نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

السفير "الجاهل"

27/05/2024 - سلام الكواكبي

الرئيس المثالي

24/05/2024 - أمير طاهري

( الحركة ليست بركة دائماً )

22/05/2024 - حازم نهار *

بين الجنون والسجون

22/05/2024 - إلياس خوري

سورية.... الخروج من المستنقع

22/05/2024 - علي العبدالله

عن روسيا وإيران شرق المتوسّط

08/05/2024 - موفق نيربية


" دمشق التي عايشتها " الغوطة





منذ أن وطئت قدماي أرض مخيم اليرموك سنة 1956، ألفت التجول في الغوطة الغناء، حيث زرع مخيمنا هذا بعد قطع الشجر لتبنى مكانه أكواخ للاجئين الفلسطينيين. ولقد كان المخيم محاطاً بالغوطة من ثلاث جهات، أما الجهة الرابعة فتربطه بمدينة دمشق. ولقد ظل كل شيء حميماً وأنيساً حتى اندلعت فورة التضخم في السبعينيات، فأخذ العالم كله يتغير على نحو نوعي. وتغير معه مخيمنا، كما تغيرت الغوطة التي أخذت حركة البناء تفتك بها فتكاً عشوائياً، ربما ألحق بها أضراراً بليغة في المستقبل البعيد.


كنت أخرج كثيراً، ولاسيما خلال شهر نيسان اليانع الغضير، يوم تلبس الغوطة بزتها السندسية الأنيقة، لأبحث بين أحضان هذا الفردوس الأرضي عن أماكن ناعسة ساجية لا يسكنها شيء سوى السكون نفسه. وفي الحق أن الغوطة كانت مأهولة بسكينة تشبه السكينة التي تأهل الظلال في لوحات رامبرانت، وتلهم المرء صفاءً أثيرياً، مثل ذلك الصفاء التقوي الذي يراه المرء في بعض اللوحات الموحية بالكشف والإلهام.
ولست لأبالغ إذا ما صرحت بأن الغوطة كان يفعمها جمال خلاب في بعض الهنيهات، ولا سيما في برهة الغروب الشفقية التي تكاد أن تكون أنشودة مديح تترنم بمجد الله حقاً. إن ساعة الأصيل في الغوطة، يومئذ هي أفضل من ساعة الأصيل في أي مكان آخر، وذلك نظراً لما تخلقه في النفس من شعور بالرونق والجمال.
وحيثما وجدت السكينة الساجية، كنت أستلقي على العشب السندسي اليانع وأسرح في الأخيلة وأحلام اليقظة من كل جنس وفصيل وفي كثير من الأحيان كنت أوغل في السير صوب الشرق أو صوب الجنوب الشرقي حتى أبلغ إلى مزار السيدة زينب. وهذا يعني أنني كنت أهيم على وجهي شريداً أو كالشريد، ليس لي أي هدف معين، إذ لم تكن غايتي سوى الاستجابة لنداء الحرية التي ينطوي عليها التشرد الصوفي المقدس، أو سوى الاستجابة لفضول يهمزني، بين الفينة والفينة، كي أتحرك لأعرف ما هنالك خلف أي أفق من الآفاق، أو سوى التمتع بمشهد الحياة وهي تتدفق من حولي خصيبة عارمة واسعة، حتى لكأن هدفي هو الولوج في جوف المجهول أو في متاهات اللامفهوم. وعندي أن المعرفة والاكتشاف والاطلاع لذة عزيزة جداً، وإن ألذ اللذائذ وأغزرها لن تكون إلا من نصيب المتضورين وحدهم. وهذا يعني أن مقدار لذتك يتناسب طرداً مع مقدار التضور الذي تقاسيه.
وفي بعض الأحيان كنت أهيم على وجهي بين الأشجار الباسقة، مكنوفاً بالاخضلال اليانع والسكينة الناعسة، فأسير وأسير حتى أمل من السير أو أتعب، فأطرح نفسي على الأرض لأرتاح ثم أعود أدراجي، فلا أصل إلى البيت إلا وقد أصابني الإنهاك. أجل، كنت أجوب الغوطة كأني ألوب على سر مكتوم تدخره الطبيعة وتأبى أن تبوح به على أي نحو من الأنحاء، وأشعر بأنها لو باحت به لتخلخل نظام الأشياء، أو تصدعت جدران الكون وتزلزت أعمدته وتصادمت الكواكب وارتطم بعضها ببعض حتى تعود إلى الخاووس البدئي الذي تتحدث عنه الأساطير.
وربما شعر كل من تجول وحيداً بين الغابات أو البساتين الشبيهة بالأدغال، كما هو حال الغوطة، بأنها توحي للنفس بمشاعر متباينة، كما أنها تحرض أسئلة تختلط فيها الغبطة والنشوة بالقلق والاضطراب. وهذا يعني أن التجول في الغوطة له القدرة على تشكيل الذات من جديد. ثم إنه لأمر ممتع ان تفتح نفسك على الاحتمال أو على الصدفة والمفاجأة، وكل ما هو مضمر أو ممكن أو مباغت.
* * *
وبما أنه ما من أحد يملك أن يخترق الغوطة سيراً على الأقدام حتى طرفها الأقصى، فإنني بعد أن أصاب بالإنهاك كنت أرسخ في ذهني صورة عن شيء ظافر يمتد ويمتد صوب الشرق حتى أتخيل أنه يوازي اللانهاية. ولكن ما هو أهم من هذا الانتشار في جميع الجهات هو أن الأشياء تتبدى بهيجة ومأهولة بالعذوبة والروعة، بل كأنها تجسيد لبسمة كونية خلابة. والمحمول الأول لهذه البرهة البديعة، التي سقيت سلافاً فردوسياً منعشاً هو انتصار النفس على السأم والرتوب وبلادة المياومة وتجاربها المكرورة. فما من شجرة ولا عشبة في الغوطة يومئذ، أعني قبل ظهور الأورام وجميع أصناف التضخم، إلا وهي تجسيد للأُنس الذي لم يعد غزير الحضور في هذه الأيام العجاف.
وحين أجوب خلال تلك الفراديس المونقة لأعب من بهائها ورونقها وأنتشي بنضارة نسغها ودماثة معشرها، بعدما يمتص الوجدان فحوى الكثير من صورها المتنوعة ويستمتع بظلالها الكثيفة الوارفة، فقد كنت أشعر بأنني ألوذ بمقدس الطبيعة فراراً من هذا الحصار الذي تفرضه لزوجة المياومة وضحالتها وخلوها من النكهة المنعشة التي لا تمنحها لك إلا على ندرة وحسب. واعتدت في برهة التجوال أن أفكر أحياناً بالبوذا إذ يجوب الغابات وهو يلوب على الحقيقة أو يبتغى فحوى سرياً لا تبلغ إليه النفس إلا بعد لأي. وحين أكون في قلب تلك التجربة الشبيهة بالتشرد الصوفي الذي يمارسه أولياء الله، أو بعضهم، ولا سيما القلقين منهم، فقد كنت أهجس كثيراً بتلك النزعة الرامية إلى الاتصال بأعماق الكينونة، ولا سيما إذا كانت تلك النزعة نفسها شرهة عارمة، مما يجعل الأشياء تتبدى وكأنها مجذرة في الأزلية أو في السرمدية التي تجهل الاستحالة والزوال. وربما خطر في بالي مراراً، ولو لهنيهة مختزلة، أن الغوطة كلها ليست سوى بذرة في رحم ربة الخصوبة المعطاء.
ومن سجايا الغوطة يومئذ أنها تبادلك فرحاً بفرح، إن كنت رائق النفس أو في حالة ابتهاج. بل هي تزيدك فرحاً إن كنت فرحاً، وتهدئ روعك وتلطف توترك أو تخفضه، إن كنت مهموماً مغموماً أو خاضعاً لسيطرة الكآبة أو لعرام الملالة التي قد تنتج فيك شعوراً فحواه أن لا لزوم لهذه الحياة بتاتاً، بل لا لزوم لهذا الكون بأسره. وعندي أن المرء يحتاج إلى إجازة من اللعنة، يأخذها بين الحين والآخر، ولو لسويعة واحدة يستجم خلالها ويتخلص من كل توتر وإرهاق، وذلك ابتغاء تجديد قواه الروحية قبل أن يكدن نفسه تحت النير من جديد.
وفي أحضان هذا الفردوس الدنيوي الذي تغمره الظلال أيام القيظ، أو في سواء بحر من الزمرد الأخضر ذي اللغة القيثارية الحنون، كان في ميسور المرء أن ينال تلك الإجازة الذهبية، فينعم بالسكينة الهنيئة الملساء، أو يستمتع بالنسيم البليل، وكذلك بلغط الطيور وبألحانها الشبيهة بلغو الأطفال حين يأنسون بأحضان أمهاتهم. ولا غلو إذا ما زعمت بأن شقشقة العصافير الرخيمة مفعمة بنشوة صوفية لا تضاهيها نشوة النبيذ المعتق.
ولقد كان أمراً مألوفاً في كثير من الأحيان أن يرى المرء جيشاً لجباً من العصافير أو الشحارير أو طيور السمان، يحط على شجرة واحدة شامخة باذخة، ويفعم الجو بنشيده الخلاب، حتى لكأنه ينشد مديحاً للخالق العظيم. وعندئذ يشعر المرء بأنه مكنوف باللطف والروعة، مثله مثل العين المكنوفة بأجفانها.
ولقد كانت أطيار الغوطة، كأزهارها وأشجارها وجملة نباتاتها، متنوعة جد التنوع، حتى ليعسر على المرء أن يعد أصنافها كلها. ومما هو بديهي أن هذا التنوع الخصيب لهو أمر من شأنه أن يسهم في تأثيل جمالها وجاذبيتها، وأن يزيد من قدرتها على الخلب، وذلك لأن التنوع يلون الوقت ويكافح السأم ويحول بينه وبين العبث بالنفس أو بمحتوياتها الطيبة الزاكية. فما من شيء يلجم النفس ويشكم سورتها ويثـّلم حيويتها أو يفـّل عنفوانها كما يفعل الرتوب والاعتياد والتكرار.
وكان فيها بعض الجداول العذبة التي تنبع من أرضها حصراً، وكان واحد من تلك الجداول يحاذي شارع اليرموك الراهن من جهته الغربية، واسمه المشرع: ولكنه اختفى ولم يعد يرى بتاتاً. ومن شأن هذه الوفرة الجمالية كلها أن تنتج الشعور بالدهشة أو بالروعة، وهو شعور لا ينتجه إلا الأخضر الزمردي البهي القادر على الإيحاء للنفس بان الحياة واقعة نفيسة لذيذة، وتستحق أن تعاش، على الرغم من جميع مثالبها
وأوجاعها.
-------------
فيسبوك - صفحة اكاد الجبل

يوسف سامي اليوسف
الاحد 28 أبريل 2024