عيون المقالات

عن كذبة حب الثقافة

03/03/2021 - ياسر الأطرش

نساء في غرفة فرجينيا وولف!

03/03/2021 - طالب الرفاعي

شهادة ميلاد بوذا

02/03/2021 - د.نجم عبدالكريم

مرونة الدماغ وعاداتنا

02/03/2021 - د. محمّد النغيمش

محمد بن سلمان يخذل الشعب السعودي.. لقد حان أوان رحيله

01/03/2021 - سارة لي ويتسن وعبد الله العودة

اللاواقع السوري

26/02/2021 - فوّاز حدّاد

حل قريب في سورية؟

24/02/2021 - ميشيل كيلو

محمد الماغوط.. شاعر الفرادة

22/02/2021 - بشير البكر

في الأدب الإريتري المكتوب باللغة العربية

22/02/2021 - عبد العزيز بركة ساكن


الشعوبية الترامبية وحاجة الأنظمة الديمقراطية إلى التجديد




ظاهرة استغلال ثغرات النظام الديمقراطي والبناء عليها، والعزف على وتر تحسين الظروف المعيشية للناس عبر التبشير الديماغوجي بتأمين المزيد من فرص العمل، وإثارة مشاعرهم الدينية أو القومية أو العرقية من أجل توسيع القاعدة المؤيدة، والتجييش في خدمة من يريد أن يتحول من مجرد رئيس منتخب بصلاحيات محددة، ولفترة معينة محددة يكون خلالها خاضعاً للمساءلة والمحاسبة وفق القوانين والدستور، إلى زعيم غير عادي، يتمتع بطاقات خارقة، يؤدي رسالة دينية أو عرقية أو قومية، لا تقتصر على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المغادر رغم كل اتهاماته بالتزوير، وعدم اعترافه بنتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها جو بايدن،


 ورغم حركاته الغريبة التي أبعدت عنه أقرب المقربين، خاصة بعد عملية اقتحام مبنى الكونغرس؛ بل هي ظاهرة عانت منها الأنظمة الديمقراطية القديمة منها والحديثة باستمرار، خاصة تلك الأنظمة التي افتقرت، أو تفتقر، إلى مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وتقاليد ديمقراطية لا تقتصر على العملية الانتخابية وحدها، ومنظمات مجتمعية، وأحزاب مؤمنة بالنظام الديمقراطي، وتعمل بموجب قواعده بغض النظر عن موقعها في عملية الحكم وموقفها منه. هذا فضلاً عن وجود مناخ ثقافي عام يحترم القيم الديمقراطية المبنية على حقوق الإنسان، ويسلّم باعتبار الآلية الديمقراطية في اتخاذ القرارات على جميع المستويات أولوية الأولويات. هذا بالإضافة إلى وجود شخصيات كاريزماتية قيادية على صعيد الدولة والمجتمع، تجسّد بمواقفها العملية التزامها بالنظام السياسي الديمقراطي وقيمه، ومستلزماته، ولا تخضع تلك القيم للاعتبارات المصلحية الأنانية أو الحزبية أو غيرها.

النظام الديمقراطي الذي توصلت إليه البشرية عبر العصور ليس النظام المثالي، هذا النظام الذي ترسخ حديثاً في مناطق عدة من العالم منذ انتصار الثورة الأمريكية 1783، ومن ثم ساد في أوروبا الغربية، وفي العديد من الدول الآسيوية خاصة الهند واليابان وأندونسيا وماليزيا، فضلا عن كوريا الجنوبية، هذا بالإضافة إلى العديد من الدول في أمريكا اللاتينية وأفريقيا رغم الاشكالات الكبيرة التي تحيط بالتجارب بالديمقراطية هناك. ولكن النظام الديمقراطي يظل الأفضل من بين الأنظمة التي توصلت إليها المجتمعات الإنسانية حتى الآن.

أما الشعبوية فهي تُعد من أكثر المخاطر التي تهدد الأنظمة الديمقراطية في عالمنا المعاصر، وهي الأنظمة التي تبدو ضعيفة، غير متماسكة، في مواجهة الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية التي أصبحت في يومنا الراهن ظاهرة على المستويين الدولي والإقليمي؛ هذه الأنظمة التي تتسم بقدرتها على اتخاذ القرارات بسرعة، والإلزام بالتنفيذ، وفرض العقوبات، بما في ذلك التعسفية منها؛ وحتى ممارسة أساليب التهديد والتغييب بحق المعارضين أو الصحافيين من المنتقدين المؤثرين.

والأمر اللافت في هذا السياق هو أن الديمقراطية كإسم أو مصطلح لها جاذبية لدى الأنظمة الاستبدادية نفسها، وهذا ما يفسر حرص هذه الأنظمة على استخدام الديمقراطية الإسمية للتضليل والتعمية، وذلك لاضفاء الشرعية على نفسها؛ وهي الشرعية التي تبقى في ظل الاستبداد مجرد شرعية شكلية صورية، تلتحف بها الأنظمة المعنية التي لا تستطيع تسويق نفسها إعلامياّ وشعبيا، أو حتى دولياً، فتلجأ إلى خدعة الانتخابات التي تجري عملية هندستها ترشيحاً وفوزاً وفق حسابات أصحاب القرار ضمن دائرة الزمرة المتحكمة بتلك الأنظمة.

ولكن، وفي جميع الأحوال، تبقى الديمقراطية الأمريكية، رغم الملاحظات الكثيرة حولها من جانب المفكرين والسياسيين في الدول الديمقراطية المستقرة، خاصة في الدول الاسكندنافية، النموذج الديمقراطي الأقدم والأقوى على المستوى العالمي، وذلك استناداً إلى ما تحظى به من قوة العاملين البشري والاقتصادي- المالي، فضلاً عن مستوى التقدم العلمي العام، والتقني على وجه التحديد.

إلا أنه مع ذلك، لا يجوز هنا تجاهل حقيقة معاناة الولايات المتحدة الأمريكية من جملة مشاكل لم تعالج منذ عقود معالجة صحيحة؛ بل اُعتمدت معها غالباً الحلول السطحية. وظلت المجموعات القومية/ العرقية المختلفة التي يتكون منها الشعب الأمريكي بعيدة بعضها عن بعض؛ إن لم نقل غريبة بعضها بالنسبة إلى بعضها الآخر. فهناك فوارق هائلة تباعد بين البيض والسود؛ بين أهل الريف والمدن والبلدات الداخلية وبين سكان المدن الكبرى خاصة الساحلية منها. وهناك حالة توجس، وإن لم تكن ظاهرة، بين المسلمين والمسيحيين، بين المواطنين الأمريكان من أصول أوروبية، بريطانية وألمانية بصورة خاصة، وبين الأمريكان من ذوي الأصول الآسيوية والأفريقية، فضلا عن السكان الأصليين.

وقد استطاع ترامب بانتهازية وديماغوجية واضحتين فاقعتين استغلال كل ذلك، وصاغ بناء على ذلك خطاباً شعبوياً دغدغ به مشاعر الأمريكيين البيض من الطبقة الوسطى ومن متوسطي مستوى التعليم بصورة أساسية، هؤلاء الذين يرون أنهم أحق من غيرهم بالاهتمام والرعاية من قبل الدولة الأمريكية، حتى بات شعار أمريكا أولاً، الذي استخدمه ترامب كثيراً، متماهياً مع أولويات ومصالح هذه الشريحة من الأمريكيين. وما أراده ترامب بذلك هو كسب شعبية خاصة به، في مواجهة شعبية الديمقراطيين التي تشمل الأوساط المدينية المتعلمة من مختلف مكونات الشعب الأمريكي التي تعيش في المدن الكبرى بصورة أساسية.

إلى جانب الأمريكيين البيض؛ ركز ترامب على المسيحيين المتشددين، وحاول ارضاءهم بجملة من القرارات والممارسات والتصريحات، لا سيما ما يتصل منها بموضوع الاجهاض. وإمعاناً منه في الشعبوية لكسب المزيد من الأنصار والمؤيدين، بدأ ترامب يشكك في جدوى استمرارية عضوية الولايات المتحدة في المنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان، هذا إلى جانب الانسحاب من اتفاقية باريس الخاصة بالمناخ، وذلك بناء على معطيات لا تستند إلى أي حقائق علمية، أو واقعية ملموسة.

وفي الوقت ذاته، أقدم ترامب على سلسلة من الإجراءات التي أثرت سلباً على العلاقات التجارية مع الصين وأوروبا، وتشدد في منح تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة لمواطني العديد من الدول الآسيوية والأفريقية، خاصة المسلمة منها بحجة قطع الطريق على الإرهاب “الإسلاموي”. كما أخلّ بالجهود والقرارات الدولية الخاصة بحل النزاع الفلسطيني، والأمر نفسه بالنسبة إلى الجولان، وهذا ما استفاد منه إعلامياً النظامان السوري والإيراني، في حين أن الوقائع على الأرض ظلت على ما هي عليه منذ 1967؛ هذا إلى جانب مواقفه (مواقف ترامب) السلبية من المرأة والإعلام بصورة عامة.

كل ذلك أدى إلى تسميم أجواء العلاقات الدولية، وبات حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في أوروبا، وألمانيا على وجه التحديد، في حذر شديد تجاه ما ستؤول إليه مستوى العلاقات بين الطرفين.

ولم تقتصر سلبيات مرحلة ترامب على العلاقات الدولية وحدها؛ بل أصبحت عباراته السلبية بحق المهاجرين، وشعاراته الإشكالية التحريضية، مادة تشجيع وإثارة بالنسبة إلى الحركات اليمينة المتطرفة الشعبوية، والعنصرية، في العديد من الدول الأوروبية الغربية منها والشرقية، وحتى في أمريكا اللاتينية، وبصورة خاصة بين الحركات النازية.

أما الجانب الإيجابي في الظاهرة الترامبية فهو ربما يتمثل في كونها وضعت العالم الديمقراطي بأسره أمام مخاطر تصاعد شعبية القوى اليمينية المتطرفة بتوجهاتها الانعزالية والعرقية المناهضة للقيم الديمقراطية على المستويين الوطني والدولي. هذه القوى التي لم تتمكن بعد من الإقرار بالمبادئ والقيم الديمقراطية، والالتزام باحترامها، رغم أنها تستغل الآليات الديمقراطية في الانتخابات للوصول إلى مؤسسات الحكم أو البرلمانات، لتمارس من خلالها نشاطاتها التي تتعارض، بل وتتناقض، مع القيم الديمقراطية، لا سيما في ميدان احترام حقوق الإنسان كإنسان، وبصرف النظر عن كل الاعتبارات الأخرى، وتعزيز العلاقات بين مختلف المجتمعات على أساس الاحترام المتبادل.

الأنظمة الديمقراطية الغربية هي في أزمة حقيقية، ولكنها ليست أزمة مستعصية على الحل، بل يمكن الاستفادة من العثرات التي تحدث هنا وهناك، ومنها الظاهرة الترامبية نفسها لتشخيص المخاطر، وتحديد الأسباب، بغية معالجتها. وفي مقدمة هذه الأسباب يشار هنا إلى المشكلات التي تعاني منها شعوب الدول المأزومة نتيجة الاستبداد والفساد. فالأنظمة المتسلطة في تلك الدول، ومنها دول منطقتنا، تمارس استبدادها من دون أي خشية من المساءلة والمحاسبة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة عدد المهاجرين، وتصاعد وتيرة العنف والتطرف، وكل ذلك يصبح مادة إعلامية تحريضية تستخدمها القوى اليمينية المتطرفة في المجتمعات الديمقراطية لكسب المزيد من الأصوات الانتخابية .

أما على الصعيد الداخلي، فإن الأنظمة الديمقراطية بحاجة إلى التجديد، وذلك يتم عبر تجاوز العقلية البيروقراطية، ومحاسبة الفاسدين، وإفساح المجال أمام الطاقات الشبابية، وإعطاء الاعتبار الأول لحقوق الإنسان، وعدم اخضاعها للحسابات المصلحية، وذلك كله يستوجب إعادة الاعتبار للثقافة الإنسانية التي تراجعت كثيراً أمام تصاعد النزعة الاستهلاكية التي تقوم أصلاً على النزعة الفردية، هذه النزعة التي تدفع بصاحبها نحو تحقيق أهدافه بمعزل عن نتائجها على المستويين المجتمعي والبيئي.
-----------
القدس العربي


عبد الباسط سيدا
الاحد 17 يناير 2021