عن أزمة الاسلام وعنف المسلمين

23/10/2020 - برهان غليون

السراج:اتفاق وقف إطلاق النار يحقن الدماء ويمهد لنجاح المسارات

23/10/2020 - بوابة الوسط الليبية- موقع الامم المتحدة


رحلة فوق ظهور الإبل عبر صحراء "بني وهيبة" العُمانية




مسقط – تنهض الناقة "مِلحة" على مضض لتقف على ساقيها وتصدر رغاء وهي تتجه بنظرها صوب الأمام في نوع من العناد، وترفض أن تتحرك من مكانها، ولكن صاحبها منير ليس أقل منها عناداً، فهو يشد الزمام حتى تبدأ "مِلحة" في التحرك إلى الأمام.


 

ويقول منير وهو يقود مجموعة من الزوار وقد امتطى كل واحد ظهر ناقة: "علينا أن نتحرك حتى نستطيع أن نصل إلى معسكر قضاء ليلتنا الأولى في الوقت المحدد."
ويتناول كل واحد رشفة ماء على عجل ثم يدهن وجهه بمستحضر يقي من حرارة الشمس، ويرتدي قبعة، وجميعهم يفكرون: دع "مِلحة" تسبق، إنها تبلغ من العمر 15 عاما، وهي تتحرك على مهل ولن يستغرق الأمر سوى دقائق لنلحق بها.
لا يملك المرء إلا أن يتساءل في هذه الرحلة الشاقة عبر صحراء "بني وهيبة" في شمال شرق سلطنة عُمان، هل ستتمكن تلك الناقة التي تتحرك بهذا البطء الشديد أن تكمل الرحلة التي تستغرق خمسة أيام.
ولكن بعد مرور ساعة، بدأ الآخرون في المجموعة يشعرون بحالة من الإحباط المؤكد، فهم لم يتمكنوا بعد من اللحاق بـ "مِلحة" التي تتحرك ببطء وهي تتمايل يميناً ويساراً. بل الأسوأ من ذلك، ورغم ما يبذلون من جهد لتحفيز الإبل التي يمتطون ظهورها من التحرك أسرع، تزداد المسافة بينهم وبين "مِلحة" رغم أنها لا تزال على السير ببطء. ولكن على منير أن يتوقف وينتظر حتى يلحق به ضيوفه. فحتى الكثبان الرملية الصغيرة هنا تتحول إلى تحد في هذه الرحلة.
ويبدأ الليل يرخي سدوله، ويتحول لون السماء إلى الأصفر ثم الوردي، ثم تكتسي باللون الأحمر الداكن، قبل أن يحل الظلام في صحراء "بني وهيبة" أو "رمال شرقية"، التي تقع على مسافة 190 كيلومتراً من العاصمة العمانية مسقط، وتزيد مساحتها على 50012 كيلومتر. ويبلغ طول الصحراء من الشمال إلى الجنوب حوالي 250 كيلومتراً، وتمتد عرضاً من الشرق إلى الغرب بطول 80 كيلومتراً.
وعلى مرمى البصر، تظهر نار صغيرة، فقد سبق مرشدان اثنان باقي المجموعة بسيارة مخصصة للطرق الصحراوية الوعرة من أجل أن ينصبا الخيمة ويعدا وجبة العشاء.
يقدم الاثنان أطباقاً من الأرز والخضار تفوح منها رائحة الحبهان وتوابل عربية أخرى، ويتناول الضيوف وجباتهم وقد جلسوا على بساط فُرِشَ فوق الرمال أمام الخيمة.
وقبل بزوغ الشمس بقليل، يحين وقت الاستيقاظ، فالرحلة لا تزال بعد طويلة. ويتناول أفراد المجموعة وجبة الإفطار، وهم جالسون على نفس البساط، ويحتسون القهوة العمانية ويأكلون الخبز العربي الساخن مع مربى الفراولة. ولا يزال النعاس يغالبهم وهم يمدون أبصارهم إلى الأفق البعيد. ثم تأتي أشعة الشمس في هذا الصباح الباكر لتبعث الدفء في أوصالهم بعد ليلة انخفضت فيها درجات الحرارة لدرجة البرودة. وتلمع قطرات الندى على الشجيرات الصغيرة التي تحيط بالخيمة.
ويقول منير من فوق ظهر "مِلحة" وهو يقود المجموعة: "حان وقت الرحيل... علينا أن نستغل ساعات الصباح الباردة لاستكمال الرحلة. سنأخذ قسطاً طويلاً من الراحة عندما يحل منتصف النهار."
وبعد ساعة، يظهر شيئ ما في الأفق... هل هذا حقاً مسجد يكسوه اللون الأبيض، كلون الثلوج، ويحيط به بحر من الكثبان الرملية بلونها الذهبي؟ نعم... إنه ليس سراباً.
من الصعب أن يصدق أحد أن هناك من يعيش في هذه الصحراء الخاوية. ففي بعض الأحيان يبدو السكون المطلق مخيفاً. ولكن، في نفس الوقت، يا له من أمر مذهل كيف أن عدة أيام على ظهر ناقة عبر الصحراء يجلب للمرء احساساً من الهدوء والسكينة: فلا هواتف خلوية أو إنترنت أو أي نوع من الضوضاء. وما من أحد هنا نراه سوى صاحب الإبل الذي لا يتحدث إلا قليلاً.
وتمر الأيام، ويبدأ المرء يلاحظ الأصوات الهادئة في الصحراء، أصوات حبات الرملة التي يدوسها الزائرون بأحذيتهم المخصصة للمشي لمسافات طويلة، وصوت "طقطقة" القواقع التي حملتها الرياح الموسمية إلى الصحراء من مياه المحيط الهندي القريبة.
في بعض الأحيان، يكون النسيم عليلاً، وفي أحيان أخرى دافئأً. وينطلق أرنب بري على حين غرة من جحره ليباغت المجموعة ويقتحم عليها حالة السكينة واللامبالاة التي غرقوا فيها. ومرة بعد مرة، يحاول أفرادها اللحاق بـ "مِلحة"، ولو حتى ليلتقط أحدهم زجاجة ماء من كيس القماش المثبت فوق ظهرها. يبدأ المرء الآن يدرك السر وراء مقولة "الجمل سفينة الصحراء"، فالإبل تتمايل جيئة وذهاباً كما تتمايل السفن فوق أمواج البحر.
وتزداد الكثبان الرملية ارتفاعا وانحداراً، ليتجاوز ارتفاع بعضها المئة متر. ويصعد منير بناقته إلى قمة أحد الكثبان المرتفعة، حيث كان المرشدان المساعدان الاثنان في الرحلة قد نصبا خيمة في موقع رائع، قرب فوهة بركان قديم. وقد جمع الاثنان بعض الغصون وفروع الأشجار الجافة ليشعلا بها ناراً.
أولاً، يبدأ تقديم أكواب الشاي. وفوق أحد الكثبان الرملية التي تبدو في الافق، تظهر خيالات العديد من الجمال. إنها واحدة من تلك اللحظات التي تغيب فيها عن الزائرين صعوبات الرحلة الشاقة والشمس الحارقة، وأنه ليس هناك سبيل للاستحمام.
والهواء ساكن تماماً. لا يرغب أحد في أن ينام داخل الخيمة تلك الليلة، فالنجوم اللامعة تكسو السماء في حضن الصحراء الهادئة حيث لا مكان لأي نوع من التلوث الضوئي.
وتنطفئ النار في بطء، ويصير الهواء رطباً. وفي الصباح التالي، كانت الأغطية مبتلة كما كسا الضباب الكثبان الرملية. وقد وجدت حبات الرمال طريقها إلى أفواههم. وبعد تناول القهوة العمانية، يبدأ الركب الجزء الأخير من الرحلة، وقد بدأت تتهادى رائحة الملح من البحر القريب إلى أنوفهم.
وبعد ست كيلومترات شاقة عبر كثبان رملية يصل ارتفاع بعضها إلى ارتفاع المباني الشاهقة، رأيناه أخيرا... إنه بحر العرب. وعندما وصلوا إلى الشاطئ، أنزل الجميع بسرعة ما كانوا يحملون على ظهورهم من حقائب، وخلعوا أحذيتهم وملابسهم وألقوا بأنفسهم في أحضان مياه البحر المنعشة.
أما منير، فقد نزل بـ "مِلحة" في مياه البحر بلونها الفيروزي وبدا على الناقة أنها تستمتع بذلك كثيراً... يا له من شعور غامر بالسعادة بعد خمسة أيام عبر الصحراء.

مانويل ماير
الاحد 11 أكتوبر 2020