السفن السياحية... "نعمة أم نقمة" لمضائق النرويج؟



أوسلو - زيجريد أرمس - تبدو سفينة "إم إس سي ميرافيجليا" السياحية أشبه بمجمع سكني ضخم انتهى به الحال بطريقة ما إلى المكان الخطأ، أكثر منه سفينة.
وحتى المناطق الأكثر إثارة المحيطة بالسفينة- مضيق "جيرانجير" الساحر في النرويج-تنسحب إلى الخلفية بجوار هذه السفينة الضخمة التي يبلغ طولها 65 مترا، والتي تفسد المشهد الرائع للجبال التي تصطف على جانبي المضيق.
ولا ينزعج العمدة جان أوفي تريجيستاد بسبب الحشود، حيث يقول إن "صناعة الرحلات البحرية مهمة بصورة كبيرة، حيث إنها تعمل على توفير وظائف وأنشطة، بالإضافة إلى أنها تجعل هذا الموقع نابضا بالحياة."


 
يشار إلى أن السفينة العملاقة، تتألف من 19 طابقا، وتتسع لعدد 5714 مسافرا، وهي في طريقها صوب بلدة جيرانجير بجنوب غرب النرويج. وفي فصل الشتاء، يكون عدد سكان جيرانجير 200 نسمة، أما في الصيف، فيكون حجم السكان أشبه بتل من النمل.
وكانت جيرانجير وهيليسيلت المجاورة، محطتي توقف لأكثر من 200 سفينة هذا العام، أي لنحو 380 ألفا من المسافرين على متن السفن السياحية. وتستفيد متاجر بيع التذكارات من التدفق الهائل للسائحين، ولكن السفن تتسبب في الوقت نفسه في مشاكل بالنسبة لتلك البلدات الصغيرة البكر، حيث تؤدي حركة السفن السياحية في المضائق إلى تلوث الهواء والماء بشكل كبير.
ويقول سفينونج روتيفاتن، وهو وزير دولة بوزارة البيئة: "في بعض الأيام تتكثف الغيوم البنية فوق جيرانجير". ولهذا السبب، قررت الحكومة تشديد القواعد، فصار يتعين على السفن منذ آذار/مارس من عام 2019، مراعاة اللوائح الصارمة التي تتضمن عدم استخدام زيت ثقيل بدون مرشح، وعدم إلقاء النفايات، بالإضافة إلى وضع حدود لانبعاثات أكسيد الكبريت وأكسيد النيتروز في بعض المضائق، وبعضها مدرج على قائمة مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
ولكن لم يستطع مواطنو جيرانجير تنفس الصعداء بعد، ففي شهر حزيران/يونيو، تكون نوعية الهواء مماثلة لتلك الموجودة في العاصمة أوسلو. وقد حذرت وزارة الصحة النرويجية من أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض معينة يواجهون مخاطر أكبر بالنسبة لإمكانية الإصابة بسكتات دماغية أو نوبات قلبية.
ومن المقرر أن يتم خلال الأعوام 2020 و2022 و2025، خفض حدود الانبعاثات بدرجة أكبر، حتى تصل في نهاية المطاف، أي بحلول عام 2026، إلى عدم إنتاج السفن السياحية لأي انبعاثات ضارة على الإطلاق، بحسب ما يسعى إليه البرلمان.
ولم تمض مثل هذه الإجراءات دون أن يكون لها عواقب، حيث تقول ريتا بيرستاد ماراك، رئيسة موانئ بلدية ستراندا: "تلقينا عددا من الإلغاءات المقررة لعام 2020، وبخاصة من سفن تم بناؤها قبل عام 2000 ولا تلبي الاحتياجات"، وتوقعت حدوث خسائر اقتصادية.
وتدفع سفينة "إم إس سي ميرافيجليا" وحدها رسوما قيمتها 18 ألف يورو (19 ألف و800 دولار) من أجل السماح لها بأن ترسو في الميناء لبضع ساعات فقط.
من ناحية أخرى، تقول بيرستاد ماراك: "نعتقد أن هناك مجموعة كبيرة من العملاء الذين سيبقون بعيدا لبعض الوقت، ولكنهم قد يعودوا بعد بضع سنوات". وترى ماراك أن القواعد البيئية الأكثر تشددا التي تفرضها الحكومة، إيجابية، ولكنها أضافت أنه من المهم بالنسبة للسفن أن تستثمر في مجال التكنولوجيا اللازمة للسماح لها بدخول الميناء.
وتعمل الشركة المسؤولة عن سفينة "إم إس سي ميرافيجليا" بالفعل على تغيير سفنها.
وتقول جوليا شويتز، المتحدثة باسم الشركة: "بحلول أواخر عام 2021، سيتم تزويد جميع السفن السياحية التابعة لـ /إم إس سي ميرافيجليا/ والتي تعمل بواسطة الزيت الثقيل، بأنظمة لتنقية غازات العادم، وهو ما من شأنه أن يقلل من نسبة الكبريت في الانبعاثات بنسبة 98 بالمئة". وبالإضافة إلى ذلك، سيتم تزويد جميع السفن بنظام يهدف إلى المساعدة في خفض نسبة انبعاثات أكسيد النيتروجين.
ويسعى مجتمع ستراندا إلى إيجاد حلول مع الشركات التي تقوم بتشغيل السفن السياحية، بحيث يمكن للسفن أن ترسو خارج المضائق البحرية، على سبيل المثال، ثم يجرى نقل الركاب إلى المنطقة بواسطة قوارب كهربائية. والشيء الوحيد الذي يحاول السكان تجنبه تماما هو نقل السياح بواسطة حافلات.
وتم إقامة الطرق الضيقة وذات المنحنيات في المنطقة، خلال سبعينيات القرن الماضي، وهي ليست سهلة الاستخدام. وليس هناك ما يمكن للعمدة أن يقوم به، وليست هناك خطط لإقامة طريق جديد إلى جيرانجير. ويقول العمدة: "نفضل تقليل العدد، أو الزائرين بصورة يومية، من أجل خفض الازدحام".
والامر أسهل عن طريق البحر. ومع ذلك، فإن حوالي 30 بالمئة فقط من الزائرين يسلكون هذا الطريق. ويقول تريجيستاد: "لا يمكنك أيضا منع الناس من زيارة المكان بالسيارات". وهذا هو السبب وراء الضغط الذي تمثله البلدات لكي تأتي السيارات إلى المنطقة لتكون خالية من الانبعاثات أيضا.
ويعتبر الامر معضلة بالنسبة لجيرانجير، ويقول العمدة: "من الواضح أن هناك تناقضا بين تجنب الاضرار البيئية والحاجة إلى كسب الرزق... ولكن يجب علينا حل هذا التناقض من خلال العمل معا."

زيجريد أرمس
الاحد 10 نونبر 2019