الجمهورية الإسلامية في لبنان

05/06/2020 - فهد سليمان الشقيران

تلك التفاصيل التي يسكنها الشيطان

04/06/2020 - مالك العثامنة


وادي باتزان الإسباني يجذب الزوار بمناظره الساحرة وأساطيره




إليزوندو (إسبانيا) – تستكين في حضن سفح جبال البرنيز، قرية صغيرة وسط التلال المغطاة بالخضرة، ويمتد في جذورها تاريخ أكبر من حجمها تريد أن تشارك الجميع فيه.


يحب السكان المحليون بقرية إليزوندو الكائنة بمقاطعة نافاري، أن يفيضوا في وصف تراث إقليم الباسك الإسباني الذي ينتمون إليه، ويحكون أحداث ماضيهم الذي يحفل بالأساطير ومحاكمة الساحرات والمصاعب التي عانوها أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.
إليك على سبيل المثال إيزابيل جاليجو خوانساراس التي تستطيع أن تخبرك أن الطريق المفضي إلى الجحيم، تصطف على جانبيه نباتات السرخسيات والقراص وأشجار التوت الأسود، وإذا مضيت قدما إلى الأمام على ذلك الطريق لأمكنك أن تسمع صياح طائر الوقواق، وحال واصلت السير لتصل إلى منتصف الغابة لوجدت مجموعة من الشلالات، ثم هناك طاحونة وسط الجحيم يغذيها جدول مائي.
وهذه الطاحونة المهجورة منذ وقت طويل يطلق عليها اسم "إنفرنوكو إيروتا" بلغة إقليم الباسك أو "مولينو ديل إنفيرنو" بالإسبانية أي طاحونة الجحيم، وكانت تكفل حياة كثير من العائلات أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، ولم يكن يعرف بوجودها سوى سكان المنطقة الذين كان بإمكانهم أن يطحنوا الذرة سرا بدون أن يدفعوا الضرائب الإجبارية للدولة.
وتقول خوانساراس "كانت إيوسيبي والدة جدتي تأتي إلى الطاحونة من آن لآخر، ودائما في الليل مع حمار ومصباح يضيء بالزيت"، وكان الطريق المؤدي من قرية جارتزان إلى الجبال طويلا يبلغ 20 كيلومترا، وكانت الرحلة محفوفة بالمخاطر على الدوام حيث يمكن أن تكتشف الشرطة العسكرية مسارها أو تتعرض لسطو قطاع الطرق.
وبعد مرور بضعة عقود أصبحت خوانساراس الحفيدة الأصغر تعمل في طاحونة تم تجديدها بقرية أمايور، وهناك وفي عطلات نهاية الأسبوع تقدم للزوار كعك مخبوز بدقيق الذرة ومحشو بالجبن واللحم والصلصة مع خلاصة الفلفل الحلو.
ويوجد بوادي بازتان الكائن بسفح جبال البرنيز 15 قرية ويسكنه ثمانية آلاف نسمة، ويقع في القطاع الشمالي بإقليم نافاري الذي يتمتع بالحكم الذاتي، في المنطقة التي تستوطن فيها تاريخيا قومية الباسك العرقية.
وجاءت تسمية الوادي نسبة إلى نهر بازتان الذي يشق قرية إليزوندو التي تعد الأكبر فيه، ويؤثر المحيط الأطلسي بشدة في مناخ الوادي، حيث تخفي السحب والأمطار في أحيان كثيرة المناظر الطبيعية بالوادي.
وإذا أجرينا مسابقة حول أجمل قرى الوادي من حيث المناظر الخلابة، فمن المؤكد أن تفوز فيه قرية زيجا، فتحت برج كنيسة القديس لورينزو التي يرجع تاريخها لعصر النهضة نجد أن منازل قرية زيجا مزدانة بأشكال من الأسلحة وأصص الزهور، وتشير الأسهم المرسومة باللون الأصفر على الجدران والأرصفة إلى الطريق الذي يسلكه الحجيج في قرى زيجا ولوريتا بيروتا.
وطريق كامينو دي سانتياجو الذي يعرف بالإنجليزية باسم طريق القديس جيمس، يسلكه الحجيج من مدينة بيوني بفرنسا إلى بامبلونا عاصمة إقليم نافاري إلى ضريح ذلك القديس مرورا بوادي بازتان.
وهناك أيضا مكان للخرافات في قرى وادي بازتان، ومن الشائع رؤية زهور فضية ذات أشواك معلقة على الأبواب لحماية السكان من الساحرات.
ويتيح متحف الساحرات ببلدة زوجاراموردي الكائنة بوادي زاريتا بشمالي إسبانيا على الحدود مع فرنسا، خلفية مهمة عن الحكايات التي ترددت عن الساحرات وقتذاك.
فقد شاع الخوف من الساحرات مع بداية القرن السابع عشر، وغذته محاكم التفتيش الإسبانية التي تأسست للحفاظ على العقيدة الكاثوليكية، وتم اتهام نساء بريئات بالتعاون مع الشيطان وتم إحراقهن بعد تكبيلهن بعامود خشبي، لمجرد أن لديهن معرفة بأنواع الأدوية أو النباتات، وتردد وقتذاك أنه توجد مخلوقات أسطورية مثل عرائس البحر يطلق عليها "لاميا"، وتقول الحكايات عنها أنه تشبه حية بوجه وصدر أمرأة تلتهم الأطفال وتمص دم الرجال، وتسكن في كهف مسحور ببلدة أوردازوبي أورداكس المجاورة.
ويشرح المرشد السياحي المتخصص في المناظر الطبيعية أركاتز موراتوري للزوار في الطريق من قرية إيراتزو إلى شلال زوروكسين قائلا "مخلوقات لاميا لديها أجسام نساء وأقدام البط، وهن يجلسن غالبا على ضفاف الأنهار ويصففن شعرهن بأمشاط ذهبية"، وتمضي الرحلة سيرا على الأقدام وسط المساحات الخضراء وغابة كثيفة من أشجار الكستناء والبلوط والزان، وتقول أسطورة أخرى أن سيدا للغابة مهيبا وكثيف الشعر يحكم المنطقة.
وأصبح وادي بازتان شهيرا بفضل روايات الكاتبة دلوريس ريدوندو التي مزجت فيها الأساطير بالغموض.
ونشرت روايتها الثلاثية الأجزاء حول وادي بازتان في 42 دولة، وتدور حول مفتش شرطة يحل ألغاز حوادث قتل غامضة ويقاتل أشباح الماضي، وعندما جاءت إلى إليزوندو للبحث عن أماكن تدور فيها أحداث روايتها تعلق قلبها بتلك القرية، وتقول "كل شارع فيها يوح لي بقصة".

أندرياس دروفي
الاربعاء 8 أبريل 2020