قصة انقراض الطاعون في أوروبا



أوسلو -كان الطاعون يعتبر لفترة طويلة وباء البشرية، ولا تزال الكثير من مناطق العالم تصاب به من آن لآخر حتى الآن.
ولكن أوروبا أصبحت بدون طاعون منذ انتهاء الطاعون الثالث الذي أصابها منتصف القرن العشرين.

ذكر باحثون في دراسة لهم تحت إشراف باربرا برامانتي، من جامعة أوسلو، أسباب ذلك مما يشكل اعادة كتابة لقصة انقراض هذا المرض القاتل


ولكن أوروبا أصبحت بدون طاعون منذ انتهاء الطاعون الثالث الذي أصابها منتصف القرن العشرين. ذكر باحثون في دراسة لهم تحت إشراف باربرا برامانتي، من جامعة أوسلو، أسباب ذلك. نشر الباحثون دراستهم في العدد الحالي لمجلة "بروسيدنجز ب" التابعة للأكاديمية الملكية للعلوم في بريطانيا. كان هناك وباءان قضيا بشكل خاص على قطاعات واسعة من السكان الأوروبيين في العصور الوسطى، حيث توفي ملايين الأوروبيين جراء طاعون جستنيان، بدء من القرن السادس. وتسبب طاعون الموت الأسود، وفقا لدراسات، في وفاة ما يصل إلى 50% من الأوروبيين في القرن الـ 14. أما ما يعرف بالوباء الثالث أو الجائحة الثالثة، فبدأ في أواخر القرن التاسع عشر، في الصين. ورغم انتشار هذه الجائجة على مستوى العالم، إلا أنها لم تستطع الاستمرار في أوروبا بشكل دائم على مدى عقود، وذلك رغم الكثير من بؤر التفشي، وكان ذلك لأسباب، على رأسها الوقوف آنذاك على خلفيات الوباء. استطاع الباحثون تحت إشراف برامانتي، اعتمادا على تقارير طبية معاصرة لفترات تفشي الطاعون، إعادة رسم مسار الوباء في أوروبا وتقفي قصة انقراضه، بما في ذلك الأسباب وراء تجاوز القارة الأوروبية الوباء بأقل الخسائر. وحسب الباحثين فإنه تم تسجيل قرابة 1700 حالة إصابة و 457 حالة وفاة في الفترة بين عام 1899 و 1947. وكانت أغلب الوفيات في العقود الأولى، وكانت المدن ذات الموانئ البحرية والموانئ الداخلية هي الأكثر تضررا، وخاصة مدن بيريه ومرسيليا ولشبونة ولندن وليفربول. كان آخر تفشي للطاعون عام 1945، وكان في مدينة تارانتو، جنوب إيطاليا، حيث مرض 30 شخصا وتوفي 15 آخرون. وحسب الباحثين فإن الجائحة بدأت أواخر القرن الـ 19 في إقليم يونان، الذي كان منذ فترة طويلة يشهد تفشي أوبئة. وصل الوباء عام 1894 إلى حاضرة جوانزو، ثم هونج كونج، حيث انتقلت عدواه للطبيب السويسري الفرنسي ألكسندر يرسين، بادئ الأمر كبكتريا، سمي الوباء فيما بعد بوباء يريسينيا ، حسب اسم الطبيب. كما اكتشف يرسين أيضا علاقة المرض بالفئران، وبعدها بقليل تم التوصل إلى أن القمل حامل أساسي للبكتريا المسببة للوباء. ومن الصين طالت الجائحة أجزاء واسعة من جنوب آسيا وأستراليا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأفريقيا، وكذلك أوروبا. ولكن الهيئات الصحية في أوروبا قد التزمت الحذر، وذلك بعد حالات تفشي سابقة لأمراض معدية أخرى، مثل الكوليرا والجدري والسل. وعندما توفي بحارة في لندن جاءوا عام 1896 على متن سفينة من الهند، دعت السلطات لمؤتمر صحي دولي في البندقية في شباط/فبراير 1897، تلاه مؤتمر دولي آخر عن الطاعون في مدينة شنيانج الساحلية في الصين، شارك فيه خبراء من 11 دولة، من بينها ألمانيا والنمسا والمجر. اتخذت إجراءات وقائية في أوروبا ضد الطاعون، لمنع قدومه من الخارج، حيث كان يتم فحص السفن القادمة لأوروبا بحثا عن آثار للوباء، وكان الخبراء يحرصون خلال هذا الفحص على معرفة حالات الاشتباه لدى ركاب السفينة، ولكنهم كانوا أيضا يبحثون عن فئران نافقة على متن السفينة، وكانوا يتأكدون من نظافة السفن وخلو حمولتها من أي آثار تلوث، "ورغم إجراءات الرقابة فإن أوروبا شهدت خلال الجائحة الثالثة العديد من حالات التفشي، ولكن معظم هذه الحالات كان محدودا "، حسبما أوضح الباحثون. كانت السلطات تولي الجرذان اهتماما خاصا، وخاصة جرذان الموانئ، والفئران التي تعيش بالقرب من الإنسان، ولكن لم يعرف حتى الآن مدى خطورة هذه القوارض في نقل الوباء. فرغم الكشف من وقت لآخر عن فئران انتقلت إليها العدوى، إلا أنه كان من الصعب حصر نسبة هذه الفئران من إجمالي الحيوانات المصابة. عندما بدأ البشر في مقاطعة ايست سوفولك، شرق انجلترا، يصابون بالطاعون، على فترات منتظمة بين عام 1906 و عام 1918، تم صيد أكثر من 266 ألف فأر خلال ثلاث سنوات، تبين أن 60 فأرا منها فقط هي التي كانت مصابة بالعدوى، حسبما أوضح فريق الباحثين تحت إشراف برامانتي. يقول الباحثون: "بشكل عام فإن العلاقة بين القوارض التي تعيش في المدن وإصابة البشر بالطاعون خلال الجائحة الثالثة في أوروبا، كانت أقل بشكل واضح عن علاقة هذه الحيوانات بتفشي الطاعون في الهند والصين". تابع الباحثون: "تشير الأعداد المنخفضة للفئران التي أصيبت بعدوى الطاعون أثناء حالات التفشي الأوروبية إلى أنها كانت تلعب دورا صغيرا نسبيا في انتقال الطاعون". رجح الباحثون أن ذلك ربما كان سببا في أن ضحايا الطاعون في أوروبا كانوا أقل نسبيا، عنه في مناطق أخرى. اتضح أيضا أن البشر كانوا يصابون بالعدوى عبر عوائل مؤقتة للجرثومة، مثل القمل أو كانوا ينقلون العدوى لبعضهم مباشرة، وخاصة عدوى طاعون الرئتين. لذلك فإن السلطات الأوروبية كانت تحرص على عزل المرضى والأشخاص الذين كانوا على احتكاك بهم، وكانت تمنع التجمعات البشرية الكبيرة، وتوصي بالاحتياطات الصحية الخاصة بالنظافة والتعقيم. يرى الباحثون أن هذه الإجراءات الوقائية مثل تزويد المنازل بالمياه والصرف الصحي وإنشاء حمامات داخل الشقق، كانت سببا رئيسيا في وقف انتشار الطاعون في أوروبا. كتب الطبيب الفرنسي أدريان بروست عام 1897 بالفعل، يقول:"لا شك في أنه لم يعد في إمكان الطاعون التسبب اليوم في كوارث مثل التي أحدثها الموت الأسود في القرن الـ 14". ولكن الطاعون لا يزال موجودا حتى اليوم في كثير من الدول الأخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وذلك لأسباب، من بينها أن الجرثومة المسببة له لا تزال تحتفظ بمخزون في عالم الحيوان. يقول أصحاب الدراسة: "يؤدي انتقال الطاعون من هذه المخزونات الحيوانية كل عقد لتقارير عن وجود آلاف من حالات الإصابة بالطاعون". ويشير الباحثون إلى أن نقص أعداد القوارض في أوروبا سبب جذري في أن الطاعون لم يعد يمثل تهديدا صحيا في القارة الأوروبية.

فالتر فيلِّمس
الاربعاء 17 أبريل 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث