الليبيون يتحركون باتجاه الحل وروسيا وأمريكا تتنافسان على النفوذ




القاهرة- يشهد الوضع المتأزم في ليبيا تحركات جادة لحلحلته؛ حيث بدأت الاسبوع الماضي في مدينة الغردقة المصرية مباحثات ليبية ضمن محادثات اللجنة العسكرية المشتركة لليبيا والمعروفة باسم 5 + 5 والمنبثقة عن اجتماع ومخرجات برلين لبحث بعض الملفات الأمنية والعسكرية، برعاية مباشرة من الأمم المتحدة.


 

وقالت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مساء   إن المحادثات الأمنية أسفرت عن توصيات للمرحلة القادمة، أهمها الإسراع بعقد اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 بلقاءات مباشرة خلال الأسبوع القادم، والإفراج الفوري عن كل من هو محتجز على الهوية دون أية شروط أو قيود، واتخاذ التدابير العاجلة لتبادل المحتجزين بسبب العمليات العسكرية وذلك قبل نهاية شهر تشرين أول/اُكتوبر المقبل عبر تشكيل لجان مختصة من الأطراف المعنية.
كما أكدت التوصيات ضرورة إيقاف حملات التصعيد الإعلامي وخطاب الكراهية ليحل محله خطاب التسامح والتصالح ونبذ العنف والإرهاب، مع فتح خطوط المواصلات الجوية والبرية بما يضمن حرية التنقل للمواطنين بين كافة المدن الليبية.
وطالبت التوصيات بإحالة موضوع مهام ومسؤوليات حرس المنشآت النفطية إلى اللجنة العسكرية المشتركة وإعطائه الأولوية بهدف تقييم الموقف ودراسته واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان انتظام عملية انتاج وتصدير النفط بعيدا عن التجاذبات السياسية.
كما تم في المغرب عقد الجولة الأولى من الحوار الليبي في الفترة من 6 إلى 10 من أيلول/سبتمبر، وشارك فيها المجلس الأعلى للدولة ومجلس نواب طبرق (شرق)، الداعم لما يسمى بالجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر.
وتوصل طرفا الحوار إلى اتفاق شامل حول آلية تولي المناصب السيادية، ويرى كثير من المراقبين أن قرار فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، التخلي عن مهامه نهاية تشرين أول/أكتوبر، سهل المأمورية على الطرفين المتفاوضين. ومن المقرر عقد جولة ثانية من المباحثات لاستكمال الإجراءات اللازمة بشأن تفعيل الاتفاق وتنفيذه.
ومما يزيد من تعقيد الأمور في ليبيا تعدد الأطراف الداعمة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا في طرابلس، وما يسمى بالجيش الوطني الليبي في شرق البلاد. وأكد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي أنه بعد أن جذبت ليبيا اهتمام العالم في عام 2011، توارت تدريجيا عن الأنظار حيث تحولت ثورتها إلى حرب أهلية مستعرة، وأن الفوضى التي أججها التدخل الأجنبي أدت إلى تفاقم الصعوبات الكامنة بالنسبة لإعادة بناء مجتمع قبلي ومفكك بشكل عميق.
وفيما يتعلق بالتدخل الأجنبي أوضح المخطط الاستراتيجي الأمريكي الميجور توماس أرنولد في تقرير له نشره موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنه في الوقت الذي هرعت فيه الدول العربية لرعاية مصالحها الأمنية، تقدمت روسيا بحذر ، مفضلة البقاء بعيدا عن الأضواء. وبزيادة تدخلها في ليبيا تدريجيا، نجحت روسيا في تأمين غالبية أهدافها التكتيكية والاستراتيجية دون تدخل كبير من جانب الغرب.
وقال أرنولد إنه عندما شعر صانعو السياسة الأمريكية بالتصرفات الروسية في ليبيا ، ركزوا بصورة تتسم بقصر النظر على القوات العسكرية الروسية الخاصة والشركات العسكرية والأمنية الخاصة، ولا سيما مجموعة فاجنر. وحتى بعد أن انتشرت التقارير عن التدخل الروسي ظل رد الفعل الأمريكي فاترا، وركز على البيانات الصحفية التي تدين استخدام موسكو للمرتزقة. والحقيقة هي أن تصرفات روسيا في ليبيا أوسع نطاقا من مجرد قيام مجموعة من المرتزقة يتحكم فيها الكرملين بالسيطرة على حقول النفط؛ إذ يكشف أي تدقيق شامل لتدخل روسيا في ليبيا عن أوجه شبه مع عمليات سابقة، وعن الملامح المحتملة لتدخلات الكرملين المستقبلية في أي فراغات أمنية أخرى.
ويرى أرنولد أن هناك إجماعا قويا في الدوائر التحليلية على أن الاستراتيجية الكبرى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذات هدفين أساسا. أولهما، أن روسيا تريد أن تقدم للعالم بديلا عن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي من خلال استعادة القطبية المتعددة للنظام الدولي. والهدف الثاني هو أن بوتين يريد التأكد من الاعتراف حقيقة بروسيا كدولة كبرى- مساوية للولايات المتحدة أو الصين- يتم طلب مشورتها مرة أخرى بالنسبة للقضايا العالمية. والدافع وراء استراتيجية بوتين الكبرى هو إحساس تاريخي بالأحقية والاستياء تجاه التعدي الغربي على فضاء ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وتضاؤل النفوذ الروسي في الخارج.
وأضاف أرنولد أن حوض البحر المتوسط يعتبر تاريخيا ذا أهمية استراتيجية لروسيا ابتداء من اهتمام القياصرة بالشرق وانتهاء بالتدخل الروسي في شمال أفريقيا. وإذا تم النظر إلى عودة روسيا إلى المنطقة سيجد أنه أمر روتيني وليس جديدا؛ إذ يمكن وصف استراتيجية روسيا الإقليمية بالنسبة لحوض البحر المتوسط بأنها هجين لموقفها تجاه كل من الشرق الأوسط وأفريقيا.
فعلى المستوى الإقليمي يمكن ترجمة استراتيجية بوتين إلى أربعة أهداف هي: دعم القادة المفضلين للمصالح الروسية من أجل إضعاف النفوذ الأمريكي ، وأن تصبح روسيا لاعبا أساسيا على المسرح العالمي، وتطوير مصالح اقتصادية لإثراء الدولة والنخب الروسية، واخيرا تأمين مواقع عسكرية تتجاوز بحر البلطيق لتوسيع نطاق مواجهة روسيا مع الغرب.
وهذه الأهداف تتماشى مع الرؤية الاستراتيجية الشاملة لبوتين وتدعمها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحقائق الجغرافية السياسية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا- حيث عدم الاستقرار المزمن إلى جانب تضاؤل النفوذ الأمريكي – يرغم روسيا تقريبا على التدخل في أنحاء المنطقة، حيث تعتبر ليبيا هي أحدث جائزة لموسكو.
وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تكون أكثر نشاطا، فإن من الخيارات المتاحة لها لإضعاف نفوذ روسيا وتكبيدها خسائر نظير بقائها في ليبيا ضرورة تحديد المدى الكامل للتدخل الروسي. و كذلك فإن التصنيف الشامل للأوراق التي تلعب بها موسكو هو السبيل الوحيد للتعرف على نقاط الضعف في استراتيجية موسكو واستهدافها.

بلال تامر
الاحد 18 أكتوبر 2020