عيون المقالات

العقل الكبير الذي خطفه كورونا

17/06/2021 - د. عمار علي حسن

لأناركية ثمرة الصراع بين الشرعية والمشروعية

15/06/2021 - المحامي عبد الناصر حوشان

أسئلة في الحب

15/06/2021 - أسعد طه

معارك حلب.. تفاصيل معارك الثكنات

13/06/2021 - العقيد عبد الجبار عكيدي

نحن وموسكو والزمن قصير

07/06/2021 - د. يحيى العريضي

علي دوبا ينتخب بشار الأسد

07/06/2021 - صبحي حديدي

تعالوا أحدّثكم عن رزان زيتونة

04/06/2021 - مصعب الحمادي


الفلسطيني أسامة العيسة يستعيد الأسطورة روائياً





"الإنجيل المنحول لزانية المعبد" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) هي الرواية السابعة للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة، بعد "المسكوبية"، "مجانين بيت لحم"، "قبلة بيت لحم الأخيرة"، "وردة أريحا"، "قط بئر السبع"، و"جسر على نهر الأردن".

ولعلّ أوّل ما يميّزها عن سابقاتها أن العنوان يغيب عنه المكان الفلسطيني، بينما يحضر في عناوين الروايات الست السابقة، وأنه يحيل إلى بعض أساطير الشرق القديم، فيما العناوين الأخرى تحيل إلى أماكن واقعية، تاريخية، جغرافية، ما يدفع إلى الاستنتاج أنّ الكاتب يجترح متناً روائياً مغايراً لمتون رواياته السابقة. فالمؤلف لا يكتب الرواية نفسها مرّتين، وهو في كلّ مرّة يخوض مغامرة جديدة في الشكل والمضمون، على حدّ تعبيره.


 

 

التّاريخ والأسطورة

في العنوان، لا بدّ من الإشارة إلى ملاحظتين اثنتين؛ الأولى تاريخية، تتعلّق بورود كلمة "إنجيل" على لسان الراوية وبطلة الرواية غير مرّة في المتن، مع العلم أن الحوادث تجري في القرن السادس عشر قبل الميلاد. فكيف يستقيم ذلك مع القول أنّها أُطلِقت، للمرّة الأولى، على كتاب العهد الجديد، الذي سيوضع بعد ستة عشر قرناً؟ والثانية أسطورية دينية، تتعلّق بوظيفة زانية المعبد، فقد جاء في الميثولوجيا الكنعانية أن "زانيات المعابد المتعبدات يمارسن العهر المقدّس، ويجيّرن ما يكسبن للمعابد والهياكل، وينشطن خصوصاً في المواسم" (ص 154)، ما يدعو إلى الاستنتاج أنّ هذا النوع من الزنى لم يكن يُحتسب في عداد الكبائر كما سترى الأديان التوحيدية لاحقاً.

في المتن، يبحث العيسة في جذور الصراع العربي الإسرائيلي، في تمظهراته الأولى بين "الإسرائيليين" (نسبة إلى اسم إسرائيل الذي أُطلِق على يعقوب) والكنعانيين. وهو صراع يعكس علاقة متوتّرة بين ثقافتين متجاورتين، مختلفتين. تُستخدَم فيه أسلحة الدين والعرق والقبيلة، ويشارك فيه الآلهة والبشر، ويتمخّض عن نتائج معيّنة، لا تزال ترخي بثقلها على الحاضر والمستقبل. ولعلّ ما يحدث في فلسطين، في هذه اللحظة التاريخية، يشكّل امتداداً لتلك الجذور الضاربة في القِدَم، وأحد التجليات الأعنف لذلك الصراع.

 

يتّخذ العيسة من علاقة حبٍّ عابرة للجماعتين ومساراتها ومآلاتها إطاراً للتعبير عن الصراع التاريخي بينهما. الطرف الأوّل في العلاقة ثابت، هو تمار الكنعانية. والطرف الآخر متغيّر، يتمثّل في الأب يهوذا وأولاده الثلاثة عير وأونان وشيلة. ومجريات العلاقة تحدث في منطقة وادي العيون، الاسم الروائي لفلسطين في الرواية. وفيها، يتدخّل فيها البشر والآلهة، ويختلط فيها الحب بالواجب، والمعتقدات الدينية بالعواطف الإنسانية، والتعصب الديني بالتمييز العنصري، والطقوس بالشعائر، والسماء بالأرض. وينجم عن التدخّل والاختلاط ضحايا. وتتحقق هزائم مؤقّتة وانتصارات ظرفية.

 

مجريات العلاقة

  في مجريات العلاقة بين الطرفين، يشكّل اللقاء بين تمار الكنعانية وعير العبراني، في وادي العيون، بداية تعارف بينهما. يتحوّل، على تكرار اللقاءات، إلى علاقة حب، ويتعاهدان على الارتباط، ويخوضان في حوارات تنجلي عن صعوبات، تتعلّق بنظرة كل من الجماعتين إلى الأخرى، ما يجعل المشاعر الفردية تصطدم بالمعتقدات العامة. ويكون على كلٍّ من الحبيبين أن يوازن بين إخلاصه لعاطفته الفطرية وإيمانه بمعتقدات جماعته، حتى إذا ما اختلّ التوازن بين الكفّتين، يكون ثمة ثمن لا بدّ من دفعه.

العبرانيون يصدرون عن نظرة عنصرية إلى الكنعانيين، يتهمونهم بالغباء، ويحتقرون مهنهم، ويرون أنهم "مجموعة منحرفة، زنديقة" (ص 40)، ناهيك بأن ربّهم يهوه يغذي فيهم هذه النظرة، ويميّز بين رائحة أجسادهم ورائحة أجساد الآخرين، ويتوّعد بالعقاب كلّ خارج عن الناموس منهم. أمّا الكنعانيّون فيأخذون على إله العبرانيين عنصريته ومزاجيّته وغيرته، ويأخذون عليهم عنصريتهم واستحواذهم وتعليق خطاياهم على مشجب الآلهة.

 

النّاموس والقبيلة

 في مواجهة المعتقدات العامة والمواقف الفردية، يُصرّ عير وتمار على تحقيق حلمهما المشرك أيًّا تكن النتائج. يخالف هو الناموس الذي يمنع اقترانه بكنعانية، وتخالف هي أعراف القبيلة. ويكون على كل منهما أن يدفع ثمن المخالفة، على اختلاف وتيرة الدفع ونوعه.

عير، المتحدّر من سلالة يعقوب النبي والمؤهل لحمل الرسالة بعد موت أبيه يهوذا، ينزل به العقاب الإلهي ويموت بعد شهرين من زواجه، حتى إذا ما أقرّ الرأي على تزويج تمار من أخيه أونار لتنجب عير الصغير الذي يعيده إلى الحياة، ورفض أونار تنفيذ الأمر ينزل به عقاب الآلهة بدوره، ويموت بعد سبعة أيام من اقترانه القسري بتمار. الأمر نفسه ينسحب على الأخ الثالث شيلة الذي يتوجب عليه، بحسب الناموس، أن يحلّ محلّ أخويه، غير أن طلبه الشيء قبل أوانه يجعله يعاقب بحرمانه، فتعاقبه الآلهة بالعته. وهكذا، نكون إزاء إله مزاجي، يفعل الشيء وعكسه، فيميت الأخ الأوّل لأنه يتزوّج بالكنعانية، ويميت الثاني لأنه لم يتزوج بها، ويعته الثالث لأنه يستعجل الحصول على حاجته.

 

عقاب وانتقام

أمّا عقوبة تمار فتجري، على المدى الطويل البطيء، ويكون عليها أن ترضخ للتقاليد العبرانية وفاءً منها لحبيبها، وأن تقبل بالاقتران بأخيه الثاني بعد موته، وأن تنتظر بلوغ الأخ الثالث حتى إذا ما حصل ذلك يحاول الأب يهوذا التنصّل من وعده لها، وتوصم بالأرملة المنحوسة بين العبرانيين، و"تُفرَد إفراد البعير المعبّد" بين الكنعانيين، على حد تعبير الشاعر الجاهلي.

وحين تلجأ إلى مجلس الحكماء العبري لإنصافها من شيلة وأبيه يكون الحكم في ظاهر الأمر في مصلحتها غير أنه في الحقيقة يكون في مصلحة الخصم. وهكذا، تدفع تمار ثمن وفائها لحبيبها، والتزامها بأعراف قومه، وتقع ضحية وعد يهوذا الكاذب وموقفه المراوغ، وتقرّر الانتقام، على طريقتها. تنتحل صفة زانية المعبد وتقوم بإغوائه دون أن يعرفها، فيسقط في حبائلها، ويسلّمها، في لحظة سكر، ختمه وعصاه وإكليله وحزامه، ما يرمز إلى هويته وقوته ومجد قومه، حتى إذا ما أفاق من سكره وحاول استعادة رموزه لا يجد إلى ذلك سبيلاً.

حين يعلم يهوذا بحمل كنّته، بعد عودتها إلى ذويها، يرميها بشتّى التهم، ويأمر رعاعه بمحاصرة منزلها وجرّها وإحراقها، ما يجعلها تشهر الدليل القاطع على خيانته ومشاركتها الزنى، فيقول فيها كلاماً مختلفاً، ويأمر رعاعه بالانسحاب، وتسقط مكانته في عيون أتباعه. وبذلك، تستخدم تمار شجاعتها وذكاءها، وتنتقم لنفسها وبنات جنسها من يهوذا وأمثاله، وتنتصر على غريمها، في نهاية المطاف. وعليه، تقول الرواية تغلّب المعتقدات العامة على المشاعر الخاصة، واستحالة التوفيق بين الجماعتين، وهو ما نراه على أرض فلسطين حالياً.

الشخصية العبرانيّة

 في الرواية، يقوم الكاتب بتفكيك الشخصية العبرانية وطريقة عيشها ونمط تفكيرها وآليات سلوكها، من خلال يهوذا، البطل الآخر للرواية. فنتعرّف إلى الشخصية العبرانية في تمرّدها وازدواجيتها وماكيافيلّيتها وادّعائها ومراوغتها وعنصريتها وذكوريتها.

يهوذا المتحدّر من سلالة النبوّة، المؤتمن على نقاء السلالة، يبيح لنفسه الزواج من امرأة كنعانية خلافاً للناموس العبري، ويراهن على تجاوز يهوه عن فعلته، ويدّعي البطولات الخارقة التي لا تصدّقه فيها حتى زوجته، ويربي أولاده تربية عنصرية، ويثير الشرور، ويرتاح لمنظر الدم المسفوك، ويستخدم دبلوماسية المؤامرة، ويرشو يهوه بطقوس معيّنة، ويملي إرادته على كنّته بعد موت زوجها، ويعدها بوعود كاذبة يتنصّل منها في الوقت المناسب، ويرتكب فعل الزنى معها حين تنتحل صفة زانية المعبد، ويشهّر بها حين يعلم بحملها، ويحرّض رعاعه على جرّها وحرقها، فيحمّلها مسؤولية الفعل نفسه الذي يتنصّل هو منه، في ترجمة لعقليته الذكورية. وحين تهدّده بفضحه وتعريته أمام قومه يغيّر في خطابه وسلوكه معها. وبذلك، يرسم العيسة الشخصية الإسرائيلية بتناقضاتها وأعطابها وطرائق تفكيرها وزوايا نظرها للأمور.

الشخصيّة الكنعانيّة

 في المقابل، يقوم العيسة بتفكيك الشخصية الكنعانية، من خلال تمار، البطلة الأولى للرواية، فنتعرّف إلى فتاة ذكية تتحدّر من أسرة كهنة معبد أدون، وتجمع بين عراقة النسب وحسن التصرّف، ونقف على جرأتها وتمرّدها وإقدامها ومبادرتها ووفائها لحبيبها والتزامها بأعراف جماعته وثقتها بنفسها وقدرتها على الانتقام ممّن يستغلّها ويتنكّر لها. فتمار، ابنة كاهن قومه، التي تحب عير، ابن أرجد قومه، وتتمرّد على أعراف القبيلة في حبّها، وتلتزم بأعراف جماعة حبيبها بعد موته، وترهن شبابها لتحقيق أمنية الحبيب ووالده يهوذا في حفظ السلالة، هي نفسها التي تغوي يهوذا وتهدّد بفضحه حين يراوغ ويتنكّر لوعوده لها، فيمتثل لإرادتها وينزل عند رغبتها مكرهاً، فتنتقم منه وتنتصر عليه. وبذلك، يرسم الكاتب الشخصية الكنعانية في حبها ووفائها والتزامها ومبادرتها وشجاعتها وقدرتها على الدفاع عن النفس. وتكتب تمار الكنعانية إنجيلها الخاص المختلف عن أناجيل الآخرين.

وخلاصة القول، في "الإنجيل المنحول لزانية المعبد"، يتّخذ أسامة العيسة الموقف الطبيعي المنحاز لأجداده ضدّ أعدائهم التاريخيين. ولعلّ ما تشهده فلسطين، في هذه اللحظة التاريخية، من الصراع العربي الإسرائيلي، في أعنف تمظهراته، يشكّل خير دليل على صحّة هذا الموقف.
-------------

النهار العربي


سلمان زين الدين
الجمعة 4 يونيو 2021