الملكيون والجمهوريون ومسؤولية خلق الأصوليات المعاصرة



ترى دراسة فكرية فيها بعض الرصانة العلمية وبعض التشويق الصحفي أن الأنظمة الملكية التي احتضنت الاسلاميين الهاربين من بطش الأنظمة الجمهورية في العالم العربي ساهمت ضمن أسباب أخرى في بروز ظاهرة الاسلام السياسي وبالتالي فهي المسؤلة أكثر من غيرها عن خلق الأصوليات المعاصرة وتعتقد الدراسة التي أعدهاالدكتور شاكر النابلسي وعنونها على شكل سؤال هام :ما هي أسباب بروز "الإسلام السياسي" بهذه القوة؟
أن الاسلاميين الذين فاتهم الدور السياسي اتجهوا الى حقل توظيف الاموال وفشلوا وافلست مشاريعهم بعد فضائح فما هي مصداقية هذه الأسباب وما دقة النتائج التي توصل اليها الباحث ؟صحيفة الهدهد الدوليةتطرح هذه القضية للنقاش منطلقة من قناعة مؤداها أنه لايجوز محاباة أحد لا ملكيين ولا جمهوريين فقد صار من حق الشعوب العربيةأن تعرف ماهي الأخطاء التي أوصلتنا الى هذه المرحلة من الهوان والتخلف ؟


ما هي أسباب بروز "الإسلام السياسي" بهذه القوة؟

شاكر النابلسي

يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي أحد أقطاب الفقه في جماعة الإخوان المسلمين: "إن مأساة الإسلام لم تجئ من كثرة حكوماته، قدر ما جاءت من تفاهة الحاكمين وندرة مواهبهم، وسقوط منصب الخلافة، بين أناس لا يصلحون لإدارة قرية صغيرة أو شركة محدودة" ("مائة سؤال عن الإسلام"، ص 282).
فإذا كان الحال كذلك، فما هي الأسباب إذن، التي أدت إلى ارتفاع أصوات الجماعـات الإسلاميـة عالياً، بالمناداة بربط الدين بالدولة، في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين؟
وما هي الأسباب كذلك، التي أدَّت إلى علو هذه الأصوات علواً كبيراً في النصف الثاني من القرن العشرين خاصة، حيث لم نشهـد مثيلاً له، منذ صـراع العلويين مع الأمويين، في صدر الإسلام؟
الاقتصاد المتردي
هناك أسباب مختلفة لذلك، منها اقتران تكوين ونشوء الجماعات الإسلامية بالأوضاع الاقتصاديـة المتردية في العالم العربي. فقد تكونت أول جماعة إسلامية في العـالم العربي في مصر في العام 1928، وهي "جماعة الإخـوان المسلمين"، على إثر ركود اقتصادي، ثم انهيار اقتصادي عالمي مُروّع، في العـام 1929. وجاءت هذه الجماعة، لتقول للشارع العربي والإسلامـي، بأن الإسلام هو الحل، وهـو الذي سيُطعم الناس بعد جوع، ويؤمِّنهم بعد خوف.
اضطهاد الجماعات الإسلامية
ومن الأسباب التي أدت إلى بروز الإسلام السياسي، اضطهاد الجماعات الإسلامية من قبل الجمهوريين في العالم العربي، في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، متمثلين بالإخوان المسلمين، وصدامهـم مع الجمهوريين المصريين. واحتضـان الملكيين - سواء من كانوا يُنسبون إلى آل البيت، أو من كانوا يتبنون النهـج السلفي الديني - بالمقابل لهذه الجماعـات، ودعمهم بالمال، والترحيب بإقامة زعماء الإسلام السياسي الهاربين من ظلم الأنظمة الجمهورية. كما برز تعاطفٌ من الرأي العام العربي مع بعض هذه الجماعات الإسلامية، التي أصابها التنكيل والاضطهاد والتشريد والقتل، على أيدي الجمهوريين الدكتاتوريين، في أنحاء متفرقة من العالم العربي. فقد تمَّ شنق قيادات الإخوان المسلمين بالجملة على يد الجمهوريين في العام 1955. كما تم شنق سيّد قُطب في العام 1966، وشنق صالح سرية في العام 1974، وشنق شكري مصطفى في العام 1977، وشنق محمد عبد السلام فرج زعيم تنظيم "الجهاد"، وقتل الآلاف من الإخوان المسلمين في سوريا، في حوادث حلب وحماة في العام 1982.
هزيمة 1967
ومن الأسباب لظهور الإسلام السياسي بقوة، وقوع هزيمة عام 1967، وما تركته من آثار سياسية، واجتماعية، واقتصادية سيئة، ونهاية المشروع الناصري الاشتراكي. كما يردُّ بعض الباحثين، ازدهار الحركات الإسلامية، في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى سبب جوهري أساسي، وهو السبب الاجتماعي. ويدلل على ذلك بقوله " إن الغالبية العظمى للجماعات الإسلامية من أبناء الطبقات الفقيرة، الذين يعيشون في الأحياء العشوائية، ومناطق الإسكان الهامشية، جنباً إلى جنب مع سكان المناطق الراقيـة. وهـم من الذين تركوا مدارسهم أو أكملوها بمستويات منخفضة. ولم يجدوا عملاً غير العمل الديني السياسي الذي يعيد لهم شيئاً مما افتقدوه من الهيبة والقيمة الاجتماعية". ويكاد الأمر ينجلي عن ارتداء الصراع الطبقي لزي ديني. ومن ناحية أخرى، فإن" استعمال الدين كأداة تحريض لا يمكن فصله عن مصالح وحاجات ومواقع الطبقات الوسطى التي تزدهر ضمنها هذه الحركات. وليس صدفة أن الجماعات الدينية تستمد معظم قوتها من شرائح التجار الصغار، ومتوسطي الحال والحرفيين، والطلبة المهددين بالبطالة، والمهنيين، الذين لم تستقر أحوالهم الاقتصادية، والمثقفين الذين تغلّبت طموحاتهم على واقعهم". (أنظر: خليل عبد الكريم، "جذور العنف لدى الجماعات الإسلامية"، ص111. وانظر: سيّد القمني، "الدولة تعيد إنتاج لغة أعدائها"، موقع "البوابة" الإليكتروني، 18/9/2000. وانظر: حليم بركات، "الدين والسلطة في المجتمع العربي المعاصر"، ص84).
ومن ناحية أخرى، فإن من أسباب نشوء وارتقاء الجماعات الإسلامية في النصـف الثاني من القرن العشرين، هو أن الطلبة، والفلاحين، والعمال، لم يدخل فكرهم الانحـراف الفكري، ولم تمزقهم التيارات الفلسفية المغرضة، وكانوا على فطرتهم، يعتزون بالدين، وقداسته، ومُثله. كما أن مصالح هذه الجماهير لم تصطدم مع تعاليم الدين. وكان الدين مبشراً بخلاصها من الظلم الاجتماعي والسياسي. ولم تكن هذه الفئات، قد ولغت في مفاتن الغرب وتقاليـده، ولم تكن قد استوردت لحياتها وقيمها أنماطاً جديدة من المدنية الغربية.

انتفاضات الجوع
ساعد تفاقم الأزمة الاقتصادية في العالم العربي، وكذلك انتفاضات الشوارع العربية بسبب الجوع والفقر، في أنحاء متفرقـة من العالم العربي، على انتشار الإسلام السياسي. فكانت أولى هذه الانتفاضات في مصر في العام 1977، ثم في السودان في العام 1982، ثم في تونس والمغـرب في العام 1984، ثم في الأردن في العام 1989. وبموجب إحصائيـات العام 1993 بلغت نسبة الأسر العربية التي تعيش تحت خـط الفقر 34 بالمائة. وترتفع هذه النسبة في بعض الدولة العربية إلى ستين بالمائة. وأن جُلَّ سكان العالم العربي – باستثناء دول النفط – لا يحصلون إلا على دولار أو اثنين في اليوم، وهو الحد الأدنى لكفـاف الإنسان، حسب مقاييس البنك الدولي. وكان الجواب عن كل هذه الانتفاضات وتلك الأزمات، أن الحل في الإسلام، وفي التكافل الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي. مما دفع بعض الجماعات الإسلامية إلى إنشاء شركات توظيف الأموال الإسلامية في مصر على وجه الخصوص، ودعم إنشاء البنوك الإسلامية، في أنحاء متفرقة من العـالم العربي، كبديل إسلامي عن الاقتصاد الاشتراكي، الذي خرّب البيت العربي، كما قالت أدبيات الجماعات الإسلامية في ذلك الوقت. وقد تاجرت شركات توظيف الأموال بالإسلام ، وبمباركة من بعض كبار رجال الدين. وكانت متاجرتها بالدين، تتجلّى بتسمية هذه الشركات تسميات مستوحاة من الدين مثل: البدر، الهدى، الهلال، النور، الرضا.. الخ. وطلاء مقارها باللون الأخضر. وقولها إنها تدير الأموال في مجالات المضاربة والمشاركة الإسلامية. وقد أفلست هذه الشركات جميعها، بعد أن أكلت أموال الفقراء وذوي الدخل المحدود، وزُجَّ بعض أصحابها في السجون، والبعض الآخر هرب محملاً بالملايين من ودائع الدراويش والبسطاء، كما تمَّ مع صاحب "شركة الهلال" الذي هرب إلى أمريكا، ومعه مائة مليون جنيه من ودائع المستثمرين والمدخرين، وصاحب "شركة الصفا"، وأصحاب أربع شركات أخرى في الإسكندرية. وتم ذلك بفضل الفساد الحكومي المستشري، والقادر على "تمرير الإبل من ثقوب الإبر" على حدِّ تعبير الباحث المصري محمد دويدار (أنظر: "شركات توظيف الأموال"، ص 141).

التغريب الجمهوري
ومن الأسباب التي ساعدت على انتشار الإسلام السياسي، اتجاه الجمهوريين في عهد عبد الناصر، وعهد السادات، وحافظ الأسد، وغيرهم إلى التغريب. فقد "زادت حركة التغريب حدةً وشذوذاً في السبعينات. وكان عبد الناصر يحمل إعجاباً دفيناً بالنموذج الغربي، لم تسمح له معاركه السياسية بالتصريح عنه. وعلى رأس هذه المعارك كانت القضية الفلسطينية. ولنا أن نتصوّر، كيف لو أن إسرائيل لم تنشأ في فلسطين ولم يكن هناك شيء اسمه "القضية الفلسطينية".. فما هو حال العالم العربي الآن؟ وهذا التصور يحتاج إلى أدوات منهاج علمي يُطلق عليه "منهاج الواقع المضاد Counter factual ". كما يحتاج إلى عدة سيناريوهات اقتصادية، وثقافية، وسياسية، واجتماعية.
وفي الوقت الذي كان فيه الشعور الديني يزداد قوةً، بفعل عوامل متعددة، اصطدم هذا الشعور بما نراه من تسارع الاتجاه نحو التغريب، الذي يؤذي الشعور الديني، ويتحداه. فكان الموقف السياسي الليبرالي العربي تجاه الغرب، يتسمُ بالإعجاب والكراهية في الوقت نفسه: الإعجاب بالتقدم الحضاري، والكراهية للاستعمار.

البترول الخليجي
إن ظهور البترول في الخليج العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين، وانتشار أثره الاستهلاكـي بعد العام 1974، مما أوحى للعامة بأن الثروة تهبط من السماء، حيث الدولة الإسلامية متمثلة ببعض دول الخليج، من أسباب انتشار الإسلام السياسي. وقيل أن بركة تطبيق الحدود والعقوبات الإسلامية، هي التي جاءت بهذه الثروات، وفجَّرت الأرض بالخيرات. وقد أدى ظهور البترول، وتدفق الثروة على بلدان الخليج العربي، إلى اتساع الهجرة إلى الخليج بعد العام 1974 من قبل الجماعـات الإسلامية، واعتبار دول الخليـج بلاد التكفير والهجرة، حيث المال والإسلام. واعتبار بعض دول الخليـج، المثال الحي على تطبيق الإسلام، الذي جاء بالثروة.
الثورة الخمينية
وكان قيام ونجاح الثورة الإيرانية الإسلاميـة في1979، أثره على بروز الإسلام السياسي، حيث ألقى في روع المنظمات الإسلاميـة، أن تجربة الثورة الإسلامية الإيرانية، يمكن لها أن تتكرر في بلدان عربية أخرى. وأعقب ذلك اجتياح إسرائيل للبنان في العـام 1982، وبدء نشاط "حزب الله" بالتصدي للقوات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية اللبنانية، مما دفع إلى انسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000، وقيام الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة بقيادة الجماعـات الإسلامية، وعلى رأسها حركة "حماس" .
فشل إعداد جيش قوي
إن فشل الدول العربية مجتمعة، أو منفردة، في إقامة جيش قوي، يستطيع الوقوف في وجه إسرائيل وهزيمتها، رغم العدة البشرية الأكثر للجيوش العربيـة، ورغم الحجم المالي الكبير لما يُرصد في ميزانيات الدفـاع العربية – مقارنة بميزانية الدفاع الإسرائيلي - كان أحد العوامل التي ساعدت على بروز الإسلام السياسي. وإن بقاء القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي يراوح مكانـه، منذ نصف قرن من الزمـان، دون أن يتمكن العرب من بناء قوة عربية رادعة تحسم المعركـة، ساعد على تقوية تيار الإسلام السياسي. وما أن جاء عام 2000 ، إلا وكان الجيش الإسرائيلي أقـوى جيش في منطقة الشرق الأوسط، لا تستطيع الدول العربية، أن تفعـل حياله شيئاً، غير عقد المؤتمرات وإصدار بيانات الاحتجاج على القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، مما قوّى من ساعد الجماعات الإسلامية داخل الأراضي المحتلة. فأصبح لحركة "حماس"، ولحزب الله في جنوب لبنان، شأن سياسي كبير في الصراع العربي – الإسرائيلي.

الأنظمة الهشَّة
لا شك بأن تحقيق الجماعات الإسلامية في دول عربية مختلفـة كالأردن والجزائر لنتائج مفاجئة في الانتخابات التشريعية والبلديـة، وفي انتخابات النقابات المهنية والعمالية، كان له الأثر الكبير في ارتفاع أسهم الإسلام السياسي في الشارع العربي. وكان هذا مقابل وجود أنظمة سياسية عَلْمانية عربية هشّة، وعدم تحقيق هذه الأنظمة القوة الاجتماعية والفكرية والسياسية لحمايتها، وحمايـة مكتسباتهـا. حيث تمّت محاربة القوى السياسيـة الوطنية النظيفة، وزُجَّ بعض أعضائها في السجون، أو تمَّ طردهم من الحلبة السياسية، أو نفيهم خارج الوطن. بل إن بعض الدول العربيـة (كما تم في عهد السادات) قامت بالمزايدة مع الجماعات الإسلامية، والتشجيع غير المباشر لهذه الجماعات، نكاية وكيداً لأعداء السلطة من اليساريين. وسيطرت الجماعات الإسلامية في بعض الدول العربية والخليجية خاصة، على التعليم والإعلام. فشُحنت برامج التعليم وبرامج الإعلام بالمواد الدينية، وتمَّ تطهيرها من الأفكار الفلسفية المستوردة. وألغيت الرقابة على البرامج الدينية، والكتب الدينية، وخاصة كتب سيد قُطب والمودودي، وغُضَّ الطرْفَ عن خطباء المساجد، وما يقولون. وقد أفسحت هذه السياسة المجال أمام الجماعات الإسلامية، لكي تملأ الفراغ السياسي الناجم عن تغييب القوى السياسية الأخرى.

لا بدائل واضحة
وكانت شعارات وخطابات الإسلام السياسي جميلة وبرّاقة، تدعو إلى استئصال دولة الجاهلية، وإقامة حكم الله في الأرض. ولكنها كانت بدون مشروع سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي واضح ومقنع، تقدمه كبديل لما هو قائم. وكانت هذه الشعارات والخطابات، تكتفي - كما قال فرج فوده، في كتابه "الفريضة الغائبة" - بالدعوة إلى أن إقامة نظام اجتماعي وسياسي حقيقي هي دعوة مقدسة، يجب على كل مسلم ومسلمة السعي إليها. ولكن لا أحد من قيادات هذه الجماعات، كان باستطاعته أن يخبرنا، كيف يمكن إقامة مثل هذا النظام، لأن لا أحد منهم، كان يعلم كيفية ذلك. (أنظر: محمد نور فرحات، "عن التحولات الاجتماعية والأيديولوجيا الإسلامية"، ص160).

الدكتور شاكر النابلسي
الثلاثاء 24 فبراير 2009


           

تعليق جديد
Twitter