عين الحسود لها علاجها .... الاعتقاد بـ"صيبة العين" ظاهرة لا تزال موجودة في المجتمع اللبناني



بيروت - فاديا عازار - لا تزال الحياة اليومية في لبنان تعج بالمعتقدات الشعبية الموروثة على الرغم من التحول الكبير الذي أصاب المجتمع اللبناني على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي .


عملية صب  الرصاص على الراس للتحلص من العين و الحسد
عملية صب الرصاص على الراس للتحلص من العين و الحسد
وليست ظاهرة "صيبة العين" والوقاية منها سوى واحدة من هذه المعتقدات التي يتراوح انتشارها بين الإعتقاد التام والتأثر القليل بها ورفضها تماماً .

ويكفي أن يعاين المراقب سيارات النقل في لبنان حتى يلحظ مدى انتشار الاعتقاد بقدرة العين على التسبب بالأذى ، جراء التعاويذ والاحراز التي تتسابق لتحتل مكاناً لها على تلك السيارات
وإذا كانت العين قد دخلت كرمز من رموز القوى الخفية، بسبب ربط الإنسان بينها وبين الأحداث السيئة التي كانت تحصل فإن سبب ذلك يرجع في الأساس الى القلق من شيوع الأمراض التي انتشرت بكثرة في مرحلة ما .

ويعتقد البعض ان انتشار ظاهرة الإيمان" بصيبة العين" يرجع إلى ما قبل الثورة الصناعية وقت كانت الثروة الحقيقية هي الانسان المعرض للموت بسبب انتشار الأمراض
وقال الدكتور إدوار القش مدرس مادة الأنتروبولوجيا في الجامعة اللبنانية لـ( د.ب. أ ) "رافقت ظاهرة إيمان الناس بصيبة العين المجتمع الزراعي حيث لم يكن الطب قد وصل الى مرحلة متطورة وحيث كانت نسبة الوفيات مرتفعة جداً وخاصة وفيات الأطفال التي وصلت الى حدود اثنين من ثلاثة".
وأضاف القش" في تلك الفترة كانت الثروة الوحيدة هي الأولاد لذلك اتخذت عملية الإنجاب أهمية كبرى وخاصة إنجاب الذكور لما لهم من دور في العملية الإقتصادية المرتكزة على الزراعة التقليدية ، من هنا كان القلق على حياة الاطفال يحكم الحياة الاجتماعية ، وكان المحرومون من القيمة الاقتصادية( الاطفال) يحسدون من يمتلكون تلك القيمة".

وانتشر في المجتمعات التقليدية الاعتقاد بأن العين هي أداة الحسد وأنه ليس من الضروري أن يعبرالانسان عن حسده بالكلمات أو الإشارات وإنما يكفي أن ينظر بعينه فيصيب بها الشيء المحسود بالسوء والضرر، ولذلك أصبحت عبارة " يخزي العين "، التي لا تزال منتشرة حتى اليوم ، ترافق الأحاديث الشعبية بغية الوقاية مما يعتقد أنه مجلبة للشر.

وتابع القش "عملياً صاحب العين الشريرة هو الحاسد ، وفاقد القيمة يحسد مالكها والقيمة الأساسية في تلك الفترة هي رحم المرأة "الخصب" فالمرأة "القاطعة " غير القادرة على الانجاب ، تحسد المرأة "المنجبة" كما أن العديد من القيم كالشباب والمال والسلطة والصحة والقوة.... تكون أيضاً عرضة للحسد ".
وبسبب انتشار هذا الاعتقاد بالقدرات الشريرة للعين ، فقد أصبح البعض ميالون الى إخفاء ممتلكاتهم المادية وغيرها مخافة أن تجلب أنظار الحاسدين.

وقال القش " بالرغم من التغيير الذي أصاب القاعدة المادية لهذه المعتقدات والتطور الكبير في بعض المجالات وخاصة الطب الذي أدى الى انخفاض واضح في نسبة الوفيات إلا أن التغيير في "السيستام" الرمزي ( اي المعتقدات ) لم يحصل حتى اليوم وذلك بسبب بطء التغيير في هذا "السيستام " مقارنةً مع "السيستام " التقني الذي يتغير بسرعة اكبر ".
ويحتل الاعتقاد بالعين الحاسدة في التراث الشعبي في لبنان أهمية خاصة بسبب انتشاره الواسع ، ويمكن الاستدلال على ذلك من كثرة الروايات عن العين الحاسدة وأساليب أو طقوس الوقاية منها وإبطال مفعولها.

وقالت ربة المنزل ليليان عبود "يومها كنت أشعر بألم في البطن فقال لي الأهل والأقارب أن عيناً قد أصابتني ، وعرضوا علي أن يأتي أحدهم ل"يرقيني" فقبلت ".
وأضافت عبود " بعد تلاوة" الرقوة "مباشرةً شعرت فجأةً بالتحسن وشفيت من الألم الذي ألم بي ، وهذا الامر يتكرر في كل مرة "يرقيني "أحدهم ".
ويسود الاعتقاد الشعبي أن من "يصيب بالعين " هم أصحاب "العيون الزرق" و"الأسنان الفرق" أي البعيدة عن بعضها قليلاً ، ويرجع الاخصائيون الاجتماعيون ذلك الى ارتباط العيون الزرقاء بالغرباء عن أهل البلد .
ولا يزال بعض اللبنانيين يعتقدون أن المرض هو لعنة ، وأن أسبابه متعددة منها "الإصابة بالعين " لما للعين من مفعول سحري ، وللتخلص من آثار تلك الإصابة يلجأون إلى طرق متخصصة تستنجد بقوى ما وراء الطبيعة.

وقال طنوس يمين الذي يعمل في مجال البناء " يأتي الي كل من يعاني من أوجاع في رأسه أو بطنه ويعتقد أن عيناً أصابته وتسببت له بهذه الاوجاع ، طالبا إزالة أثرها أو قد يطلب كوباً من الماء ردّدت فوقه "الرقوة" لكي يشرب منه فيشفى".

وأضاف يمين" تزول الإصابة بالعين بواسطة "الرقوة" التي تعلمتها من والدي ، وهي نوع من الصلاة التي تبدأ بذكر الله والتي أكررها سبع مرات، وأثناء تلاوتي الصلاة أتثائب ، فإذا كان التثاؤب صعباً قام الدليل على "الإصابة بالعين" وينبغي ان يزول أثر العين بعد المرة السابعة فإذا كان التثاؤب لا يزال صعباً لجأت الى صب الرصاص لتفتيت العين".

وتابع يمين "لصب الرصاصة تقنية خاصة ، حيث يُذوّب الرصاص على النار بواسطة ملعقة ، يسكب بعدها في وعاء من الألومينيوم يحتوي على الماء موضوع فوق رأس المصاب فيرتسم على الأثر شكل معين ، ويسعى المعنيون لتشبيهه بصاحب العين . وتتكرر العملية ثلاث مرات حتى يزول أثر الإصابة."
وقالت المحاسبة فيوليت يمين "أعتقد أن الإصابة بالعين تتعلق بقوة البرج أو ضعفه فالأبراج القوية لا تتأثر بصيبة العين بينما تتأثر بها الأبراج الضعيفة ".

وكان اللبنانيون يتخذون مجموعة من الإحتياطات لاتقاء شر العين ، منها التعاويذ والأحجبة والخرز الأزرق.. وغيرها ولا يزال بعضها منتشراً حتى اليوم كما لا تزال بعض التعابير مستخدمة بهدف إبطال فعل الشر الذي قد تتسبب به العين الشريرة كذكر الله (بسم الله) عندما يتعلق الحديث بإبداء الإعجاب بأحد الإشخاص أو الإشياء .

وأضافت يمين "من أجل الوقاية من "صيبة العين" أحمّل الذخائر لأولادي والخرز الازرق وخاصةً في مرحلة الطفولة حيث يكون التعرض للعين أكثر".
وينقسم اللبنانيون في آرائهم حول العين وقدراتها ، فمنهم من ينظر الى الأمر على أنه مجرد خرافة، ويجاهر بعدم إيمانه بها باعتبارها من المعتقدات الشعبية البعيدة عن البرهان العلمي والتي لا يجوز تصديقها في عصر العلم والمعرفة، وخاصة فئة المتعلمين . ومنهم من يجاهر بإيمانه بها ساردين العديد من الوقائع التي تثبت صحة معتقدهم.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يكاد يخلو منزل في لبنان من خرزة زرقاء أو حرز يستعين به على قوى شريرة تتربص شراً بالأطفال بشكل خاص . ولا أحد يعلم متى سوف تتغير هذه المعتقدات .

فاديا عازار
السبت 13 مارس 2010