تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان

معركة السردية بدأت

22/12/2025 - د. عبد الرحمن الحاج


كاتب لبناني : دونالد ترامب الذي يتحدّى كلّ حرف قرأناه وكلّ معرفة حصلناها




هذا الحوار مع الكاتب اللبناني حازم صاغيّة محاولة لفهم ظاهرة دونالد ترامب والعالم الذي يعيد تشكيله.
يدمج الكاتب اللبناني حازم صاغيّة التحليل السياسي بسوسيولوجيا الثقافة والذاكرة التاريخية، وهو يتناول أميركا ليس باعتبارها دولة فحسب، بل باعتبارها تجربة في “الحداثة” و”الرأسمالية” و”الديمقراطية الليبرالية”، بوجهيها التنويري والمظلم في آن.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالنسبة إلى صاغيّة ليس مجرّد زعيم يميني أميركي، بل علامة على أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، وعلى تحوّل في دور الولايات المتّحدة تجاه العالم، وعلى ضرب من “الطفلية السياسية”؛ كما وصفها في أكثر من موضع، حيث تتجاور الشعبوية مع النرجسية ومع السوشيال ميديا ومع الانسحاب من النظام الدولي.
في هذا اللقاء مع “درج”، نحاور الكاتب صاغيّة في محاولة لفهم ظاهرة ترامب والعالم الذي يعيد تشكيله.


  
ترامب كظاهرة عالمية
كتبتَ أن ترامب ليس محنة أميركية فقط بل عالمية، بأي معنى تتجاوز “الترامبية” حدود الولايات المتّحدة؟
وراء الانبهار بترامب عوامل عدّة، بينها الإعجاب المعهود بالقوّة والنجاح، كائناً ما كان معنى هذين التعبيرين. وفي بلدنا ومنطقتنا عموماً، يُفهم هذا الانبهار أيضاً بوصفه من نتائج الأوضاع المزرية، التي أوصلنا إليها الممانعون ومن ورائهم نظام الخميني، ومن ثمّ الحاجة إلى “مخلّص” يزحزح هذا الكابوس عن صدورنا.
إلا أن الانبهار بطبيعته، يعطّل القدرة على الرؤية الهادئة التي تنطوي على شيء من الموضوعية، وهذا كي لا نقول الرؤية النقدية، وإذ نتذكّر النزاعات الأهلية الضارية في مجتمعاتنا، يغدو مفهوماً أن تتحكّم الحماسة بالمواقف، والحماسة هي أخت الانبهار.
هكذا فإن من الخطأ عدم الانتباه إلى ما أسميتِه المحنة التي تنطوي عليها الترامبية، والتي “تتجاوز حدود الولايات المتّحدة” بالضبط، لأن الولايات المتّحدة متجاوزة لحدودها، أي أنها حاضرة ومؤثّرة في كلّ مكان في العالم، أكان ذلك بقوّتها العسكرية أو الاقتصادية أو بتأثيرها السياسي، ناهيك بحجم حضورها في الاقتصاد والتعليم والإعلام والصور والسينما وغير ذلك.
وبهذا المعنى، فإن الأضرار التي يتسبّب بها وجود حكّام كمعمّر القذاّفي وعيدي أمين في ليبيا وأوغندا، تبقى؛ رغم ضخامتها، أقلّ كثيراً من الأضرار التي يتسبّب بها أخ شقيق لهما في الولايات المتّحدة.
وهذا فضلاً عن الإحباط الذي يصاب به، عند استحضار ترامب، كلّ من ظنّ مرةً أن أميركا صرح للديمقراطية الليبرالية وللتقدّم في سائر أوجهه.
ثم إن الانبهار والنجاح هذين معطوفان على هزيمة الإيديولوجيات التي كانت مؤثّرة ذات مرّة، وهو ما لا ينطبق فقط على الماركسية، إذ يشمل أيضاً الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية والمحافظة بمعناها التقليدي، ومن الواضح أن في الترامبية، وبفعل تهافتها وعدم تماسكها تحديداً، قادرة على استيعاب بعض تعبيرات الوعيين الديني والقومي، وبعض التعصبات الأهلية في منطقتنا وأجزاء أخرى من العالم.
فعلاً هي محنة أميركية بل عالمية، لا سيّما وأن الرجل انتُخب مرّتين. فلنتخيل للحظة أن هذا الشخص الأكثر تحكّماً بأميركا وبالعالم، الذي يتربّع فوق هذا الكمّ الهائل من حركة البشر والثروات والقرارات، ومن التطوّر الهائل الذي يشهده العلم والطبّ والتقنية، ذو نرجسية طفلية تدفعه إلى الإصرار على الحصول على جائزة نوبل، بالمعنى الذي يصرّ فيه الطفل على تناول لعبته، ولا يتحمّل تسمية مبدأ ظهر قبل قرنين باسم صاحبه “مونرو” فيجعله “دونرو”.
إنه يريد أن يرى اسمه ويسمع اسمه دون انقطاع، بحيث تغدو علاقته بذاته أشبه بنكتة ثقيلة جدّاً. والتكوين الشخصي ليس تفصيلاً هنا، في ظلّ رجحان المزاج على الاستمرارية واشتغال المؤسّسات، فمن الواضح لكلّ من يرى أن الرجل ثرثار يتحكّم الاندفاع والغريزة بردود أفعاله، وهو بذيء وشديد التقلّب وعديم التماسك. قصصه مثل قصص الأطفال غير الموهوبين، وغير “المهضومين”: متشعّبة وغريبة وملأى بتغيّر النبرة، كما إنّ حسّ الفكاهة فيها شديد الابتذال والـ vulgarity. فوق هذا هو حقود وحسود معاً.
“أنا أوّل” من فعل كذا، أو “أنا وحدي” من قال كذا، عبارات يقولها دون توقّف، وإذا شرب كوب ماء ذكّرنا بأن بايدن وأوباما لا يستطيعان ذلك. لقد كره الفنزويلية ماريّا كورينا ماشادو وأهانها بسبب نيلها جائزة نوبل، قبل أن تُبدي استعدادها لتقديم الجائزة له.
وهو لا يملك رصيداً سياسياً سابقاً على فوزه بالرئاسة. بروزه ارتبط ببرنامج “المتدرّبين النجوم” (Celebrity Apprentice) وأهمّ الأخبار الشخصية عنه تتعلّق بشطارته في التهرب الضريبي، وبدعاوى المحاكم التي طالته.
أعيد انتخاب ترامب مرّتين وصعد من جديد بشكل أقوى، ما الذي يجعل هذه الظاهرة قابلة للتكرار رغم الفضائح والانقسامات؟
بعض الجواب عن السؤال يكمن في الفراغ الذي أشرت إليه قبلاً، وما يلازمه من صعود شعبوي لا يوجد ما يوقفه.
لكن ما من شكّ في أن نجاح ترامب المتكرّر ينبّه إلى عطل عميق في الديمقراطية وطرق تمثيلها واشتغالها، بقدر ما ينبّه إلى ضرورة إصلاح ذاك العطل. صحيح أن العالم واجه من قبل فوز هتلر الانتخابي، الذي طرح مسألة الإصلاح الديمقراطي وضرورته الملحّة. طبعاً لم يصل ترامب رغم كلّ رداءته إلى مستوى هتلر، لكنّ ألمانيا التي أنتجت صعود هتلر في 1933، كانت مهانة وجائعة بسبب الحرب العالمية الثانية وصلح فرساي والكساد الكبير، وهذه ليست حال أميركا مهما تردّت أوضاعها.
لكن إذا نزلنا من التعميم إلى التحديد وجدنا أسباباً مباشرة كثيرة، وإن كان بعضها متضارباً، تفسّر نجاح ترامب. فهناك الإفقار في البيئة الصناعية التقليدية والبيضاء الذي أحدثه تفريع الإنتاج (outsourcing) بنقل وحدات الإنتاج إلى الخارج، وخوف البيئة المحافظة من إجراءات ونظريات “اختيار عمليّات الجنس” (sex markers) للمتحوّلين جنسياً وغير الثنائيين جنسياً (non-binary)، وهناك خوف من العولمة التي ألغت عدداً من الوظائف، وتهدّد مع ثورة الذكاء الصناعي بإلغاء المزيد منها.
كذلك، وخصوصاً، هناك الخوف من الهجرة التي تغيّر التركيب والتوازن الديموغرافي وتهدّد الأكثرية البروتستانتية البيضاء، ومن هنا جاءت فكرة بناء السور مع المكسيك (الكاثوليكية اللاتينية)، وزاد الطين بلّة أن بعض الـ8 ملايين لاجئ الذين فرّوا من فنزويلا الجائعة، صبّوا في أميركا.
إذاً هي مجموعة مخاوف متراكبة، والحركات الشعبوية بالتعريف، حركات ردّ على الخوف من خلال تكبيره والوعد بالرجوع إلى ما قبله، وهذا بالضبط هو معنى إرجاع أميركا “عظيمة مجدّداً”.
والترامبية هي حالة الما قبل: ما قبل المؤسّسات المحلّية والدولية التي يحتقرها ترامب، وما قبل الديبلوماسية التي يستعاض عنها بالقوّة المحض، وما قبل الأمم المتّحدة وفكرة المسؤوليات الدولية الجماعية، وما قبل العولمة كمحاولة في التكامل العالمي عبر الردّ عليها بالرسوم الجمركية، وما قبل مصالحة الرأسمالية والديمقراطية والقوانين عبر الاستيلاء البدائي على ما نحتاجه من مواد أوّلية، وما قبل تعدّدية أميركا عبر العمل على “تطهيرها” من الاختلاف، ولو بعمليّات طرد جماعي، وما قبل الحساسيات التي أنتجها التقدّم المطعّم بالأنسنة، كالعنصرية والتوكيد على الأصل ومكان الولادة (كما في حملته على مكان ولادة أوباما)، والذكورية شديدة المناهضة للمرأة.
وبالمناسبة، ظهر من يربط بين كره ترامب للنساء وكرهه للدولة، انطلاقاً من افتراضه أن الدولة، دولة الرعاية والتقديمات، هي امرأة عليا. بل هو، إذا تذكّرنا أن دماغه أصغر من دماغ دجاجة، ما قبل استيعاب “المشكلة” كفكرة وكمفهوم.
لكن توجد وراء الترامبية أسباب أخرى غير الخوف والردّ عليه بالعودة إلى ما وراءه. فهناك حالة استياء من الجو القمعي الذي ساد الجامعات الاميركية في العقود الثلاثة الماضية، حيث تمّ ضبط التعليم على معايير الصواب السياسي، كما تمّ إسكات كلّ رواية مغايرة للرواية الهوياتية الراديكالية واليسارية، وهذا غالباً ما حصل بفظاظة استبدادية تحكمها فكرة “الهيمنة” الغرامشية على العقول والقلوب.
يضاف إلى ذلك انتعاش نفوذ التواصل الاجتماعي وتوسّع، الذي أدّى في هذا المجال إلى نتيجتين: من جهة، تراجع وجود مراجع مشتركة للمعرفة، ما يزيد في تقليص رقعة النقاش العامّ، فضلاً عن إمكان تسميم الحياة العامّة بمعارف زائفة غير قابلة للتحقّق؛ ولا ننسى أن ترامب نفسه يحكم بالتغريدات أكثر ممّا يحكم بأية وسيلة أخرى. ومن جهة ثانية، تراجع الاهتمام بالقراءة والبحث الجدّي الذي عزّزه انكفاء دراسة التاريخ والفلسفة، لصالح دراسة المواد التي يُظنّ أنها جالبة للثراء، كالبيزنس والتكنولوجيا ومتفرّعاتهما. لقد حصل هذا في ظلّ طغيان دين المال بالمعنى الذي تحدّث عنه كارل ماركس في “المسألة اليهودية”، والتعبير المفتاحي هنا هو: I made it ومن لا يستطيع قول هذه العبارة عن نفسه فهو فاشل.
والحقيقة أن نائب الرئيس جاي دي فانس، هو الممثّل الأبرز لهذه الوجهة، فهو جاء من خلفية متواضعة وعائلة مكسورة، وقد كتب سيرته التي حوّلتها السينما إلى فيلم. زوجته أوشا، ابنة مهاجرين هنود، نجحت في الوصول مثله إلى جامعة ييل لأبناء عُليّة القوم. كثيرون من أصحاب هذه التجارب يفكّرون على النحو التالي: ما دمت أنا قد نجحت فلماذا لا ينجح سائر الفقراء؟ لا بدّ إذاً أنهم “فاشلون” وأن فيهم، وليس في النظام الاقتصادي الاجتماعي، عطلاً عميقاً.
يضاف إلى ذلك ضعف الحزب الديمقراطي بعد أن “أمّمته” سلالة كلينتون ثم سلالة أوباما، وهو ما أضعف تجدّد نُخبه وظهور أفكار جديدة فيه، كذلك طغى بشكل عديم التوازن تركيز البيئة الديمقراطية، المطعّمة بجرعة مرتفعة من تبسيط “المنظّمات غير الحكومية”، على الشؤون الثقافية والجندرية والإثنية، بحيث كادت تغيب تماماً مسائل الفقر والوضع الاقتصادي، التي لطالما عبّر عنها الحزب الديمقراطي ذو الصلة الوثيقة بالنقابات.
هكذا تُرك لترامب أن يمثّل هذه الهموم بسياساته الخرقاء ووعوده الديماغوجية. فهو بدا ذلك الثوري الذي يدافع عن مصالح “الشعب”، فيما الديمقراطيون نُخب ليبرالية غنيّة متحذلقة تتجمّع في المدن الكوزموبوليتية الكبرى، وتدافع عن مؤسّسات “بلا روح”، وعن قوانين لا ينتفع بها سوى الأغنياء. ألم يشهد عهد جو بايدن إنكاراً للتضخّم الكبير الذي طرأ، وهذا علماً أن بايدن كان “على يسار” أوباما؟
وفي مجال تعداد أسباب الصعود الترامبي، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه دعم كبار أغنياء الصناعات التقنية Tech industry لترامب وتبرّعاتهم لحملاته، خصوصاً في عهده الثاني – الحالي. وكان اختيار دي فانس لنيابة الرئيس معزّزاً لهذا الميل تبعاً لصداقته مع بيتر ثيال، رجل المشاريع الألماني الأميركي، ولصلاته الوثيقة بهذا القطاع (وهو بالمناسبة أكثر القطاعات تمثيلاً حصرياً للرجال). ومعروف أن بايدن إبان رئاسته استخدم صلاحياته التنظيمية لإخضاع العملات الرقمية crypto لقانون الأوراق المالية، وهذه التشريعات أغضبت أنصار العملات الرقمية الذين يمثّلون شريحة واسعة من مؤيّدي ترامب في سيليكون فالي، كذلك يسود هذه البيئة افتراض تؤيّده وقائع كثيرة، من أن ترامب يمنح عقوداً أكبر للشركات ذات رأس المال الاستثماري الضخم، وخصوصاً شركات الذكاء الصناعي التي تباع سلعها وبرامجها للجيش، وهذا ما يتّصل من جهة بالتنافس مع الصين في هذا المجال الذي يعتبره ترامب قضيّة حياة وموت، ويتّصل من جهة أخرى باستخدام الذكاء الصناعي في مراقبة الحدود مع المكسيك والاستعانة به بكثافة لضبط الهجرة.
وهنا أيضاً اعتُبر بايدن أقلّ ودّاً من أوباما مع هذا القطاع.
وأظنّ أن هناك سبباً آخر بعيداً وغير مباشر كلّياً وراء الظاهرة الترامبية، وهذا السبب لا بدّ أنه ترك أثراً يستفيد منه، لا في أميركا فحسب بل في الغرب كلّه، الرجعيون والانعزاليون والقوميون على أنواعهم.
فالاستقلالات وأعمال التحرّر في “العالم الثالث” خلّفت نماذج غير محترمة كأنظمة الخميني وصدّام والأسد والقذافي وكيم جونغ أون وعيدي أمين وبوكاسا، وحالة من الحروب الأهلية والتعصّبات الدينية، وهجرات مليونية هرباً من الاضطهادات، وصعوبة القول بنجاح تجارب الاندماج… وأظنّ أن ظاهرات كهذه تقوّي في الغرب مشاعر التمايز والتفوّق من النوع الذي يعبّر عنه ترامب.
الشخصيّة و”النرجسية السياسية”
ما الذي يجعل شخصيّة ترامب عاملاً سياسياً بحدّ ذاته؟ هل نحن أمام نرجسية طفلية أم أمام براعة باردة في فهم الجماهير؟
أظنّ أن البحث عن “مخلّص” لدى الخائفين والقلقين من الغد، يجعل التعلّق بأيّ دجّال أو معتوه ممكناً، خصوصاً في ظلّ التراجع الكبير الذي سجّلته الأيديولوجيات الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة.
وبعض ما نتعلّمه من ذلك أن سقوط الاتّحاد السوفياتي ومعسكره، الذي يبقى مكسباً كبيراً للبشرية لناحية تخليصها من إمبراطورية توتاليتارية، هو في الوقت نفسه انتكاسة كبرى لأمور كان من الأفضل أن لا تنتكس. فمكسب تراجع “السرديات الكبرى” يخسر شيئاً كثيراً منه حين يتحوّل هذا التراجع إلى ما يشبه الاندثار، وهذا ليس على الصعيد الفكري فحسب، بل أيضاً على صعيد أوضاع البشر. فممّا تعلّمه هذه التجربة أن وجود طرف يساري قوي ومتماسك لا يحكم، لكنْ يعارض، ضروري جدّاً، لأنه يشكّل حدّاً لجموح الرأسمالية في الصورة التي تمثّلها الترامبية، وباقي الترامبيات الصغرى. ولا ننسى أنه بسبب قوّة الحزبين الشيوعيين في فرنسا وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، كان مشروع مارشال للإعمار ونشأت دولة الرفاه على أسس الاقتصاد الكينزي.
كيف تفسّر ثبات ضغائن ترامب تجاه خصوم خرجوا من المشهد السياسي؟
-إن الرجل مزيج من الحسد والحقد، وهو ما يدلّ، فضلا عن طفليته النرجسية المتورّمة، على هشاشته الشخصيّة التي تستمدّ قوّتها من “الانتصار” على أعداء فعليين أو متوهّمين، يتمّ استحضارهم بشكل يومي وإلى الحدّ الأقصى الذي لا يعرف حدوداً. هل يمكن لأيّ شخص مسؤول وناضج أن يقول ما قاله من أنه إذا تعرّض لمحاولة اغتيال إيرانية يمحو إيران من على وجه الأرض؟ هذا الكلام يجعل حتى كلام آيات الله الإيرانيين كلاماً شديد التعقّل والنضج.
ما دلالة شبكة علاقاته بالمشاهير في صناعة هالته السياسية؟
-لا شكّ في أن عالم المشهد والصورة والشيوع أساسي في ذلك، والانتماء إليه يعطي الوضيع شيئاً إضافياً من إشباع الأنا الجائعة، وبعض المنصّات التي تساعده على “الوصول” أو توهمه بذلك. لقد لوحظ مثلاً في بريطانيا، خصوصاً مع وفاة الأميرة دايانا، ذاك الدور التعويضي الهائل الذي يوفّره التلصّص على أخبار العائلة المالكة والميل إلى التماهي معها ومع أفرادها، واستطراداً مع عالم الأغنياء والمشاهير rich and famous في عمومه، وهو كثيراً ما استثمرت فيه السينما والمسلسلات التلفزيونية كما هو معروف.
المؤسّسات والدولة والنظام الدولي
ترامب تعاطى مع الأمم المتّحدة وحلف الناتو والمؤسّسات الدولية بازدراء واضح. ما الذي يقوله هذا عن رؤيته للعالم؟
حين يجتمع العداء للمؤسّسات والقوانين من حيث المبدأ، والانعزال عن العالم، ورفض فكرة المسؤوليّة، وأن الحقوق ترتّب واجبات، فهذا الثالوث يضعنا أمام تلك الفظاظة التي يعبّر عنها التعاطي الترامبي.
كيف تقرأ فكرة “الاستيلاء على الثروات” كمكوّن في خطابه السياسي من غرينلاند إلى فنزويلا إلى غزّة؟
إنها أيضاً حصيلة اجتماع العوامل السابقة، والنتيجة هنا، وبالقفز عن سيادات الدول، هي الرجوع إلى زمن استعماري آفل لا يمكن معه إلا أن نتذكّر ما سماّه البعض “مراكمة بدائية لرأس المال”، حيث يُوظَّف العنف والاستعباد والغزو في تملّك الأراضي والثروات، وغالباً ما وفّرت أحداث تاريخية كبرى كاستعمار الأميركتين وتجارة الرقيق الأفريقية وحربي الأفيون في الصين، أمثله بارزة على تلك العمليّة التي كنّا ظنّنا أنها صارت من الماضي.
هل يمكن لنموذج بيرني ساندرز وزهران ممداني أن يكون رافعة لمسار بدأ يتشكّل لمواجهة ترامب؟
أظنّ أن ثنائي ساندرز – ممداني هو تيّار من تيّارات المعارضة الممكنة أو المرتجاة. لكنّ ممداني ظاهرة نيويوركية يصعب تكرارها في مدن أخرى، أما ساندرز، الذي يقول بالنموذج الاسكندنافي، فتصوّره ثقافة القطاعات الأشدّ تخلّفاً وتعصّباً بأنه commy، وهو التعبير الاستبعادي الذي يستخدمه الرعاع للشيوعية، وعند هؤلاء تبدو أدنى مطالبة بالإصلاح والعدالة على أنها commy، بحيث يظهر ساندرز وكأنه يطرح نموذجاً كورياً شمالياً، وليس اسكندنافياً، على الأميركيين.
ما أريد قوله إن ترامب لا يمثّل لأميركا والعالم أزمة سياسية فقط، بل يمثّل أزمة في الحضارة، وهذا يتطلّب نوعاً من التضافر الحضاري؛ إذا صحّ التعبير، لإطاحته.
مع هذا ستكون مؤشّراً مهمّاً انتخابات منتصف الولاية في أواخر هذا العامّ، وترامب يعرف ذلك، إذ سبق له قبل أيّام أن حذّر الجمهوريين من أنهم إن لم يفوزوا في تلك الانتخابات، فإنه قد يُعزل، كما أنه وفي التصريح نفسه، وعلى عادته في قول الأشياء المتضاربة، تحدّث عن إلغاء تلك الانتخابات كاحتمال!
كذلك ينبغي إبقاء العين مفتوحة على إمكان انهيارٍ ما مفاجئ، خصوصاً في الوضع الاقتصادي، وربما فضيحة مطنطنة يصعب تجاوزها والتستّر عليها، والانهيارات والفضائح تتلازم بالضرورة مع شخص كترامب ومع سلوك كسلوكه.
منذ الحرب العالمية الثانية شهدت أميركا موجات يمين عدّة، ما الذي يجعل ترامب أقوى من ريغان وبوش مثلاً؟
وهل أصبح الحزب الجمهوري اليوم حزب ترامب، أم ما زال هناك يمين محافظ من دون ترامب؟
صحيح أن أميركا عرفت أكثر من نموذج متطرّف كان بينهم جورج والاس الداعي إلى الفصل العنصري، الذي رشّح نفسه أربع مرّات لرئاسة الجمهورية بين 1964 و1972، ولم يتمكّن من الفوز بترشيح حزبه.
كذلك الحال مع اللاسامي بات بوكانان الذي دافع عن المجرمين النازيين، أما باري غولدوتر، الذي اشتهر بالعداء لسياسات النيو ديل، وخصوصاً مطالبته باستخدام السلاح النووي للحدّ من التمدّد الشيوعي، فنجح في الحصول على ترشيح حزبه لانتخابات 1964، لكنّه خرج بنتيجة هزيلة جدّاً.
كذلك عرفت أميركا الظاهرة المكارثية مع نشوب الحرب الباردة، لكنّها لم تعش طويلاً، كما ظلّت محصورة بأميركا، فيما كانت أوروبا تعيش تجربة الزواج الناجح بين الديمقراطية والاشتراكية، وهناك بالطبع ريتشارد نيكسون، الذي تعاون مع اللجنة المكارثية وعرف بلاساميته، واعتُبر صعوده ردّاً على “المجتمع العظيم” الإصلاحي لليندون جونسون.
لكنّ الأثر الأكبر لنيكسون ظهر في السياسة الخارجية، وكان أثراً إيجابياً على العموم، فهو الذي وقّع “معاهدة سالت” مع الاتّحاد السوفياتي في 1972، وانفتح على الصين الماوية.
والشيء نفسه يصحّ إلى هذا الحدّ أو ذاك مع رونالد ريغان، رغم أننا بدأنا في عهده نسمع بـ”الثورة المحافظة” وتأثيرات اليمين الإنجيلي، كما بدأ آنذاك تفكيك الدولة بمؤسّساتها وخدماتها، وهو ما كانت تكمله مارغريت تاتشر في بريطانيا، مع هذا يبقى أهم إنجازات ريغان تصليب الحلف الأطلسي، وكسب المعركة مع الاتّحاد السوفياتي من خلال “حرب النجوم”، التي ما لبث الاتّحاد السوفياتي بعدها أن انهار.
مع جورج بوش الأب تراجع البعد الأيديولوجي، وتأكّد دوران السياسة حول الوسط، ليعاود التطرّف حضوره مع جورج بوش الابن من خلال “المحافظين الجدد”، لكن حتى هؤلاء كانوا أمميين وتدخّليين، كما كانوا ردّاً على “واقعية” هنري كسينجر، يجادلون للبرهنة على انسجام المصالح والقيم، أيّ أنهم نقيض لسياسات ترامب، ومن هنا، فضلاً عن مزاجيته وارتجاليته، نشأت أزمته مع جون بولتون.
كذلك، كامتداد للريغانية، ظهرت جماعة “حفلة الشاي” داخل الحزب الجمهوري ردّاً على سياسات الديمقراطيين، وتوكيداً على “الدولة الصغرى”، ومناهضةً للإنفاق الحكومي، وخصوصاً، وبعد سنوات قليلة على نشأتهم، مناهضةً لبرنامج أوباما الصحّي الذي وفّر العلاج لقطاعات سكّانية أوسع وأعرض.
لكنّها المرّة الأولى مع ترامب حيث نرى، فضلاً عن النجاح، ظاهرات مميّزة ثلاثاً:
الأولى: المدى الذي بلغه تهميش المؤسّسات لصالح المخلّص المزعوم. فترامب، كما بات واضحاً جدّاً، أنه معادٍ لكلّ المؤسّسات التي نظّمت الحياة الأميركية تقليدياً، ومعادٍ لفكرة التفكير في السياسة، فهو وحده يجسّد الخلاص من حياة فاسدة ومريضة.
هكذا نجد أن حاشيته لا تضمّ سياسيين أو مثقّفين، إذ ليس فيها كسينجر أو بريجنسكي أو جورج كينان مثلاً، بل هم مطوّرون عقاريون وأصحاب شركات الهاي تيك وأصدقاء شخصيون وأقارب. وبالطبع، في هذا الوسط سيكون من العبث البحث عن ملوّنين وملوّنات، أو حتى عن أميركيين بيض من غير الأثرياء.
أما الحزب الجمهوري نفسه فصار أقرب إلى جماعته بمعنى شخصي ومباشر، فكأن العلاقة من صنف علاقة حافظ الأسد بحزب “البعث”، فلا يوجد في الحزب قطب كجون ماكين أو حتى ليز تشايني.
الثانية: العداء للمؤسسات الذي يفكّك النسيج الوطني والتوافق على مرجعية ما يمكن للجميع الاحتكام إليها. لقد رأينا هذا بوضوح عند تشكيك ترامب بجائحة كورونا وعلاجها، حيث اشتُهر بأنه فعل ذلك 40 مرّة، إضافة إلى رفضه الإقرار بوجود مشكلة بيئية مدمّرة في العالم، والتراجع الكبير في عهده لإنفاق الحكومة الفيدرالية على البحث العلمي، ما يهدّد بتردّي مستويات الجامعات الأميركية قياساً على الجامعات الصينية، ثم على مستوى آخر، هناك تحريضه على اقتحام مبنى الكابيتول والتشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية التي خسرها أمام بايدن، وهذا كان بمثابة تحريض على الانقلاب في بلد اشتهر باستمراريته الدستورية. والقاسم المشترك بين هذه المواقف هو وضع المعايير العقلانية جانباً وجعل الخرافات ونظريات المؤامرة تحلّ محلّ العلم والطبّ، كما تحلّ التغريدات محلّ المعرفة الموضوعية، ولا يعود للمؤسّسات أيّ اعتبار، وترامب، فوق هذا كلّه، وبما يخالف الدستور، قد يفكّر في ولاية ثالثة.
أما الظاهرة الثالثة فهي العداء لأوروبا وللحلف الأطلسي (الناتو)، مقابل علاقات خاصّة ومميّزة يتدخّل فيها المزاج بالحكّام الأقوياء كبوتين ونتانياهو وأوربان، ومؤخّراً الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفه مراراً بـ “القوي”.
إن أخطر ما في أمر العلاقة بأوروبا، التي انطلقت منها حربان عالميتان في القرن الماضي، هو دفعها إلى العسكرة والتسلّح بما يفقرها، وقد يؤدّي مجدّداً إلى خرابها وتخريب العالم، وكراهية ترامب لأوروبا ناجمة عن كراهيته لليبرالية، وللاتّحاد العابر للدول القومية، ولميل أوروبا إلى القطع مع الماضي الاستعماري، ما يعتبره استرخاء أوروبياً تجاه الشعوب غير الغربية، ممثّلةً بلاجئيها ومهاجريها، ولمبدأ التعدّدية الثقافية، ولنلاحظ هنا أن أوروبا التي يحاصرها ترامب من جهة، هي التي يحاصرها بوتين من جهة ثانية، وجماعة “ما بعد الكولونيالية” من جهة ثالثة.
لقد قال ترامب مؤخّراً إنه حلّ ثلاث قضايا كبرى مع نتانياهو في اجتماع دام خمس دقائق! لكنّه إلى جانب إفقار السياسة والتفكير والمؤسّسات، يُفقر اللغة التي باتت على يديه تقتصر على عدد من الكلمات لا يتعدّى العشرين، أغلبها أوصاف مبالغة.
وإذا صحّ أن عهده الثاني تخلّص من بعض شوائب العهد الأوّل، خصوصاً ولعه بتغيير الوزراء والمسؤولين، بحيث بدا أكثر استقرارية ومعقولية، إلا أن الأساسيات لم تتغيّر.
في الشرق الأوسط، هل من الواقعي التعويل على ترامب اقتصادياً أو سياسياً؟ أم أن التحالف معه “ربح قصير وخسارة طويلة”؟
-أظنّ أن التعويل عليه مقلق لأنه من حيث المبدأ هو شخص لا يقبل التعويل عليه، فمزاجه متقلّب ومصالحه قد تتقلّب أو يتقلّب تقديره لها. إن الدول الضعيفة كبلداننا، لا بدّ أن تفكّر كثيراً بعد تهديده للدنمارك بسبب غرينلاند، وفي ظلّ عقلية التاجر الصغير التي تتحكّم به، وما “مجلس السلام” المقترح الآن لغزّة، والمشروط بدفع مليار دولار مقابل المشاركة فيه، سوى عيّنة على ذلك. فلو غضضنا النظر عن سياساته في بلدان كفنزويلا وإيران تبعاً لأنظمتها السياسية، وهو طبعاً ما لا يجوز غضّ النظر عنه، فماذا عن الدنمارك؟ إن تمسّكه بغرينلاند ينبغي أن يخيف كلّ بلد ضعيف، لأنه يعني أن ما من شيء يحمي سوى القوّة. فكيف وأن وضع هذا النهج موضع التطبيق في الشرق الأوسط يتولّاه مجرم مثل نتانياهو؟ لهذا، وفي ما خصّ لبنان تحديداً، فإن كلّ تباطؤ في نزع السلاح، سلاح “حزب الله”، يوفّر مزيداً من الذرائع لثنائي ترامب نتانياهو من أجل تفعيل مبدأ القوّة المحض وتحكيمه في رقابنا.
ما هي الفكرة الأبرز التي تضيفها ظاهرة ترامب إلى الأفكار؟
إنها من دون شكّ فكرة متشائمة جدّاً. لقد علّم هيغل طلابه أن هناك “مكراً في العقل” (the cunning of reason)، وبموجبه يتوسّل العقل أبطال التاريخ العظماء، أو “أفراد التاريخ العالميين”، أي يتوسّل طموحاتهم ورغباتهم وأنانياتهم لإحداث تغيّرات كبرى، يتقدّم معها الوعي بالحرّية ووعي الحرّية بذاتها. فرجال مثل الإسكندر ويوليوس قيصر ونابوليون سكنتهم رغباتهم لإحراز القوّة والعظمة، إلا أن العقل استطاع بمكره أن يستخدمهم لخدمة أهدافه هو لإحداث نقلة جديدة إلى الأعلى في التاريخ.
ما نشاهده مع ترامب واحدة من الحالات التي تخطّئ هذا التأويل، فما يبدو أن ذاك العقل/ الروح (غايست) إذا كان له من وجود فعلاً، فهو وجود أضعف من أن يهزم اللاعقل ويتجاوزه، اللاعقل يتوسّل أيضاً أشخاصاً كترامب يجعلون الحياة أقلّ عقلاً وأقلّ حرّية.

موقع درج
الاحد 1 فبراير 2026