زياد عياني حراً... وكوليت تقهقه في تل أبيب



أما وقد أُفرج عن الفنان زياد عيتاني، بعد أن أعلن وزير الداخلية اللبنانية نهاد المشنوق براءته الكاملة وأطلقه قاضي التحقيق الذي لم يجد قضية يدعي عليه فيها، فإن السؤال عن الجهاز الأمني الذي الذي أوقفه وأصدر بيانات متلاحقة عن اعترافات أدلى بها، وساق حكاية مختلقة بالكامل عن الضابط في الموساد كوليت، معني في أن يجيب اللبنانيين، الذين يدفعون من جيوبهم ضرائب من المفترض أنها جزء من رواتب عناصر وضباط وقادة هذا الجهاز، عن الحكاية التي لُفقت لعيتاني، وعن المسؤول الذي من المفترض أن يدفع ثمن هذه الفضيحة المدوية


 .

ثمة لبناني تم الاعتداء على حريته وعلى كرامته من قبل جهة أمنية رسمية. هذا اللبناني البريء قال فور خروجه من السجن أنه تعرض لتعذيب أثناء استجوابه، واللبنانيون كلهم يعرفون الجهة التي أوقفته وبالتالي التي عذبته، ولهذه الجهة مسؤول أول ومسؤولون أدنى منه رتبة، والعهد مسؤول عن أن يُثبت للبنانيين أمراً بديهياً من نوع محاسبة مسؤول عن قضية على هذا القدر من الوضوح. أما القول أن الضابط المسؤول عن الفضيحة، وهو بحسب الرواية الرسمية المقدم سوزان الحاج، في السجن اليوم وقد ادعى عليها قاضي التحقيق بتلفيق التهمة، فلا يكفي على الإطلاق ناهيك عن أنه غير مقنع. فالحاج هي ضابط في قوى الأمن الداخلي وليس في أمن الدولة، وقدرتها على توريط جهاز أمن موازٍ للجهاز الذي تعمل فيه تبقى محدودة اذا لم تجد لدى هذا الجهاز قابلية واستعداداً للتورط في قضية مختلقة من ألفها إلى يائها.

ثم أن إهانة أخرى تعرض لها اللبنانيون في هذا الملف، هو إهانة ذكائهم، ذاك أننا شهدنا مسرحية ركيكة عن تجنيد الموساد الاسرائيلي فناناً لبنانياً بهدف المساعدة على التطبيع. وبهذا المعنى فقد أسندت اسرائيل مهمة التطبيع إلى جهاز الموساد، وهذه الخفة توازي في إهانتها اللبنانيين الظلم الذي تعرض له عيتاني، ذاك أننا نحن اللبنانيين ندفع رواتب جهاز أمن على هذا القدر من "الحرفية".

الفضيحة أكبر من أن تُدارى، وأكبر من أن يتحملها ضابط متوسط الرتبة. الفضيحة هي في انتهاك عقول اللبنانيين في موازاة انتهاك كرامة عيتاني وحريته. ثم أن محاولة حماية رئيس الجهاز الأمني الذي وقف وراء القضية عبر القول بأن توازناً طائفياً لا يسمح بمحاسبة مسؤول أمني بهذا المستوى هو فضيحة ثانية، ناهيك عن أنه غير صحيح، فقد سبق أن أوقف مسؤولين عن أجهزة أمنية اتهمهم القضاء بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ثم عاد وبرأهم ولم يُنظر في حينها إلى هوياتهم الطائفية.

القضية كبيرة فعلاً وهي بحجم الجرائم الكبرى، ذاك أن الأجهزة الأمنية والقضاء هما اليوم على محك قضية على هذا القدر من الوضوح والجلاء. زياد عيتاني بريء بشهادة القضاء ووزير الداخلية. اذاً المتهم هم من لفق له التهمة ومن أوقفه ومن صاغ بيانات عن اعترافاته ومن ألف قصة بطلتها ضابط اسرائيلي مزعوم اسمه كوليت. التلكؤ في المحاسبة سيكون انهيار كامل لكل تبقى من ثقة بين اللبنانيين وبين أجهزتهم الأمنية. مكاشفة اللبنانيين بكل ما جرى ضروري لمنع الإنهيار ولترميم بعض الثقة. رئيس الجمهورية قبل غيره من المسؤولين معني بالتحرك لرأب صدعٍ كبير، فالذي اهتز هذه المرة ليس صورة الدولة، فهذه غير ثابتة أصلاً، انما اهتزت صورتها ممثلة بأصحابها الجدد، والضيم كبير ولا يقتصر على عيتاني، فكل لبناني يشعر اليوم أن ثمة أشراراً في مواقع القرار يمكنهم زجه في السجن من دون أي سبب، ويمكنهم تعريض كرامته وكرامة عائلته بحكاية ركيكة لا يكترثون لحقيقة أنها غير مقنعة وغير متماسكة.

سقطة الإعلام أيضاً لا تقل عن سقطة السلطة. فوسائل الاعلام نشرت رواية جهاز أمن الدولة من دون أي تدقيق فيها، والقضية كشفت أن لا صحافياً استقصائياً واحداً في لبنان لاحق الحكاية وتقصى عناصرها. وبهذا المعنى كانت قصة عيتاني في الإعلام اللبناني امتداداً لقصة أمن الدولة، وهذه فضيحة موازية كان سقط بفعلها رؤوس كبيرة لو أنها حدثت في دولة للإعلام فيها قيم ثابتة في العلاقة الرقابية مع السلطة. وعلى هذا الصعيد لا بد من لفت نظر الإعلام، ونحن جزء منه، إلى كيفية تعاطي الإعلام الإسرائيلي مع قصة عيتاني، ذاك أن مقالات هُزء ورد إهانة نشرت في عدد من صحف تل أبيب، قال كتابها "نحن أكثر ذكاء من هذه الحكاية الركيكة والمضحة، لكن المسلية أيضاً".

وهنا علينا أن نتذكر أن أزمة الإعلام اللبناني لا تقتصر على ضيق الأسواق وهرب القراء، انما أيضاً يجب النظر إلى فشل متراكم سببه التصاق الإعلام بالسلطة، وبطوائفها وبأحزاب طوائفها. إلى هذه الهموم تذهب الطاقات وتصرف الموازنات. وهذه أيضاً هي الهاوية.
-------
درج


حازم الأمين
الثلاثاء 13 مارس 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan