قصة القطار الذي حمل فرانكو عام 1940 لزيارة هتلر





صوريا (إسبانيا) -آنا لاثارو بيردي - في ضواحي إحدى قرى شرق إسبانيا، وسط الصمت المخيم على إحدى ورش السكك الحديدية حيث تتساقط كتل الجليد وتعوي الرياح في هذه البقعة المهجورة، تقبع هناك منذ سنوات واحدة من أشهر عربات القطارات في تاريخ إسبانيا: إنه القطار الذي حمل الجنرال فرانثيسكو فرانكو عام 1940 إلى هندايا حيث التقى للمرة الأولى والأخيرة بالفوهرر أدولف هتلر.


الجنرال فرانكو
الجنرال فرانكو
 صورة القطار الذي ترجل منه الدكتاتور الإسباني، بينما كان في انتظاره الفوهرر على رصيف محطة البلدة الفرنسية، تتناقض تماما مع الصورة التي أصبح عليها الآن: هيكل متداعي من الخشب وقطع الحديد يكسوه التراب وخيوط العنكبوت، على أمل أن تتوافر لدى الحكومة المحلية في يوم من الأيام أية موارد لصيانة القطار الأسطوري بعد أن أكل عليه الدهر وشرب.

"في زمانه، كان هذا القطار قطعة فريدة من نوعها، كان درة السكك الحديدية الإسبانية، ليس فقط لأنه أقل فرانكو للقاء هتلر، بل لأهميته في انتقال القيادات الإسبانية خلال فترى مهمة من تاريخ البلاد"، توضح لـ( د. ب. أ ) ماريسا مونيوث مسؤولة الجمعية الأهلية التي تشرف على القطار، وتسعى للحصول على موارد لترميمه.



كان مقررا خلال "لقاء هندايا" بين الدكتاتور النازي والدكتاتور الإسباني مناقشة إمكانية دخول إسبانيا الحرب العالمية الثانية، ولم يعقد اللقاء على متن قطار فرانكو، بل التقى الاثنان في البلدة الفرنسية، ومع ذلك ظل هذا اللقاء التاريخي مرتبطا باسم القطار (SS-3)، والذي كان يستخدمه من قبل الملك الفونسو الثالث عشر الملقب بالإفريقي وهو جد الملك الحالي، وقد انتهت ولايته بإعلان الجمهورية الثانية عام 1931، والتي انقلب عليها فرانكو لتندلع الحرب الأهلية في الفترة من 1936 إلى 1939.

يمكن الصعود ودخول عرباته حاليا عبر درجات سلم متهالكة اصطفت بشكل عشوائي مرتجل. بالتجول بين عرباته، يمكن المرور بالصالون الرئيسي وهو عبارة عن عربة أرضيتها خشبية ذات أبواب جرارة، والقطار مزود أيضا بثلاث غرف نوم ملحق بها حمامات خاصة ومطبخ وغرفة طعام. "استخدمت أجود أنواع الأخشاب في العالم لتشييد هذا القطار الفاخر"، توضح مونيوث.

قصة القطار (SS-3) شيقة ومثيرة للدهشة مثل اسمه. فقد شيدته عام 1929 الشركة الإسبانية للإنشاءات البحرية. وأسند الإشراف عليه إلى وزارة الأشغال العامة كوسيلة مواصلات عامة ولكن لنقل كبار مسؤولي الدولة في ذلك الوقت، باستثناء أن العائلة المالكة كانت تستخدمه في رحلاتها الخاصة. عقب الحرب الأهلية، أصبح القطار الفاخر تحت تصرف فرانكو. توقفت حركته منذ عقد خمسينيات القرن الماضي، ليباع بعد ذلك بالمزاد، وانتهى به الحال في معرض انتيكات جنوب مدريد. عام 1984 أي بعد تسع سنوات من رحيل فرانكو، استعاده متحف مدريد للسكك الحديدية، ونقله إلى البلدة التي يوجد بها حاليا في مدينة صوريا بإقليم قشتالة، وهي من أكثر مناطق إسبانيا برودة على الإطلاق وأقلها كثافة سكانية.

هناك تحول القطار الفاخر إلى مأوى للمشردين والمتسولين، وظل مهجورا، إلى أن تبنت قضيته جمعية أهلية تقوم بتطوير وتنمية قرى مدينة صوريا مثل المزّان وأديما، ونجحت عام 1997 في توقيع اتفاقية لترميم القطار. تقول مونيوث "سوف نحاول استغلال الورشة التي يوجد بها لتوفير عمل لأشخاص يعانون من البطالة منذ الأزمة التي لحقت بإسبانيا عام 2998، وفي الوقت نفسه استعادة هذا الأثر التاريخي الهام".

تقول بلدية المدينة إنها تحتاج 200 ألف يورو من أجل ترميم القطار، وإنشاء متحف صغير للقطارات في تلك البلدة التي كان لها في يوم من الأيام أيادي بيضاء على تطوير صناعة السكك الحديدية في إسبانيا. "سيسهم هذا في جذب السياحة"، يؤكد خوسيه أنطونيو دي ميجل عمدة بلدة المزان، موضحا أن "هذا القطار كان بمثابة درة التاج وعلامة على تطور خطوط السكك الحديدية الإسبانية". ولهذا يؤكد أن البلدية تتفاوض مع "أديف" كبرى شركات صناعة السكك الحديدية في إسبانيا لشراء أرض محطة قطار المزان لتحويلها إلى مشروع سياحي سوف تستخدم فيها صور القطار القابع في أحد عنابر ورش المحطة، ولكن في عصره الذهبي، خاصة تلك التي التقطت في 23تشرين أول/ أكتوبر عام 1940 عندما عقد اللقاء بين فرانكو وهتلر في هندايا.

في ذلك اليوم وصل الدكتاتور الإسباني متأخرا ثمان دقائق عن موعده مع الفوهرر. ترجل فرانكو مبتسما من القطار، وعلى رصيف القطار تصافح الرجلان بحرارة، والتقطا صورة للذكرى والتاريخ.

وبالرغم من ذلك لم يسفر اللقاء عن اتفاق، فلم تدخل إسبانيا الحرب، بالرغم من المساعدات التي قدمها هتلر للدكتاتور الفاشي للتخلص من خصومه الجمهوريين والانفراد بالسلطة. قيل آنذاك إن هتلر لم يقبل بالشروط التي وضعها فرانكو للانضمام للمحور.

"بينما كان الدكتاتور الإسباني يتحدث شعر هتلر بالملل لدرجة أنه تثاءب من 15 إلى 20 مرة متتالية، بصفاقة وقلة ذوق متناهية"، على حسب وصف رامون سيرانو سونيور، أحد وزراء فرانكو، الذين رافقوه خلال رحلة هندايا في لقاء متلفز.

وعلى عادة النميمة الإسبانية، بدوره حكى سائق القطار (S-33) لزوجته بعد العودة إلى إسبانيا أنه لاحظ أنه "كانت الأجواء متوترة للغاية. ولم تجد أية وسيلة لإصلاح الوضع"، حسبما حكت بعد ذلك زوجة سائق القطار في مقابلة مع الصحافة.

آنا لاثارو بيردي
الاربعاء 7 فبراير 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث