في الطريق الى بيت ولادة - 4 - ظمأ الألفة

19/10/2019 - محيي الدين اللاذقاني


مدرسة "إعادة التدوير" بعزبة الزبالين في مصر تحتفل بتأسيسها



القاهرة -
محمد عبد الجواد -
تحتفل مدرسة إعادة التدوير بعزبة الزبالين في منطقة منشية ناصر بالقاهرة هذا العام بمرور 15 عاما على تأسيسها وهى ليست مدرسة نمطية، ولكنها عبارة عن ساحة مفتوحة ، ومقسمة من الداخل إلى عدة أقسام ؛ مكان للدراسة، وقاعة كمبيوتر، ومكان للرسم والأعمال الفنية وورشة صغيرة لتدوير المخلفات قامت حتى الآن بإعادة تدوير 34 مليون و81 ألف و789 عبوة شامبو تم تجميعها من القمامة وإعادة فرمها وتحويلها إلى بودرة و بيعها للشركة المنتجة لها .


 
وعزبة الزبالين هي أكبر مكان تتجمع فيه معظم قمامة أحياء مدينة القاهرة ، حيث تستوعب العزبة يوميا ما يتراوح بين ستة آلاف وسبعة آلاف طن من قمامة القاهرة. والمنطقة رغم أن مبانيها حديثة ،إلا أنها تتسم بالعشوائية وشوارعها ضيقة ، لكنها تبقى أشبه بخلية نحل فلا مكان فيها للكسالى ؛ الكل يعمل على مدار اليوم ما بين تجميع القمامة وفرزها وبيعها لورش إعادة التدوير حيث يوجد في المنطقة حوالى 750 ورشة صناعية لتدوير المخلفات .

وغالبية أطفال المنطقة يتسربون من التعليم ،ويقاطعون المدارس النظامية لانشغالهم في العمل مع آبائهم منذ الساعات الأولى من فجر كل يوم ، وخوفا من تفشى الأمية بين الأطفال بعد تسرب أكثر من 60 % من أطفال العزبة من التعليم وبعضهم لم يدخل المدارس مطلقا ابتكرت جمعية أهلية مشهرة تحت اسم روح الشباب لخدمة التنمية نظاما تعليميا جديدا خاص بالعزبة ، فأنشأت مدرسة فريدة من نوعها لا تخضع لقواعد ومناهج التعليم الحكومي، وتم وضع المناهج الخاصة بها على حسب ظروف البيئة المحيطة وأطلق عليها مدرسة إعادة التدوير من أجل مساعدة أطفال الزبالين على التعلم والعمل في آن واحد في محاولة لكسر الخوف من القلم .

فى مدرسة أبناء الزبالين ، يتعلم التلاميذ مجانا بلا رسوم ،وقد يحصل التلاميذ على مبالغ شهرية تتراوح بين 150 و750 جنيها مقابل نوعين من أنشطة إعادة تدوير المخلفات الأول جلب علب الشامبو الفارغة والثاني أكياس البلاستيك .

وقال عزت نعيم مدير جمعية روح الشباب لخدمة التنمية التي تتبعها المدرسة لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ): إن فكرة المدرسة في البداية كانت للترفيه عن أبناء الزبالين المحرومين من التعليم، حيث كان الهدف الأساسي في البداية تقديم أنشطة ترفيهية وأغاني واستعراضات للأطفال ونشر المفاهيم الصحية والنظافة الشخصية بسبب طبيعة العمل الذى يمارسونه، وتوعيتهم بالمخاطر المهنية ومخاطر الإدمان ثم تطورت العملية وأصبحت المدرسة تعليمية ودخل معها نشاط إعادة تدوير المخلفات مع الاحتفاظ بالأنشطة الترفيهية .

وتابع عزت نعيم : المدرسة أنشئت عام 2001 ،وفى عام 2003 اكتشفت شركة " بروكتور أند جامبل " العاملة في مصر انتشار ظاهرة الغش التجاري للكثير من منتجاتها فقررت عمل دراسة للتعرف على كيفية غش المنتجات لأنها تفرض رقابة صارمة على عمليات التصنيع ، وتم اسناد عملية إجراء الدراسة إلى إحدى الشركات المصرية للتدريب والتنمية التي اكتشفت أن هناك من يقومون بتجميع عبوات منتجات الشركة الفارغة من مناطق تجمعات الزبالين ويتم غسلها وإعادة تعبئتها بمنتجات غير مطابقة للمواصفات .

وأوصت الدراسة بتحويل المدرسة إلى جانب التعليم إلى نشاط إعادة تدوير مخلفات عبوات الشركة حتى لا يتم غش المنتجات. وبالفعل تم الاتفاق على دعم العملية التعليمية في المدرسة التي تقع وسط أكبر تجمع للزبالين على مستوى مصر ، وأصبحت المدرسة مكانا للتعليم والكسب"Learn and earn" .

ويضيف نعيم : بموجب هذا الاتفاق تحول تلاميذ المدرسة إلى تجار صغار، لأنهم يتعلمون ويقومون بتوريد عبوات الشامبو إلى المدرسة ويحصلون مقابلها على المال .

وتقول مديرة المدرسة ليلى زغلول إن المدرسة يوجد بها 180 تلميذا حاليا ، وهى لا تتبع وزارة التربية والتعليم، وكل تلميذ يحضر حسب ظروفه ،وفى الوقت الذى يناسبه ، نظرا لارتباطهم بالعمل مع أهلهم في جمع القمامة . وفكرة المدرسة في الاساس تقوم على محو أمية أبناء الزبالين حتى يتمكنوا من استخراج رخصة قيادة مثلا ، لأنها تشترط ضرورة وجود شهادة محو أمية على الأقل من أجل قيادة سيارات جمع القمامة .

وتؤكد : الجميع هنا في المدرسة يتعلم ويكسب المال نتيجة جمع عبوات الشامبو البلاستيكية والقيام بإعادة تدويرها ، والتعليم في الأساس يقوم على صوت الحرف وليس اسمه ، وأهم شيء في العملية التعليمية بالمدرسة هو تعليم التلميذ كتابة اسمه كاملا لأن هذه المرحلة بالنسبة للشخص الأمي تعد انجازا .

وتضيف : كل الكلمات المستخدمة داخل المدرسة مستوحاة من البيئة المحيطة ، وهناك ملف لكل تلميذ من تلاميذ المدرسة يتضمن اسمه ومستواه التعليمي والكشكول الذى يكتب فيه ، وحساب خاص بعبوات الشامبو التي يقوم بجمعها ،ويتم ربط تسليم عبوات الشامبو بالحضور والغياب لضمان زيادة الدخل ورفع المستوى التعليمي .

وتشير إلى أن المدرسة تقدم دورات كمبيوتر مجانية لحوالي 100 من الطلبة والطالبات المنتظمين في المدارس الحكومية .

وقالت : هناك حوالى 6 من أبناء المدرسة نجحوا في الحصول على شهادة دبلوم المدرسة الصناعية ، و4 يدرسون حاليا في الصف الثالث الثانوي ، و4 يدرسون في الشهادة الاعدادية ، كما أن عددا من تلاميذ المدرسة سافروا إلى أمريكا وانجلترا والنرويج حيث تم انتاج فيلم عن طريق المدرسة بعنوان "أحلام الزبالين" حصل على 21 جائزة على مستوى العالم ،مضيفة أن تجربة هذه المدرسة جيدة ولكن تعميمها يحتاج إلى الدعم والتمويل ونسعى حاليا لإنشاء مدرسة جديدة في منطقة المعتمدية بالجيزة .

ويضيف موسى نظمى بخيت أحد أبناء المدرسة لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) أنه ترك المدرسة الحكومية مبكرا بسبب انشغاله بالعمل مع والده وبعد افتتاح هذه المدرسة حضر إليها في سن الحادية عشرة ،ونجح في الحصول على شهادة محو الأمية ، وتعلم الكمبيوتر والرسم .

ويحكى موسى رحلته التعليمية قائلا : في المدرسة تعلمنا كيفية كسر الخوف من القلم خاصة في هذه السن ،مؤكدا أنه بعد الحصول على شهادة محو الامية حصل على الاعدادية ، ثم حصل على شهادة الثانوي الصناعي وكان من أحلامه الالتحاق بكلية الهندسة ، لكنه لم يتمكن من تحقيق هذا الحلم ولكن الله عوضه عنه بإتقانه اللغة الانجليزية ، فعمل لفترة في مجال الإرشاد السياحي ، ولكن بسبب الأزمة التي تتعرض لها السياحة حاليا يعمل على مشروع كبير لإنتاج البيوجاز من فضلات الطعام ، ولكنه يبحث عن التمويل الازم للمشروع لأنه لديه وحدة بالفعل ولكن المشروع يحتاج إلى تطوير مستمر .

ويقول حنا عماد / 15عاما / ، إنه يحضر إلى المدرسة يوميا منذ عامين بعد الانتهاء من مساعدة جده في جمع القمامة لتلقى دروسه واللعب على الكمبيوتر ، ويضيف إنه يحصل على متوسط شهري يتراوح بين 500 و600 جنيه مقابل ما يجمعه من عبوات الشامبو .

ويقول نبيل وليم /28 عاما/ أنه كان من أبناء المدرسة وأكمل تعليمه حتى حصل على دبلوم المدارس الصناعية ومازال يتردد على المدرسة .

ويضيف: أن المدرسة أدخلت مشروعا جديدا يساعد على كسب المال بالنسبة للتلاميذ الدارسين بها وهو مشروع الأكياس البلاستيك حيث يتم تجميع الأكياس البلاستيك وتنظيفها ثم يتم فردها وتجميعها في ألواح بلاستيكية من 4 طبقات من خلال تسخينها بالمكواة الكهربائية ثم يتم بيع هذه الألواح أو الأفرخ إلى جهات وجمعيات معينة تقوم باستخدامها في تصنيع حقائب السيدات وأكياس النقود الخاصة بهن بالإضافة إلى حقائب اللاب توب وذلك في إطار خطة إعادة تدوير المخلفات التي تتبنها المدرسة والمنطقة بالكامل .

وحول مراحل التصنيع يقول إنها تمر بعدة مراحل الأولى هي تجميع الأكياس بعد وصول السيارات التي تحمل أطنانا من القمامة ثم المرحلة الثانية تشمل غسل الأكياس التي تم تجميعها مع استخدام مادة البيتادين المطهرة ، واشتراط أن يكون المكان جيد التهوية ونظيف لمنع انتقال العدوى ، ثم المرحلة الثالثة وفيها يتم توزيع أفرخ البلاستيك التي يتم تصنيعها على مشروع خاص ببعض طلبة الجامعة لبدء عملية التصنيع حيث يتم تصدير جزء من المنتج النهائي للخارج .

أما هيثم عادل أحد أبناء المدرسة الصغار فيقول إنه يخرج لجمع القمامة ويعود بعد ذلك للمدرسة حاملا مع عبوات الشامبو التي قام بتجميعها ، ثم يقوم بتجهيزها لعملية الفرم داخل الماكينة المخصصة لهذا الغرض.

وتؤكد مارى نجيب إحدى المدرسات بالمدرسة أن كل التلاميذ حريصون على الحضور حيث تفتح المدرسة أبوابها لمدة 12 ساعة طوال أيام الاسبوع . وتقول إن المدرسة تسعى إلى الترفيه عن التلاميذ من خلال الرحلات الترفيهية التي تنظمها على مدار العام ، بجانب أنشطة الرسم والتمثيل من أجل مساعدة الاطفال على الاندماج في المجتمع .

محمد عبد الجواد
الاربعاء 30 مارس 2016