زنزانة عمر البشير فيها تكييف وتلفزيون وأشياء أخرى

21/04/2019 - صحيفة الانتباهة - مواقع تو،اصل



النحّاسون و سوق القزدارة في ليبيا



طرابلس - كانت أصواتها تُسمع من ميدان الشهداء وسط طرابلس، تلك المطارق وهي تهوي على صفائح النحاس، تهيئها تحفاً وأوانٍ جميلة، للأزاميل الرقيقة التي تَرْسُم على صفحتها أجمل الزخارف ... هكذا كان الحال عبر عصور، قبل أن تتبدّل الأوضاع في ركن من طرابلس القديمة: "سوق القزدارة"


هو سوق لتصنيع وبيع منتجات النحاس والفضة، سُمِّي "القزدارة" نِسبة لطلاء الأواني النحاسية بالقصدير "القزدير كما يسميه الليبيون". يقع السوق داخل أسوار المدينة القديمة بطرابلس، خلف مبنى مصرف ليبيا المركزي عند مدخل برج الساعة، وهو لا زال إلى اليوم أحد معالم طرابلس الضاربة في القِدم، وكان إلى حدٍ قريب مقصداً للسيّاح؛ قبل أن تدخل البلاد أتون الفوضى عام 2011. يرجّح النحّاسون أن تاريخ السوق يعود للعصر العثماني الأول، قبل أن يزدهر أيام "الأسرة القرمانلية" (1711 - 1835)"، واستمر إلى العهد العثماني الثاني والاحتلال الإيطالي، إلى نهاية عصر المملكة الليبية حين اكتُشِف النفط، ومع رواج صادراته وامتلاء خزائن الدولة من عائداته إبان حكم معمر القذافي (1969 - 2011) اتجه أغلب الليبيين في المدن إلى شغل الوظائف الحكومية وتَرْكِ المهارات الحرفية العديدة التي كانوا يتقنونها، قِلة فقط استمرت ونقلت ما تعلّمت وابتكرت، فيما اندثرت مِهن طواها الزمن، وشغَل أخرى حرفيون أجانب. القزدارة هو أحد الأسواق التي استمرت فيها الحياة ولو بتعثرٍ حتى اللحظة، ولا أحد يدري إلى متى سيصمد، فبعد أن كان مكتظاً بورش الصناعة ودكاكين التجارة، صار جزءاً من زقاق يحمل إرث وذكريات المكان" ... فماذا يتوقع النحّاسون؟ يبدو أن بعض النحّاسين لا يحبون لحظات الوداع، فكل صباحٍ يشرع أحدهم ويُدعى "مختار رمضان النحايسي" كعادته مع أخيه مبكراً في إيقاد الفرن وتسخين النحاس أو الفضة، تمهيداً لمعزوفة الطرق أو اللحام، والنقش أو الطلاء. ينتج مختار ونحّاسون آخرون باقون في السوق نوعين من أشغال النحاس أو الفضة، بعضها يتعلق بصناعة وترميم أهِلَّة مآذن المساجد والتحف والإكسسوارات المختلفة، والآخر بالقدور وأواني الطهي والمهاريس والأباريق الخاصة بإعداد الشاي والقهوة، ورغم المخاطر التي قد تحدُّ من استمراره، لازال السوق يستقبل شباب صغار، كـ"عبدالله مسعود الإحيول" الشاب العشريني الذي يقول لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) إن "ظروف البلاد الاقتصادية الصعبة هي التي دفعت به لتعلم صنعة النحاس قبل سبعة أشهر"، يقوم عبدالله رفقة طالب الثانوية ذو الستة عشر "أحمد محيّر" بتلميع وتنظيف أواني وتحف النحاس والفضة والستانليس ستيل، ويشتكي "أحمد" من قلّة المردود، وعبدالله" من المجهود البدني المرهق، وتُشعره في المقابل أجواء السوق بالراحة". في ورشته بمنتصف السوق، يبدي سليل عائلة النحّاسين القُدامى "مختار" الكثير من القلق، هو ينظر إلى المكان بزاوية خاصة، يقول لـ (د. ب. أ) - "هي عادة وتقليد متوارث لدينا وليست مجرد حِرفة، وما يقلقني أن يصبح السوق مجرّد ذكرى مع صورة على حائط، فقد قلّ النحّاسون والناقشون ممن توفاهم الله، أو من تركوه واتجهوا لمهن أخرى نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام، وبالتالي ارتفاع أسعار المنتجات وقلة الطلب...الحكومات المتعاقبة لا يزيد التفاتها للسوق عن زيارات تفقدية، والخطر الأكبر الذي داهم المكان مؤخراً وينذر بالقاضية، يأتي من مدخل القزدارة، عند سوق العملات السوداء المجاورة التي بعد أن غلّت الأسعار والتهمت الاقتصاد، تريد أن تحلي الوجبة الدسمة بورش ومحلات النحاس". الناظر في حال سوق العملة السوداء الموازية، أو "سوق المُشير" كما تُسمّى، يصدّق مخاوف النحّاسين من انقراض صنعتهم، فما أن تقترب من برج الساعة؛ حتى يهولك ازدحام التجار والمضاربين والمشترين في تجمعات بساحة السوق أو داخل المحلات... عربات يدوية كثيرة تجوب الأزقة الضيقة، تجر أكياساً سوداء مليئة بالنقود، عمليات بيع وشراء بالملايين وبمختلف العملات تتم يومياً مستغلة فرق سعر صرف الدينار الليبي "الرسمي والموازي" الذي وصل سابقاً إلى سبعة أضعاف ويتغير بشكل مستمر ارتفاعاً وانخفاضا بأرقام غير مسبوقة ... "لقد سال لعاب التجّار وتهافتوا على دخول السوق والتوسّع فيه عبر شراء أو تأجير المحلات المجاورة، ولا فريسة أسهل من صاحب ورشة نحاس قديمة لم تعد تدر ربحاً مجزياً". لم يرغب كثير من تجّار سوق العملة في الحديث حول الأمر، يقول أحدهم لـ (د. ب. أ) مصارحاً، دون أن يرغب في كشف اسمه: "لم نختر نحن مكان السوقين، فتجارة العملة ارتبطت منذ زمن بتجارة الذهب لأنهما يزدهران في الأماكن الأكثر أمناً، وليس هناك مكان أكثر آمنا من سوق الذهب لممارسة هذا النشاط، ومن سوء الحظ أنه مجاور لسوق القزدارة القديم، كما أن وجود مقر مصرف ليبيا المركزي بجانب سوق العملة، زاده أمناً وقرباً من مكان صنع القرار". لم يخفِ التاجر الشاب حبه لمعالم طرابلس، وخشيته على تغيير ملامحها التراثية، ولكنه يرى أن "استمرار كل الأسواق القديمة إلى الأبد مستحيل، وأن قوانين التطور الاقتصادي تتيح البقاء لمن يستطيع البقاء". يختلف الأمر مع النحايسي الذي جاوز منتصف العمر ويجيد الحديث كإجادته ليّ المعادن، هو لا يحبذ رؤية الأمر من الجانب الاقتصادي حين يختم بالقول: "سوف أبقى في ورشتي ببساطة، فلن يفهم الاقتصاد شعوري عندما يحضر أحد الزبائن لغرض الترميمِ أو التلميع تحفةً نقشها سابقاً أبي أو جدّي أو أحد المعلمين القدماء تعكس ثقافة تلك الأيام، إن فرحتي بتجديد تلك القطعة تفوق فرحة تجّار العملة بمكاسبهم، وفرحة الزبون عند رؤية تحفته العتيقة وقد عادت لها الحياة".

أشرف العزابي
السبت 2 فبراير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث