الثورات المهزومة ”الربيع العربي نموذجاً”



لا يوجد في التاريخ ثورة نجحت في تحقيق شعاراتها سياسيا ، فثورة العبيد سبارتاكوس سقطت في مستنقع الجريمة وأكلت بعضها ، والثورة الفرنسية التي قطعت رأس الملك والملكة سرعان ما تابعت بقطع رؤوس قادتها ( سوف تلحقني يوما يا روبيسبيير ) ، ولم تستقر بقيمها الحرة إلا بعد 100 عام على اندلاعها ، أما الثورة البلشفية في روسيا فقط دخلت في حرب أهلية طويلة ، ثم انتهت لسلطة مستبدة حيث لم تكن (ديكتاتورية البروليتاريا أكثر ديموقراطية بكثير من ديموقراطية البورجوازية) كما زعمت ، بل أنتجت سلطة مستبدة فاشية فاسدة عادت بالمجتمع للعصر العبودي آعدمت 10 مليون روسي لتثبيت حكمها ،


 

لذلك انهارت سلطاتها ذاتيا بعد 70 سنة من القمع ، وثورة الصين نجحت في تحرير البلاد وتوحيدها لكنها اضطرت لقتل 100 مليون انسان لتحقيق ثورتها الثقافية ، ثم تخلت جملة عن كل مبادئ الشيوعية وثقافتها لتعود لتطبيق تظام رأسمالية الفساد الذي يمعن في استغلال العمال ليحقق قدرة على المنافسة .

وإذا اتفقنا مع عبد الله النديم في اعتبار الإسلام ثورة سياسية ( راجع كتابة الثورة والآيديولوجيا الثورية ) فإن ثورة الإسلام السياسية لم تنجح أيضا ( بغض النظر عن انتشار الدين طبعا ) فقد عاد (بعد 30 سنة من وفاة الرسول) الحكم المطلق الوراثي (حكم المتغلب) وبسلالة من قادة قريش الطلقاء الذين ثار عليهم . فهل بعد ذلك نستغرب فشل ثورات الربيع العربي في تحقيق أحلامها ؟

الثورة ظاهرة مبدعة وفريدة ولا تتكرر ولا يوجد تشابه بين ثورة وأخرى ، لذلك العلوم السياسية لا تدرّسها ، الثورات ليست صالحة لتكون موضوعا للعلم ( التجريبي ) وكل خبراء السياسة لا يفهمونها ، بل يسقطون عليها علومهم التقليدية عن العلاقات بين الدول أو عن مقارنة النظم ، الثورة ليست نظام بل فوضى وتحطيم لهذا النظام ، تأخذ شكلها التحطيمي بناء على تركيبة هذا النظام وظروفه وظروفها … فهي ليست قرار واعي مخطط مسبقا لقوى منظمة ومنضبطة … لتكون سلمية أو عسكرية أو جهادية … إلخ ، تأخذ شكلها تبعا للحاجات والامكانات والظروف، وليس بناء على قرارا كان من الممكن تفاديه . والثورة كفعل تحطيمي تجعل الجميع يخسر ويشعر بالألم تحطم البيت الذي تسكنه التشكيلة الاجتماعية ، فمقارنتها بمرحلة الاستقرار مقارنة غير منصفة … ( كنا عايشين ).

الثورة كفعل تمرد وتحطيم تحدث عندما ينسد باب التطور والتغيير السياسي حيث تعيق البنى الفوقية ( الثقافية السياسية ) المتكلسة تطور وتغير البنى التحتية (قوى الانتاج والاستهلاك) لدرجة الاختناق ، هذا التناقض بين البنى التحتية والبنى الفوقية التي من المفترض أن تعبر عنها ، والناجم عن نقص مطاوعة الفوقية للتحيتة ، ينفجر على شكل ثورة في الشارع تهدف أساسا لتحطيم البنى الفوقية ( النظام السياسي وتحدي السلطات القائمة عليه ) أملا في حدوث تغيير في بنية وطبيعة السلطة ، وهذا لا يشترط أبدا وعي ما يجب تغييره ، فالشعوب تتحرك بحاجاتها وأحاسيسها ، ولا يمكن لعمل (منظم ومدروس وواعي ومخطط ) أن ينجح في تفجير ثورة عارمة خاصة في الدول الحديثة المستبدة ذات الأجهزة التي تمتلك القدرة الهائلة على المراقبة والمعاقبة والضبط والتحكم ،

ويندر في التاريخ وجود ثورة منظمة ومنضبطة ومدركة لأهدافها فالوعي الثوري شرط نظري غير واقعي ، والتنظيم والضبط المؤسساتي أيضا شيء غير متوقع فالثورة جمهرة وهياج جماعي عاطفي وعفوي ، وإلا فهي انقلاب مؤسسات على مؤسسات ، أو تطور طبيعي سمحت به البنى الفوقية ( التي احتفظت ببعض المرونة ) حيث يرفض الجيش أو الأمن تنفيذ الأوامر وينصاع لرغبة الشارع ويحرس سلطات جديدة تختلف شكلا فقط عن القديمة ، أو تستجيب السلطات لصوت المظاهرات وتتنحى لغيرها الذي لا يختلف عنها ، لذلك يندر أن توجد ثورة ضد نظم مستبدة مجرمة نجحت في تحقيق شعاراتها ، بل غالبا ما تعيد انتاج الاستبداد إذا لم تحطم بناه وأسسه المؤسسية والثقافية وهي الأهم ، وفي كل الأحوال فإن ما يتحقق صبيحة أي ثورة هو شيء آخر مختلف كثيرا عن تصورات وأحلام عشيتها … فعندما تتنحى السلطات سرعان ما تعود من الشباك بعد أن تخرج من الباب ، وعندما تتحطم المؤسسات يصعب كثيرا إعادة بناء مؤسسات مختلفة عن الأولى من قبل الثوار الذين يحملون ثقافة العهد البائد .

السبب في ذلك هو الديناميكية الحركية التي تتصف بها التشكيلات الاجتماعية ( الدول ) فالتشكيلة لها ثلاث ابعاد ( اقتصاد ثقافة سياسة ) تتجه الحركة من الاقتصاد الذي يعبر عن نفسه في الثقافة التي تعتبر الأساس الذي تبنى عليه السياسة ، والتي تسيطر على مفاصل الاقتصاد وتوجهه وتشرف كنظام سياسي على توزيع الحصص من الثروة والسلطة على الطبقات والقطاعات والأفراد، وهكذا تدور الحلقة ، وعندما ينغلق باب التغيير وتدخل التشكيلة بالجمود بسبب الاستبداد ، فإن البنى تعيد انتاج نفسها بقوة القمع وبقدرة أجهزة الدولة ذاتها الأمنية والعسكرية والخدمية التي تجند جميعا لخدمة بقاء السلطة والنظام .

وما تحدثه الثورة هو كسر الجمود وكسر حلقة الركود هذه، فكسر حاجز الخوف والطاعة هو الأساس الذي يعبر عن الثورة وهو شيء ثقافي ، والتي تعبر عن نفسها كرفض وتمرد لاستمرار تلك الديناميكية ، لا تشترط نضوج ثقافة مغايرة ولا مؤسسات مختلفة نوعيا بل تبلور رغبة في الرفض ( الشعب يريد اسقاط النظام ) … لذلك تمر هذه الثورات بمراحل تجريبية طويلة بعد اسقاطها للنظام ، تجرب كل شيء قبل أن تستقر على الشكل المناسب المعبر عن البنى التحتية واحتياجات ورغبات المنتجين .

لقد كسر الربيع العربي دوامة الركود وتجديد الاستبداد الذي تغطى بالفكر القومي العربي الفاشي ، وكان عليه أن يجرب النظريات السياسية الإسلامية واثبات فشلها كبديل ، قبل اكتشاف ثقافة وقيم الديموقراطية ودولة المواطنة التعاقدية ، دولة الحق والقانون والمؤسسات ، إن ما سمي بالربيع الإسلامي مرحلة كان لا بد من المرور بها لاختبار امكانية أن يوظف التراث في صناعة المستقبل عند الشعوب التي يصعب عليها التخلي عن الهوية العريقة … لا يوجد في الموروث التراثي الثقافي العربي الإسلامي أي جذور للفكر الديموقراطي ،

لذلك أعادت الثورات انتاج النظم القديمة بطريقة أو أخرى ، أو حاولت انشاء نظم اسلامية سرعان ما اصطدمت بمشاعر الجماهير وحاجاتها وبنمط الحياة العصري الذي لا يقاوم … لذلك صار نجاح الثورات مشروطا بإيجاد تفاهم وتوافق بين الهوية والحداثة ، وبين الدين والدولة الديموقراطية ، وهذا العمل الفكري الثقافي لا يدرس بالكتب بل يتعلم بالتجربة ، فطريق نجاح الثورات ليس مستقيما صاعدا بل متلوي ومتعرج وطويل ، المهم هو استمرار الثورة كما نظر تروتسكي الذي اغتاله ستالين ، أي استمرار رفض كل ما لا يحقق مصالح وحاجات وأحلام الثوار ، حتى لو كان من منتجات الثورة ذاتها أو ركب عليها وسرقها لصالحه ..
في المقال القادم
-----------
ذا لافانت


د . كمال اللبواني
الاثنين 17 يونيو 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث