغيرة والسبب الكبير يفسر بشكل أفضل تلك العداوات الوظيفية فحين يكون الصراع السياسي عند القمة حامي الوطيس ومليئا بالقلق والتخبط والكيدونقص الرؤية تصل نيرانه الى الجميع ولا يشعر أحد بالاستقرار لا صغير ولا كبير ولاكاتب ولا وزير وكانت صراعات بني نصر أشهر من ان تخفى فجميع ملوكهم تقريبا اختفوا عزلا وقتلا ووصلت العدوى الى الوزراء فابن زمرك نفسه وبعد ان نجح في تصفية ابن الخطيب انتهى مقتولا بصورة أشنع أمام أهل بيته وجواريه وخدمه .
وابن الخطيب الذي لوعته غرناطة بحبها ولاحقته بدسائسها حتى قتلته لم يكن منها بل من بلدة قربها اسمها ( لوشة ) وهي على الطريق بينها وبين اشبيلياومثل غرناطة تشرب من نهر شنيل وتتدرج تضاريسها من الوادي الى قمة الهضبة لكنها على عكس امها الروحية وجارتها لم يبق فيها الكثير من الآثار الاسلامية فباستثناءصفين من الاعمدة واطلال قلعة مندثرة ليس في بلد ابن الخطيب ما يذكر بعزها وعمارتها التي يسرف في وصفها والافتخار بها ولم يبق مما ذكره عنها الا تلك السطور التي تدل على اخلاصه لمسقط رأسه .
لكن هل كان هذا الوزير الخطير المنكوب يحس بالكارثة الاندلسية الشاملة قبل مصيبته الشخصية التي سنذهب بعد قليل الى تفاصيلها ...؟
الارجح نعم ففي الرسالة التي يوصي بها اولاده بعشرات الوصايا وهي اكثر من عشر صفحات في نفح الطيب ترد هذه الوصية التي تشي باحساسه العميق بقرب الكارثة الكبرى :
(...ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد الذي لا يصلح لغير الجهاد فلا يستهلكه أجمع في العقار فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار وساعيا لنفسه ان تغلب العدو على بلده في الافتضاح والافتقار ومعوقا عن الانتقال أمام النوب الثقال ) .

لقد كان عصرا يشبه عصرنا تراجعت فيه حظوظ العرب وهان امرهم وتحكم بهم اعدائهم وفسدت نخبهم السياسية وصارت ألعوبة بيد القوى الاجنبية بل وكان عندهم تطبيع سياسي مع الاعداء فابن الخطيب يخبرنا في كتابه ( نفاضة الجراب في علالة الاغتراب ) الذي كتبه اثناء اقامته الطويلة في سلا كيف أمتلأ بلاط بدرو الرابع ملك قشتالة بالمثقفين والدبلوماسيين العرب الفارين من ظلم ملوكهم وامرائهم وولاتهم في قرطبة واشبيليا وغرناطة وابن خلدون يخبرنا انه قام بسفارة ناجحة الى ذلك البلاط فاغتاظ صديقه ابن الخطيب من نجاحه الامر الذي دفعه الى مغادرة الاندلس كلها قبل ان تتوتر الامور بالكامل بينه وبين ذي الوزارتين .
ولأن لسان الدين كان خالص العروبة والاسلام كان من الطبيعي ان تكون تحالفاته مع المغرب والمرينين لكن الى اي حد تمدد هذا الحلف ؟ وهل بقي ابن الخطيب مخلصا لملوكه من بني الاحمر ؟أم وصل الى حد التآمر عليهم مع سلطات فاس ...؟
ان حكاية هرب هذا الوزير من غرناطة وهو الرجل الثالث في سلطنتها بعد الحاجب رضوان والسلطان تلقي ظلالا من الشك على تحالفاته مع المرينيين وتوحي بانه ربما كان يتآمر معهم على الاطاحة ثانية بالغني بالله وهذه مسائل يصعب التأكد منها فالوزير سيحاكم لاحقا في فاس قبل قتله في سجنه بتهمة فكرية غير سياسية كانت الحلقة الاخيرة من مسلسل اتهامه بالهرطقة والقول بمذاهب مخالفة للشريعة اما الحلقات الاولى فقد كانت كثيرة بين عشاق السلطة الذين لا يرون اجمل منها ويتنافسون على حظوتها اكثر مما يتنافس العشاق على وصال الجميلات وقد بدأت العداوات في غرناطة مع القاضي النباهي الذي أمر في اكثر من مناسبة باحراق كتبه وهنا علينا ان نتذكر ان احراق كتب الادباء والفلاسفة والمفكرين صارت عادة في الاندلس يتقرب بها السلاطين الى العامة فقد احرقت كتب ابن رشد وابن حزم وابن مسرة والقائمة طويلة وتكشف عن غياب فضيلة التسامح في الخصومات الفكرية فما ان يختلف كاتبان على مصلحة حتى يلجأ الاكثر لؤما الى التحريض ضد خصمه وفي الكتابة من السهل ان تجد ما تجرم به كل كاتب فهي حمالة أوجه وتفسيراتها وتأويلاتها عديدة لكن من يريد الايقاع باحد يصر على تفسير واحد ويظل يردده الى ان ينال مبتغاه من الايقاع بصاحبه ليظل حضن السلطة والسلطان له وحده دون غيره من العالمين .
محاكمة شكلية
وكان النص الذي اعتمدوا عليه في تجريم لسان الدين من كتاب قلد فيه المتصوفه وأطلق عليه اسم ( روضة التعريف بالحب الشريف ) ولنترك صديقه ومعاصره ابن خلدون يقص علينا باسلوبه حكاية المحاكمة الشكلية والتهمة التي قادت مع دسائس السياسة وأضغانها الى تلك النهاية المفجعة :
(...وحين بلغ خبر القبض على ابن الخطيب السلطان ابن الاحمر بعث كاتبه ووزيره بعد ابن الخطيب وهو ابو عبدالله بن زمرك فقدم على السلطان ابي العباس واحضر ابن الخطيب في المشور في مجلس الخاصة وعرض عليه بعض كلمات وقعت في كتابه في المحبة فعظم النكير فيها فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ ثم نقل الى محبسه واشتوروا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه وافتى بعض الفقهاء فيه ودس سليمان بن داوود لبعض الاوغاد من حاشيته بقتله فطرقوا السجن ليلا ومعهم زعانفة جاؤا في لفيف الخدم مع سفراء السلطان ابن الاحمر وقتلوه خنقا في محبسه وأخرجوا شلوه من الغد فدفن بمقبرة باب المحروق ثم امسى من الغد على حافة قبره طريحا وقد جمعت له اعواد واضرمت عليه نار فاحترق شعره واسود بشره فاعيد الى حفرته وكان في ذلك انتهاء محنته )
وكان ابن الخطيب قد كتب في سجنه قبل المحاكمة الصورية التائية الحزينة التي تصلح مادة لوعظ الطامحين من عشاق السلطة والمال والمتكالبين على على الماديات والمتقاتلين عليها :
بعدنا وان جاورتنا البيوت
وجئنا بوعظ ونحن صموت
وانفاسنا سكتت دفعة
كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاما فصرنا عظاما
وكنا نقوت فها نحن قوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب
وفات ومن ذا الذي لايفوت
ومن كان يفرح منهم له
فقل : يفرح اليوم من لايموت
لكن بعد ان انتقم عاشق السلطة ابن زمرك من أستاذه ابن الخطيب هل هدأت غرناطة بعد ان انتقمت من وزيرها....؟
لقد فات اوان الهدوء بالوزير المشاغب ودونه فقد كانت غرناطة منذوزة لخراب ينتظرها وكلما أمعن ساستها في دسائسهم كان الخراب يزداد اقترابا وكان خصوم الوزير المحروق يتساقطون واحد تلو الآخر فما ان توفي الغني بالله وجاء ابنه ابو الحجاج يوسف حتى سجن ابن زمرك بالمرية واستوزر مكانه ابا بكر بن عاصم وبعد سحابة صيف من الصلح المؤقت فتك حفيد الغني بالله محمد السابع بابن زمرك انتقاما لابن الخطيب المظلوم كما قيل وتلك رواية اخرى يصعب التثبت منها في هاتين الحكايتين المتشابكتين للاستاذ الصلف وتلميذه العاق في دهاليز قصور النصريين والمرينيين .
كانت الغفوة العربية في الاندلس قد امتدت وطال زمنها والحلم الاندلسي قدشاخ وأصابته التجاعيد وبدأ يقترب من نهايته المسجلة حرفيا منذ
موشحة(جادك الغيث اذا الغيث همى ...يا زمان الوصل بالاندلس )التي اتكأ فيها ابن المدينة الجبلية على ابن سهل ليقلده دون ان يدري انه في احدى شطحاته سيسجل العيب الازلي في ذلك الحلم وجميع الاحلام السعيدة الشائقة التي تعبر عبور البرق :
في ليال كتمت سر الهوى
بالدجى لو لا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى
مستقيم السير سعد الاثر
وطر مافيه من عيب سوى
انه مر كلمح البصر
لقد كانت الاندلس حلماحققه مغامرون شجعان و ثبته رجال دولة اقوياء ثم بدده صلف الادعياء لكنه لم يغب ابدا عن مخيلة الاجيال حتى بعد خروج أبي عبدالله الصغير من غرناطة بعد مصرع ابن الخطيب بقرن وربع القرن من الزمان فالحلم الاندلسي يتجدد على الدوام في الاذهان بازهى صوره وحكاياته ليذكر العالم باؤلئك المغامرين الذين أمضوا أعمارهم في ركوب الصعب ومقارعة المستحيل لذا لا تستغرب أن يصاب العرب جميعا بحالة عشق غريبة للاندلس اخلاصا لبضع مئات من السنين مارس فيها اجدادهم من امثال ابن زمرك كل الموبقات لكن جرح الخروج والانكسار غسل خطاياهم جميعا وجعل تلك القرون تعبر كليال العشق مثل لمح البصر ثم تختفي مخلفة في النفس آهة لا يعرفها غير الذي حلم بوصال ولم يذقه فعاشت لحظة الحلم خضراء نضرة في ذاكرة أنتقائية تجد مكانا على الدوام لجميع أصناف العشق الغريب





 

د . محيي الدين اللاذقاني
الجمعة 15 مارس 2019


           

تعليقاتكم

1.أرسلت من قبل عبد الحميد الكميتي في 09/06/2011 15:59
Facebook
الأندلس .. قصة عشق لاتنتهي ..ساحر المقلة معسول اللمى..
جال في النفس مجال النفس..
سدد السهم وسمى ورمى..
ففؤادي نهبة المفترس..

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث