الأدب العربي وجائزة جوخة الحارثي






منتصف الأسبوع الماضي، أعلن في لندن عن فوز الكاتبة والأكاديمية العمانية جوخة الحارثي بجائزة “مان بوكر” العالمية، وهي جائزة مهمة منبثقة عن الجائزة الإنكليزية المعروفة “مان بوكر”، وفقط تعنى بالأدب المترجم من جميع اللغات، أي من يحصلون عليها، كتبوا بلغاتهم التي يجيدونها، وترجمت كتابتهم للإنكليزية. وهذا يتيح لهم بلا شك التنافس على كثير من الجوائز التي رصدها الغرب، ومنها هذه الجائزة، وجوائز أخرى مثل الجائزة العالمية لأفضل الأعمال المترجمة التي تدار من أمريكا.


 

ولأن القادمين إلى هذه الجوائز يأتون من لغات متعددة وبالتالي عوالم وأجواء متعددة، يبدو التنافس صعبا للغاية، خاصة إن كان ثمة كتاب كبار في بلدانهم، مشاركون بأعمال مترجمة للإنكليزية. وحين يفوز أحد بالجائزة فإننا بلا شك نكون أمام فائز حقيقي، خاض معركة كبرى وانتصر.

جوخة خاضت هذه المعركة مسلحة بروايتها “سيدات القمر”، وهي رواية مكتوبة منذ عدة سنوات، لكن لم تقرأ جيدا بالعربية كما يبدو، وإلا لحصلت على أصداء كبيرة، ويبدو أنها ترجمت حديثا، لتلقى هذا النجاح الكبير.

وأود أن أقول إن هذا يعد حدثا كبيرا فعلا، خاصة أن الأدب العربي بالرغم من صدور ترجمات له بكثير من اللغات منذ عشرات السنين، إلا أنه لا يزال خجولا في إطلالاته الخارجية، ونادرا ما نسمع عن أعمال ترجمت من العربية، حققت نجاحا كبيرا. إنها تترجم وتطرح للقراء، وتجد من يقرأها ولكن بعدد قليل، وربما يحتفى بالكاتب، وكتابه من جهات محدودة، ولا شيء آخر. بعكس الأدب الذي يكتبه عرب بلغات الغرب، فإنه يدخل السياق العام للأدب الغربي ويقرأ بغزارة، ويحصل على جوائز. وأمامنا نماذج كثيرة لكتاب عرب نجحوا في اللغات التي كتبوا بها منهم هشام مطر وليلى العلمي وليلى أبو العلا، وآخرون كثر خاصة من المغرب العربي، حيث تبدو اللغة الفرنسية لغة متداولة هناك وليس ثمة صعوبة في الكتابة بها.

لقد نجحت جوخة، وهي بالطبع كتبت عن بيئتها وعالم بلدها، وهو بلد عربي صميم، وفيه تنوع وأجواء ساحرة تستحق الكتابة عنها، وأيضا ثمة أساطير وتراث قد لا يوجد عند آخرين، لكن هو في النهاية بلد عربي، والأدب الذي ينبع منه، أدب عربي. وهنا نستطيع أن نقول إن الأدب العربي نجح في فك حصار عدم القراءة المفروض عليه، وهذه حقيقة أي وجود حصار، لأن ناشرا كبيرا في لندن أخبرني مرة أن لا نجاح كبيرا للأدب العربي لأن لا رغبة من القراء الغربيين في التعرف إلى بيئات لن يحبوها، أو لن يتفاعلوا معها.

رواية جوخة بفوزها هذا تلغي الجمود أولا، وتنفي بشدة ما يتردد بأن النجاح في الغرب بالنسبة للأعمال الإبداعية مبني أو مؤسس على نماذج نمطية للكتابة، يجب توفرها في أي عمل يطرح هناك، ومنها كثافة الجنس في العمل الروائي، والتعدي على المقدسات، وموبقات أخرى ينبغي أن يرتكبها الكاتب. فرواية جوخة لم تقدم هذا النمط، هي رواية هادئة جميلة، محلية وعربية خالصة. وكان يمكن أن تنجح عربيا لو أن هناك من التفت إليها، لكن مع الأسف لم يعد ثمة التفات، والنقد الذي يوضح الأعمال، ويزيل غموضها، غائب منذ عهد، أو في الحقيقة متردد لأن الكتابة اتسعت كثيرا، ضمت الصالح والطالح، ولم يعد بالاستطاعة ملاحقتها. حتى هدايا الكتب التي كان الناقد يتلقاها قديما ويغرق فيها باحثا عن الجديد الجميل، لم تعد تفرح، وتحولت إلى أعباء يصعب حملها. نعم قد يتلقى الناقد أو الكاتب المخضرم، أو الصحفي الموجود في ملتقى ثقافي ما، مئات الكتب هدايا ولا يعرف ماذا سيفعل بها.

نجاح جوخة، سبقه نجاح آخر، أيضا كان كبيرا، وهو نجاح رواية “فرانكشتاين في بغداد” للزميل أحمد سعداوي. لقد خاض سعداوي هذه المعركة نفسها في العام الماضي، برواية فنتازية عن الحرب وتوابعها من رعب وعبث ولا منطق، إنها رواية جيدة جدا، رواية موحية، تلقاها الغرب بالتمجيد الشديد، وانتشرت في معظم اللغات، في ما يشبه المعجزة، وكان يمكن أن تحصل على جائزة “مان بوكر”، لولا أن الحظ لم يساعد. والمهم هنا ليس “مان بوكر”، بل انتشار العمل، وتحويله إلى سينما ودراما تلفزيونية في ذات الغرب الذي قال الناشر أنه لا يتذوق أعمال العرب.

سعداوي صنع مجدا للرواية العربية بعمله هذا، وما زلنا ننتظر منه الكثير، ثم تأتي جوخة الحارثي بروايتها الهادئة لتصنع مجدا آخر.

لعل ما حدث هو اشتعال جديد لجذوة الأدب العربي الخامدة، وكلنا يعرف بأننا لم نستفد من حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في تشرين الأول/أكتوبر عام 1988. نعم لم نستغل ذلك ونسوق له، ولم تعمل مؤسساتنا التي تعنى بالترجمة على التوقف عن ترجمة الأدب الغربي وعكس المسألة، في ترجمة الأدب العربي إلى لغات أخرى. لقد وصل أدب نجيب محفوظ، وهذا الوصول كان بلا شك محرضا لفضول كبير لمعرفة البيئة التي جاء منها، وربما تذوق أدب آخرين ينتمون للبيئة نفسها.

أيضا طرح الأدب العربي كضيف شرف في إحدى دورات معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، أظن ذلك في عام 2004 على ما أذكر، وكالعادة لم يذهب أدب مبدع كثير إلى ذلك المعرض الأوروبي المعمر، وإنما شذرات لا تمثل الأدب العربي كثيرا، والذي ترجم للألمانية من أجل مطالعته هناك، لم يكن كافيا لأخذ أي فكرة عظيمة، وضاعت فرصة أخرى لنيل التفاتة إلى أدبنا.

الآن يبدو الأدب الأكثر شبابا من أدب جيلنا، يصنع مجده، ويصنع لنا الأمجاد أيضا، وصحيح أن هناك كتابا في جيلنا ترجموا للغات كثيرة، ونجحت بعض كتبهم، إلا أن هذا الاجتياح الجميل ولدرجة نيل جوائز مهمة أو الوجود في قوائمها النهائية، لم يكن موجودا. إنها وثبة كبيرة، ندعمها ونحافظ عليها بلا أدنى شك.
---------
القدس العربي


امير تاج السر
الاحد 26 ماي 2019