عقل جبار في جسد خامل



صنع الغرب نظريات وأبدع أفكاراً بشرية في مجالات معرفية مختلفة؛ خلقت في أوطانها حضارة وأسعدت بشراً. أما في عالمنا البئيس؛ فثمة نوعان من البشر، نوع يرى أن هذه النظريات أفكار مقدسة لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها، وكلما قام أحد منا باحثا أو مفكرا في مصداقيتها ومنفعتها، ووضعها موضع التساؤل والشك؛ انبرى هذا النوع من الجنس البشري غاضباً متجهماً، ومهاجماً مجهلاً، أن سبّت آلهته التي يعبدها، وسفهت العقيدة التي يتشربها.


  ونوع ثان يرى كل ما يأتي من بلاد الغرب والفرنجة عدما وضلالا، ولا يكاد يفصل بين ما هو نافع في دنيا الناس وما هو من العقائد والأديان من أفكار تصدر عن قلق وجودي، وتيه نفسي، تعيشه شعوب فقدت بوصلة الهداية، فهي بين زائف محرف تسلط عليه كهان وقساوسة دنسوا كل ما هو روحي ونبذوا وحرموا كل ما هو من طيبات الحياة، وحياة مادية لها سدنتها من المرابين ومصاصي الدماء الذين جعلوا كل شيء ومعنى معروضا للبيع ومدراً للربح؛ وهؤلاء لا يقلون عن الصنف الأول جهلاً وصلفاً.
بين هذين النوعين زمرة من العقلاء انحازوا عن الصنفين، حكمتهم ديانة صحيحة وعلم نافع. خبروا الحياة واستجمعوا قوام المعرفة البانية التي تسأل وتختبر قبل أن تسلم وتعتقد. فأخضعوا كل معرفة واردة عليهم إلى سلطة العلم وقوانين الفكر وضوابط الديانة: دراسة وبحثا وتحليلا، منطلقين من تصديق علمي: أن كل معرفة إنسانية هي محط تساؤل ومشروع سؤال، مهما كان مصدرها ومن كان قائلها. فهي بكونها فكرة بشرية معرضة للخطأ ومحتملة للصواب، وتقوم على ضرب من الافتراض والتخمين العلمي الذي لا يُرفع عنها ما لم تثبت صحتها، وتقاس درجات صوابها. ومنهجهم يرفض الخلط بين القضايا والمعارف، ويلزم صاحب الفكرة والادعاء بضوابط معرفية تدفع المغالطة والتدليس، والخلط والتزييف. همهم التمحيص والنقد والتدقيق؛ أداء للأمانة، ونصحاً لأمتهم في زمن كثر فيه الأدعياء وتنصب فيه الجهال وأصحاب الأهواء للحديث في كل علم وفن بعد أن اعتزل وأبعد العلماء عن ميدان العلم والمعرفة، وراجت فيه سوق التدليس والسرقة، وتهريب الأفكار والمذاهب من أنساق معرفية وحضارية مغايرة، دون استيعاب وفهم؛ بحثاً عن الشهرة والسبق في ترجمات رديئة ونقل سيئ، زيادة على ضعف في اللغة والأسلوب، واستغلاق وغموض في العبارات والأفكار.
هذا الكلام يرد في سياق هجمة هوجاء من ثلة أعماها الحقد والكراهية، لأن رجلا من الناس ساءل العقل الجبار المركون في جسد خامل، كيف أن هذا العقل الجبار خذلته آلته عن استبصار قدرة الله المتعالي؟ أليس حقا عقل جبار أضحى أبلد من "حمار"؟ هذا في سياق حديثه في ندوة علمية عن الإلحاد الجديد التي تصدر فيها بالحديث والبيان لكبيرين من رموز الإلحاد الجديد، أنطوني فلو، وستيفن هوكينغ. وقد ركز في محاضرته على الثاني لسببين: أن أنطوني رجع إلى الإيمان في أواخر حياته مقرّا بوجود الله ومبطلاً مقالاته السابقة ومفحماً كبار الملاحدة ومنهم تلاميذه، ولأن ستيفن هوكينغ صعب وشرس المراس، ومعقد بخلفيته العلمية وصيته الذي حقّقه في مجال بحثه: الفيزياء الفلكية، معتمداً على كتابه الذي صدر بعد موته: "أجوبة مختصرة عن الأسئلة الكبرى"، الذي جمع فيه خلاصة أفكاره حول وجود الله وخلق الكون في بحث في الميتافيزيقا.
لكن صغار القوم وذوي السوابق ممن لا يستسيغون المعرفة الجادة، والنقد الحصيف، خصوصاً إن أصاب أصحاب عقيدتهم ومن يشايعون، لا عن معرفة، ولا عن علم، وإنما عن انبهار وتقليد؛ ثاروا منتقدين ومهاجمين الباحث الذي يمثل خصما وعدوا لدودا لطائفة منهم من تيار استئصالي متعدد الولاءات، ويعبرعن انتماء أصيل ينافح من خلاله عن قضايا الأمة الكبرى والشائكة، خصوصاً في الآونة الأخيرة التي ارتفعت فيها الهجمة على هوية الأمة ودينها ولغتها، وبدأت الهرولة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، فجاءت ردودها تشنيعا وتعريضا وتحريفا وتزييفا، معتمدين على المغالطة والخلط، والتهويل والترويع النفسي: كيف أن الباحث يناقش عالماً كبيراً في تخصصه ينعته بالبلادة ويشبهه بالحمار؟ وهل له القدرة العلمية والمعرفية على إبطال نظريته العلمية وهو لا يفقه شيئاً في الفيزياء الفلكية؟ وزد على ذلك ما اتسع به الرتق على الراتق فأصبح حديث الأسواق والمجامع، ولا أحد يتساءل: هل هذا فعلاً ما جاء في نص المحاضرة؟
من يستمع للمحاضرة يجد مسافة شاسعة بين الادعاء والحقيقة، ويخرج بخلاصة مركزة أن كل ما تداوله الباحث وناقشه لا يخرج عن دائرة مجال الميتافيزيقا الذي لا قدرة لستيفن هوكينغ، ولا لغيره، الإجابة عنه ما لم يستعينوا بوحي مرسل، وعقل مسدد. وأن ما يطرحه هوكينغ مجرد تكهنات، وتخمينات وفروض لا أساس لها من الصحة، وإسقاطات لنتائج وفروض من مجال الفيزياء على ما هو خارج الفيزياء والمادة والطبيعة.
مع الأسف الشديد، هذا حال الوضع العلمي والمعرفي عندنا، وحال عقول تشربت الكراهية، وأعماها الحقد، وفقدت بوصلة تمييز الاتجاه، فأصبح الاتجاه الآخر وجهتها
المفضلة، ولو دخلوا جحر ضب لدخلوه، إنهم استطابوا حياة المزرعة، واستلذوا حياتها التي وهبهم إياها صاحبها
------------
العربي الجديد

المحساني عزيز
الاثنين 20 ماي 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث