سوق العطارين بتونس مقصد العرسان والباحثين عن روائح نفيسة



تونس - يتصبب جبين منعم عرقا وهو يهم بجمع طلبية لزبونة وبجانبها ابنتها التي تستعد لعقد زفافها ابان شهر رمضان، في أكياس سوداء بينما يحاور في نفس الوقت زبونة أخرى لتجهيز طلبية ثانية.


يقضي منعم زكري /42 عاما/ أيامه في المحل الواقع بسوق العطارين الشهير على هذا النحو طيلة اليوم. يعمل زكري في هذا المكان منذ طفولته مع والده وهو يمثل الجيل الثالث من عائلته التي تدير المحل بعد أن هجر مقاعد الدراسة مبكرا. تتدلى القفاف المزركشة والسلال من أمام المحل كما هو منتشر على طول ممر سوق العطارين، بينما تعرض فوق صناديق على الأرض فواكه جافة وعطورات وبخور وشموع وحشائش. وتبرز المحلات برفوفها الخشبية بحد ذاتها كمعالم تاريخية لأن أغلبها حافظ على بنائه الأصلي وهي تستقطب لذلك انتباه الزائرين والسياح الأجانب كلما مروا بجوارها. يقول زكري لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "أعمل طوال اليوم... تأتي النسوة لشراء كل ما تستحقه العروس قبل زفافها من أقمشة وشموع وبخور وعطورات. في العادة يتعين على كل عروس أن تقتني حاجياتها من سوق العطارين لأنه المكان الذي تتوفر فيه كل مستلزمات الزواج". والسوق ليس حكرا على النساء إذ يأتي أيضا الرجال مع أمهاتهم لاقتناء حاجيات العروس التي يتوجب عليهم تقديمها في "قفة العرس" أثناء فترة الإعداد لمراسم الزواج. ومع أن الكثير من المحلات العصرية انتشرت خارج المدينة العتيقة إلا أن سوق العطارين المتواجد منذ عدة قرون لا يزال وجهة مرجعية في اختصاصه ومقصد أساسي للعرسان. يشهد السوق إقبالا أوسع خلال فترة الصيف لكن زكري يشير إلى أن تغير عادات الزواج منذ أكثر من عقد أنهى عصر الذروة الذي عادة ما يقترن مع الأشهر الثلاثة لفصل الصيف ليصبح الإقبال على مدار العام. يعرف العطارين في خلال شهر رمضان فترة ركود نسبيا كما تدل على ذلك حركة المارة الخافتة لكن يأتي الناس لاقتناء الهدايا الموسمية التي تقدم للعروس خلال المناسبات الدينية والأعياد ومن بينها ليلة القدر في رمضان والعيد. لكن بخلاف مستلزمات العروس هناك أسباب أخرى تجعل من سوق العطارين وجهة استثنائية إذ لا تقف شهرته وكما تشير تسميته على ذلك، على سلع الأفراح وإنما يقصده الناس والسياح لاقتناء العطورات ومواد التجميل التقليدية. يختص العطارين وهو زقاق يعلوه سقف بني منذ القرن الثالث عشر مع مؤسس الدولة الحفصية أبو زكريا المسلم، بروائح العطورات الزكية التي تنبعث من المحلات المنتشرة على جانبيه. وعند المرور بالمكان يمكن بسهولة التقاط روائح المسك والعنبر ومستخلصات القرفة والمرغين والزنجبيل والوشق والجاوي، وهي طاغية على طول الزقاق. ولهذا يظل الزقاق من بين الأماكن الأكثر جذبا وسط المدينة العتيقة، إذ يحرص الباعة من أمام محلاتهم بأن يمنحوا المارة والسياح بخات من العطورات للترحيب بهم ودعوتهم إلى اقتناء سلعهم وتقليب ما يناسبهم من روائح. ويذكر المؤرخون أن السوق كان يطلق عليه في الفترة الاولى من تشييده بسوق "الصناعات النبيلة" الموجهة للعائلات الميسورة في حين أن الأسواق الأخرى الأقل حظا فإن مكانها كان في أطراف المدينة العتيقة. يقول زكري "هنا يباع جميع أنواع العطورات لا يخلو أي محل من العطورات. تجد الفل والياسمين والورد والعنبر وحتى أشهر الماركات العالمية متوفرة". ظل السوق منذ تشييده وفيا إلى خاصيته الأولى حتى اليوم ألا وهي بيع العطورات والبخورات وبعض السلع الأخرى مثل أدوات الزينة المعدنية ومستحضرات تستخدم في صنع مواد التجميل المحلية والتقليدية. ويضيف زكري وهو يشير إلى مختلف أنواع العطورات المتوفرة بمحله "تأتي سلعا من البخور والطيب أيضا من شرق آسيا مثل باكستان وتركيا والهند، وهي متوفرة بكثرة في السوق لكن يميل التونسيون أكثر إلى العطورات ذات الصنع المحلي". ويقول صاحب محل لبيع العطور مجاور لمحل زكري "سبب هذا الميل ان العطورات التونسية الأصيلة تعتمد في أغلبها على عمليات تقطير تقليدية وهي غير قابلة للتقليد كما لا يمكن مقارنتها بالسلع المستورة من أسواق آسيا. وهو ما تؤكده الفوارق في الأسعار". وكونها تقع في قلب المدينة العتيقة بتونس، فإن سوق العطارين جاءت محاذية لمعالم تاريخية مهمة مثل جامع الزيتونة الشهير الذي يقع بابه الخلفي بقلب العطارين حيث تقع كذلك المدرسة الخلدونية، أولى المدارس الحديثة في تونس التي تقدم دورس العلوم واللغات الأجنبية. كما يتواجد بزقاق العطارين المقر القديم للمكتبة الوطنية التي شيدت في أوائل القرن 19 واستمرت حتى العام 2005 ومن أمامها "فندق العطارين"، وهو قصر قديم متهالك خضع إلى إصلاحات وتجديد ليتحول إلى استراحة للسياح والزائرين. تضم الاستراحة مقهى ومطعم وفي طابقها العلوي تنتشر مغازات لعرض منتوجات الصناعات التقليدية من زرابي وحلي وأقفاص مزركشة. يقول منعم زكري إن توفر المعالم التاريخية في سوق العطارين منحه أفضلية لدى زائريه لا سيما قربه من جامع الزيتونة ما يجعل المصلين والزائرين الذين يأتون من انحاء البلاد، لا سيما في الأعياد والمناسبات الدينية وأيام صلاة الجمعة، يقبلون على اقتناء العطورات. كما تمر الوفود السياحية الأجنبية التي تأتي لزيارة جامع الزيتونة بالضرورة من أمام محلاتهم ويرفع هذا من حجم معاملاتهم اليومية. ويوضح زكري "منحت هذه المعالم حركية دائمة لسوق العطارين، لكنها استفادت كذلك كثيرا من شهرة السوق. الحياة هنا لا تهدأ ومن يزور المدينة العتيقة لا تكتمل زيارته من دون المرور بسوق العطارين".

طارق القيزانى
الاربعاء 5 يونيو 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث