قصيدة النثر: كتلة أم سطر؟

11/12/2018 - صبحي حديدي



ثورة طقوس التنترا من الهميلايا إلى أمريكا الجنوبية



بوينس أيرس – ماذا جرى للبوهيميين أو (الهيبيز) الذين ظهروا خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، الذين رفعوا شعار حرية ممارسة الحب؟ أين ذهبت كل تلك الحشود من الشباب الذين كانوا يسافرون للهند بحثا عن الحرية؟ هناك من يتنبأ باندلاع ثورة جنسية وأن النساء سوف تقودها. من بين هؤلاء دانييل أوديير، معلم التنترا وخبير الطقوس الصوفية الشرقية التقليدية العريقة.


يقول أوديير "إنه دائما الأمر ذاته. في كل مرة تنطلق الحرية الجنسية وتستمر لعدة سنوات نتاج ثورة على القمع، يتبعها ظهور البوريتان (التطهيريين) فتتراجع الحرية الجنسية ويعود قمع البشر"، إلا أنه يتنبأ بعهد جديد من الحرية خلال السنوات القادمة.

يبلغ المعلم سبعون عاما، ويعد على الأرجح الغربي الوحيد الذي نشأ وتربى مباشرة على تقاليد اليوغا، والتقاليد البوذية والجاينية، التي تعد مقاربة روحانية للجنس مخالفة لمذهب العفة المسيحي الغربي. وقد تربى على هذه التعاليم في كشمير، ويقوم بتعليم هذه الطقوس في الوقت الراهن في هذه البقعة النائية من العالم. وقام أيضا بالتدريس في جامعة كاليفورنيا وأنشأ مركزا للتنترا/ شان في باريس. فضلا عن أنه كاتب سيناريو ومؤلف كتب، ترجمت أعماله إلى أكثر من عشر لغات. وزار بوينوس أيرس للمرة الأولى في حياته هذا العام بمناسبة تنظيم سمينار حول تعاليم التنترا في البلد اللاتيني.
خلال السبعينيات، كان أوديير واحدا من بين ألوف الشباب الذين تركوا صخب أوروبا واتجهوا إلى الهند بحثا عن روحانيات تمنح قيمة ومعنى للعالم المادي الذي غرقت فيه حضارتهم الأوروبية، إلا أن حدسه قاده إلى الابتعاد عن كل أماكن ممارسة طقوس التأمل الهندوسية التي اشتهرت بها الهند والمعروفة بالـ(أشرم)، وأن يترك نفسه لأحضان غابات الهيملايا بحثا عن أحد معلمي التنترا، حيث كانت تسري شائعات آنذاك أن هؤلاء النساك اعتادوا الاختباء في هذه الأماكن.
وهكذا سلك طريقه مع عالم التنترا، هذا الطقس العريق الذي يعود إلى آلاف السنين، تعرض أتباعه إلى قمع وقهر أصحاب الديانات الكبرى على مدار قرون، لا لشئ سوى أنها ترفع من شأن قيمة الجسد إلى مستوى قيمة الروح، وتستخدم الممارسات الجنسية للوصول إلى مراتب عليا من الوعي الذي تبشر به، مما جعلها تتحول إلى فريسة يسعى الجميع للنيل منها.
يقول أوديير "التنترا طريق لحرية عظيمة. فلا يوجد بها مسافة تفصل بين البشر وما يطلق عليها المعبودات أو المقدسات، كما لا توجد بها طبقة كهنة، فضلا عن أنها ليست حركة دينية، بل حركة تزهد تسعى لحصول جميع البشر على حريتهم المطلقة. وبطبيعة الحال فإن الشخص الحر لا يمكن إخضاعه مطلقا"، موضحا أن هذا كان السبب وراء الاضطهاد التاريخي الذي تعرض له "التنتريون".
كما تحتوى التنترا على عناصر أخرى تجعلها أكثر إثارة للجدل وأكثر استفزازا للديانات التحكمية السلطوية البطريرقية: أنها كانت منذ البداية مع حرية المرأة ومنحها المكانة اللائقة بها في المجتمع التنتري. هذه تحديدا الركيزة التي منحت التنترا اليوم دور البطولة، في عالم تعلمت فيه المرأة أن يكون لها صوتا مسموعا. ويضيف "من الأمور الأساسية في طقوس التنترا أن المرأة هي تجسيد القوة وليس الرجل، لأنها أدرى بهيكل عمارة الكون أكثر منه. وهذا يجعل التنترا تناقض كل الأفكار النمطية المكررة في معظم الديانات. على سبيل المثال، في التنترا، تعتبر المرأة في فترة الدورة الشهرية قد وصلت إلى ذروة طاقتها وفي أروع أوقات حياتها، ويحاول الجميع التقرب منها لهذا السبب".

تبدأ طقوس التنترا دائما من ناحية اليسار، تكريما للجانب الأيسر من الجسد، الذي يوجد به القلب كما أنه من حيث الطاقة يمثل المرأة في عنفوانها، وفي التنترا أيضا المرأة معلمة وليست تابعة أو متلقية.
يوضح أوديير "بالنسبة لنا، تنتمي المرأة والرجل إلى نفس الحكمة المعرفية. ووفقا للأسطورة التنترية، هما نفس الجسد، ينقسم لبدء حوار، وفي ختامه يمارسان الحب ليعودا للاتحاد مرة أخرى، ومن هنا يأتي سحر التلاحم الجسدي في الطقس التنتري. الأمر يتجاوز فكرة أن البشر مجرد ذكر وأنثى".

وتتسم الطقوس التنترية بالتنوع، وتبدأ بممارسة تمارين كثيرة مختلفة لتنظيم التنفس، والاستبصار، والرقص، والتأمل، ثم تدريبات اليوجا، وصولا إلى (الماهيتونا) أو التوحد الجسدي بين ذكر وأنثى في طقس جنسي تنتري، ويعتبر من الممارسات المقدسة وفقا لهذه العقيدة.
على سبيل المثال، طقس "التاندافا"، أو رقصة شيفا إله الشر في الهندوسية، تتسم بالبطء والتركيز الشديد، حيث تعتمد على تنظيم النفس والتوازن واسترخاء الجهاز العصبي المركزي. أما اليوجا، فمنها باللمس وتعتبر في التنترا نوعا من المساج العميق، لكي يوقظ أحاسيس جميع أجزاء الجسد. وهناك يوجا المشاعر، وهي عبارة عن عدة تقنيات تجعل المشاعر تتدفق عبر الجسد بدون أية سيطرة من العقل.
يوضح معلم التنترا أوديير "حين يتحدث الناس على اليوجا، يتجه تفكيرهم إلى وسائل للسيطرة على الجسد، والعقل والمشاعر. بالنسبة لنا، الأمر على العكس تماما: في اليوجا التنترية يستعيد الجسد طبيعته البربرية، ليصبح كما لو كان يختبر آلاف المشاعر والأحاسيس بصورة تفوق بكثير حاله السابق. السر في ذلك يرجع إلى التحرر من سيطرة العقل لكي لا يتدخل مطلقا في أي من هذه المشاعر".
بصرف النظر عن هذه الطقوس التي قد تكون مثيرة للجدل في كثير من المعتقدات، التنترا تحفز في الانسان مشاعر تجعله يتنفس فيشعر بأنه يتنفس، يسير فيشعر بأنه يسير أو يأكل فيشعر بأنه يأكل. وهكذا عندما يشعر الانسان بأنه حي، يتحرر من قيود الماضي وقلق المستقبل، ويتبقى له فقط الحاضر. يقول أوديير "لا تتوقع أن المستقبل سوف يكون أفضل لأن الحاضر رائع بالفعل، ولا يوجد ما يستحق الانتظار من أجله، وهذا لا يعني فقدان الأمل، إنه أمر مختلف: أن تصبح ببساطة سعيدا، حاضرا وتلقائيا".

إيفون يانوت لاينز
السبت 13 أكتوبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan